منتصر حمادةالرباط ـ ‘القدس العربي’ وحدها ‘صدفة’ الاطلاع على كتاب قيّم للغاية، يحمل عنوان: ‘الخطاب القرآني.. القرآن مرجعية العمل النهضوي’، تقف وراء إنجاز هذا الحوار، مع مؤلفه، الدكتور والباحث اللبناني سعد كموني، فكانت هذه الأسئلة والاستفسارات عن قراءة المؤلف لميزة أعمال طه عبد الرحمن ومحمد أركون ونصر حامد أبو زيد، أو آفاق الحاجة إلى قراءات جديدة/حديثة للقرآن الكريم، حتى نستأصلَ مآزق الانهيار القيمي والأخلاقي التي تعاني منها الأمّة الإسلاميّة اليوم، أو الترحال مع أسباب غيابَ سؤالِ الجمال في الأدبيات الفقهية المعاصرة، كما لو أنّ النصَّ القرآنيّ ومعه النصّ النبوي (في شقِّه الصحيح على الأقلّ) لم يتطرّقا لهذا السؤال؛ وأسئلة أخرى، فكان هذا اللقاء..* من أهمّ الملاحظات النقديّة التي يخرجُ بها قارئ كتاب ‘الخطاب القرآنيّ.. القرآن مرجعيّة للخطاب النهضويّ’، صمت المؤلّف عن الخوض في تقييم أعمال العديد من الأسماء التي خاضت في مشاريع اصطلحَ عليها بحثيّاً وإعلامياً بـ’القراءات الحديثة للقرآن’ أو ‘القراءات الحداثية للآيات القرآنيّة’، بتعبير طه عبد الرحمن، ونخصّ بالذكر منهم أسماء معرفيّة من طينة الراحلَين: محمد أركون ونصر حامد أبو زيد، والمنصف عبد الجليل صاحب شعار ‘الوحي لم يعد منتجاً للحقيقة’، ويوسف صدّيق وغيرهم من الباحثين طبعاً..’ لماذا هذا ‘الصمت’؟ أو التغافل بتعبيرٍ أدقّ؟ وهل كان مقصوداً حتى لا يتفرّع العمل (‘الخطاب القرآني’) على فصولٍ أخرى؟ أم ثمّةَ أسبابٌ منهجيّةٌ أخرى؟’ يفترضُ سؤالَكم أنني أقدمتُ على النصّ القرآنيّ بهدف قراءتِه قراءةً حديثة، وهذا الافتراض ينسب إليّ شرفاً لا أدعيه، بل إنّ ما قمت به وأقوم، هو التصدّي للواقع العربيّ المضطرب حضارياً، ومحاولةُ الحدّ من غلواء تداعيات ثقافةِ الاضطراب وهيمنتِها على مجتمعنا وبخاصّةٍ الجيل الجديد منه؛ إذْ لم يرُق لي أن أستسلمَ للفشل الذريع في العمل النهضويّ الذي كان يستهدف تطوير المجتمع على مختلف الأصعدة، وعندما أقول لا أستسلم، لا يعني أنّني لا أقرّ بالفشل، بل أعتبرُه نتيجةً حتميّةً لسلوكٍ لا يؤدّي إلا إلى هذا الفشل، قد يصحُّ أنْ نقول المؤامرة، ونقيس قوانا على قوى من يقوم بها، فنجدُ أننا دون المستوى فنتعثّر باجتهاداتنا، ونتحدّث عن المقاومةِ العسكرية، أو السياسيّة، أو الثقافيّة أو… ولكن المشكلةَ ليست في الآخَر الذي يستهدفنا، بل المشكلة فينا نحن، في ما نطرح بمواجهةِ ضعفنا وهواننا على الناس. صحيحٌ أنّ الأحزاب النهضويّةَ طرحتْ حلولاً راديكاليةً لمشكلات الأميّة والفقر والمرض، وصحيحٌ أيضاً أنها طرحت الكفاحَ المسلّحَ لتحرير الأرض من الاحتلال، وصحيحٌ أيضاً أنها رأت في التجزئة العربيةِ معوّقاً حضارياً فظيعاً، وجعلت شعارها الأهم هو الوحدة العربيّة، وجرّبت وباءت التجربة بالفشل، ودعت إلى وحدة النضال العربيّ سبيلاً إلى الوحدة، ولكنْ ـ بلا مواربة ـ هوَت كلّ هذه الشعارات، بل كان سقوطها مدوّياً.وجدنا أن الرجعيّةَ العربيّةَ استطاعت أن توحدَ صفوفها في مواجهةِ التقدّميّةِ العربيّة، في الوقت الذي شهدنا فيه صراعات داميةً بين التقدميين العرب في مختلف الأقطار.. قلّما نجدُ رجعياً في سجون التقدميين.. بالمحصلة، فشلت حركة النهضة العربيّة في تحقيق أهدافها في ما يزيدُ عن مئة سنة. هنا في هذا الانسداد الحضاريّ، ألحَّ عليّ السؤال: ‘لماذا فشلَ الشعرُ الحديث، لماذا فشلت الجامعات الحديثة، لماذا فشلت المشاريع التربويّة والزراعية والصناعية والتنمويّة بشكل عام، لماذا تراجعت اللغةُ العربيّةُ إلى هذا الدرك المعيب، لماذا كان الفتى أو الفتاة في مطلعِ القرن الماضي يذهبُ إلى بلاد الاغتراب، يتعلّم وبين جنبيه حنين هائلٌ ليعود إلى بلاده ليقول للناس ماذا تعلّم، ينشرُ أفكاره التي عادَ بها من بلادِ الآخرين؟ بينما اليوم يتعلّمُ في بلاده بلغةِ الآخرين ويتوقُ توقاً شديداً ليعملَ عندَ الآخرين، في بلاد الآخرين؟ لماذات كثيرة تلحّ علي؛ وما كثرتها إلا علامةٌ على سوء الواقع، وعقم المشاريع والأفكار التي تتصدى لهذا الواقع، وللتعامل معها قررت أن أعرف العربيّ من خلال نصوصه التي أبدعها أو التي تلقاها، فكان لي أن أتتبع الظاهرة الطللية في النصّ العربي مظهراً للرؤية العربيّة، (الطلل في النص العربي) بهدف التعرّف على رؤية العربي للمكان، كيف بدا له وكيف تعامل معه، وما هو فهمه للمكان؟ ثم أردت أن أعرف العقل العربيّ كيف يعمل، فتتبعته في اهتماماته من خلال رصد مفردة عقل في القرآن الكريم لأعرف حمولتها من خلال السياق، وتحققت من تلك الحمولة بالنظر في الشعر الجاهلي أرصد استخدامها الوجداني كما وصلنا. وبعد ذلك أقدمت على رصد الآيات الكريمات التي تضمنت أسماء الله الحسنى، فقرأتها بالاستنادِ إلى المنهج الذي يقتضي تلمس الطريق إلى المعنى من خلال الوصف والتحليل النحوي ومداعبة الظواهر الأسلوبيّة في النص، فكان كتاب ‘العقل العربي في القرآن’. وانّي اعتقدت بأنّ الدعوةَ لتغيير الموقف من الزمان والمكان والإنسان هي المشروع الحضاري الذي يستحق النضال والتضحية، وأنّي اعتقدت بأنّ الدعوةَ إلى النهضة العربيّة قد اعتراها كثيرٌ من الخلل حتى أفضت بنا إلى هذا الانهيار، وأني أعتقد بأنّ الدعوةَ المحمّديّة هي دعوةٌ ناجحةٌ بكلّ المعايير والمقاييس، أثبتت رسوخها في الحياةِ الإنسانيّة لقرون عديدة ولمّا تزلْ بوهجها، وأني أعتقد بأنّ النصّ القرآنيّ الكريم هو المرجعيّةُ العقديّة الانقلابيّة لتلك الدعوة الناجحة، اتجهت إلى رصد بعض الآيات الدعوية لأقفَ على أسلوبها فأضعه بين أيدي القارئ العربيّ لعلّه يستأنس به فيستنبطَ منه قانون الدعوة الناجحة، أو كلمةَ السرّ التي أفادَ من اكتشافها أسلافنا فنجحوا، وبالتالي يدفعنا هذا إلى إعادةِ صياغةِ مواقفنا الحضارية من جديد ليستقيم شعرنا ونثرنا وزراعتنا وصناعتنا وتجارتنا وقوانين السير وتوزيع المياه والكهرباء ….. ونمنعَ تصوير الكتب في الجامعات على الأقلّ، احتراماً للبحث العلمي وسبل تطويره… وفوق كلّ هذا كان مشهد الفتن المتنقّلة في الوطن العربيّ برمّته مريعاً، ما يجعلنا نشكّ في تديننا وتحزبنا وتعلمنا، الأمر الذي يدفعنا للبحث عن أسس الدعوة الناجحة، وتأكيد حقّ الاختلاف ورعايته، فكان لي أن أخرجَ بكتاب ‘الخطاب القرآني.. القرآن مرجعية العمل النهضوي’.إذن عملي مختلفٌ عن أعمال مَن ذكرت، قرأت ما أنجزوا واستفدت من قراءاتهم الحديثة، ومن منهجيّتها وفلسفتها، إنهم يمارسون الحداثة بكلّ متطلّباتها، وهذا يتراكم حكماً ليكونَ ذات يومٍ بيئةً صالحةً لخلقٍ جديد. هذا كلام عام / صحيح/ إلا أنّه ينطبق على كلّ واحدٍ منهم بشكلٍ خاص فهم يناقشون الفلاسفة، والمتكلّمين، والفقهاء، والمفسرين، من خلال نقد أعمالهم، ومن خلال تقديم قراءةٍ جديدة للنصّ ‘المؤسس’ وللمفاهيم المؤسّسة، هذا ليس مجال عملي، أنا مختصّ باللغةِ العربيّة وآدابها، أقرأ النص القرآني بوصفه نصّاً أدبيّاً، وبحدود قدرتي على استخدام هذه اللغة، ومعرفتي المتواضعة لأساليب القول فيها، مستفيداً من كوني أعيش في هذا الزمن، مع منجزاته العلمية، وبخاصّة على صعيد اللسانياتِ ومختلفِ فروعها. قد يكون ما أقوم به قراءة جديدة للنص، إلا أنّها ليست هدفاً، بل الهدف ما تكشفه هذه القراءة الجديدة. وهذا ما قدرت عليه والله من وراء القصد.’ تقاطعاً مع ثنايا السؤال السابق، ما هي معالم القراءة الأوليّة للدكتور سعد كموني لبعض هذه القراءات، حتى لا نتحدّث عن جميعها طبعاً؟’ كأني بك تحاول أن تجد لي موضعاً ما بإزاء هؤلاء المفكّرين، فتسعى لتعرف مقدار قربي أو بعدي منهم، لا بأس بذلك، فهم أساتذة، وقد أبَوا أن يتموضعوا في مهبّ القرآن الكريم إذْ يعيبُ على العرب تقليديتهم واتباعيّتهم في معاندتهم الضرورةَ الانقلابيّة للتطوّر والتقدّم، وراحوا يتباهون بآبائهم وباقتفائهم لهم ‘بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ’ (الزخرف42: 23) رفض هؤلاء الأساتذة أن يتبعوا، وأن يقلّدوا، وهم بذلك المثل الأعلى لكلّ من يسعى إلى المعرفة. هذا من ناحية، ومن ناحيةٍ أخرى فهم يتعاملون مع المنجز الثقافي، والفكري، والفلسفي، يناقشونه، ويعملون على تجاوزه، تأسيساً على رؤاهم الخاصة التي تشكلت عندهم من انتمائهم إلى العصر علمياً وثقافياً وحضارياً، وهم بذلك أيضاً يستحقون الصدارة. ومن جهةٍ ثالثة، لقد رأوا أن العلميّةَ تقتضي نزع القداسةِ عن النصّ حتى ينطلقوا بأفكارهم نحوه، فينتزعونه من الصنميّةِ التي أسرته، ومن الوجدانيّة التي غلّفته. لذلك؛ لا نستطيعُ إلا أن نحترمهم، أمّا وقد رُفضوا من بعض السلطات الدينيّة في مجتمعاتنا، فهذا لا يغيّر من حقيقةِ الأمر شيئاً، إذْ لا يكون التقدّمُ والرقيُّ بالتفكير ما لم يكن هناك حريّة، والحرّيّةُ ليست ادعاءات ولا نظريات، بل هي ممارسة، فالقرآن الكريم لم يتنزّل لقوم مؤمنين، بل لقومٍ يعقلون، أعملوا عقولهم في السماوات والأرض بدفع منه، وأعملوا عقولهم في أنفسهم، وفي ماضيهم بدفعٍ منه أيضاً … حتى نجحوا. لو لم يكونوا أحراراً في خياراتهم لما كانوا مؤمنين به، بل ما كان لطه عبد الرحمن، ولا لمحمّد أركون ولا لنصر حامد أبو زيد أن يجدوا شيئاً يناقشونه، أو ينقدونه. إنّ أيّ واحدٍ منهم ـ باستثناء محمد شحرور، طنطاوي جوهري ومصطفى محمود ـ لا يريدُ أن يستخرج أحكاماً ولا عقائدَ من النصّ القرآني، بل ينقد هذا النص، وينقد مَن تعامل معه، يحلل، يعلل، يفسّر، يؤوّل…. ويقوّم، بهدف إحداث قطيعةٍ معرفيّةٍ معه، وهذا من حقّه، ولكن القطيعة المعرفيّةَ غير ممكنةٍ في هذا المساق طالما أنّه يحدد رؤيته للكون بقياس مقدار تعارضها مع النصّ القرآني، وهذا سيكون له أهميّةٌ بالغة في إعادة تأصيل الرؤى الحديثة، ولكن لا يمكن أن نتوهم القطيعةَ المعرفيّة. فأنا لا أرى التطاولَ على المصطلح المتداول كحذف العلامات التعظيمية عن القرآن مثل ‘الكريم/ العزيز..’ أو علامات التعظيم عن الله ‘جلّ جلاله’ ستسهمُ في إحداث القطيعة المعرفيّة. بل هذا السلوك المنهجي يعوّق القطيعة المعرفيّة، وذلك أنّ العلميّةَ تقتضي استخراج الأحكام والعقائد بمنهجيّةٍ حديثة، وعقليّةٍ حديثة، يمكن أن تختلف كمّاً ونوعاً عن المستخرَجِ قديماً، وذلك أنّ المنهجية تختلف، والعقليّة تختلف، والحاجات تختلف. لكن أن ننطلقَ إلى إحداث القطيعة تأسيساً على نفي إلهية النص، واستبدال الخطاب الإلهي بالخطاب المحمدي، فإننا لن نصل. وما أقوله لا يقلل من أهميّة ما أنجز حديثاً، بل أنفي فقط قدرته على إحداث القطيعة الإبستمولوجية.يا صديقي؛ التطاول على النص ليس نقداً ولا هو قراءة حديثة، ولا شيء من هذا، بل هو محاولة حسمت نتائجها قبل أن تبدأ. القراءة الحديثة تقتضي منهجيّةً مغايرة لا يقتضيها التقدّم الغربيّ وحده، ولا يقتضيها العقم العربيّ الراهن وحده، ولا يقتضيها الماضي العريق وحده، بل يقتضيها فَهم أسباب العقم وتداعياته، والإيمان الأكيد بأنّه راهن، وقراءة النجاح الغربيّ بأثرٍ من هذا الفهم، وقراءة الماضي العريق بأثرٍ من هذا الفهم أيضاً. هذا ما أعتقده، وهذا ما يحتاجُ نضالاً وكفاحاً وسهراً وتعباً، وصبراً طويلا.الحداثة الناجحة، هي الحداثة التي تشمل كلّ مناحي الحياة. وأنْ نكتبَ نصّاً حديثاً منتمياً إلى واحدةٍ من الفلسفات الحديثة، ولم نسعَ إلى غلغلةِ هذا النصّ بكلّ قيمِه الحديثة في عروق المجتمع ثقافةً، وسلوكاً تفكيريّاً، أو حركياً؛ فإن ذلك لن يكون سوى تصفيقٍ لفظي من أقاصي الأرض لا يحتاجه ابن الفلسفةِ الحديثة، ولا يلوي عليه الضالون عنها. سُقْت هذا لأقول، إنّ النصّ الحديث بمنهجيّتِه وعقليّته الحديثة هو المهموم بإعادة تشكيلِ البنى الاعتقاديّة للناس، ويتطلّبُ ذلك ربط مصالح الناس مع الحداثة، وفكّ أربطة هذه المصالح مع القدامة، أو الأصحّ إن هذه الأربطة ستتحلل من تلقاء ارتباط مصالح الناس مع الحداثة. والواقع ليس كذلك، الواقع إنّ الناس عندما يرون أنّه لا بدّ من الحداثةِ في جانبٍ من الجوانب، نجدُ أنّهم يديرون ظهورهم إلى كلّ كلام وينطلقون، غير أنّ أصحابَ المآرب الخاصّة من أركان السلطات الدينية ينبرون إما لتبرير هذا السلوك وبالتالي يمنحون حركة الناس غطاءً شرعياً، ليستمرَّ تسلطهم، وإمّا لتأنيب الناس وترهيبهم لمخالفتهم الشرع، ولمخالفتهم كبار المشرّعين، فيكون سلوك الناس بتأثير من هذا وذاك سلوكاً يتناقض فيه الشكل والمضمون، أو المبنى والمعنى أو… بلغةٍ أكثر صراحةً يكون سلوك الناس نفاقاً لا يوصل إلا إلى العطالة التاريخيّة.وعليه ينبغي للحداثويين أن ينطلقوا إلى نقد النصوص وأصحابها، تحت ضغطِ الحاجة إلى النقد، وليس تحت ضغط الأغراض والمآرب الشخصيّة، فإما أن يكون المفكّر والفيلسوف والناقد مسؤولاً يتحمّلُ مسؤوليته التاريخية، وإما أن يكون متبجّحاً بالحداثة التي لا ولن تحدث أمراً.أعرف أنّ الأفكار الجديدة لا تكون شعبيّةً أو جماهيريّة بادئ الأمر، إلا أنّها ستنتصر ما دامت الشعوب في صلب همها واهتمامها، والمسيرة طويلة.’ هل يمكن الجزم بأنّه ثمّةَ فوارق نوعية وجوهريّة في تعامل القدامى والمعاصرين مع النصّ القرآنيّ، بالصيغةِ التي يختزلها رفع شعار ‘النص المقدّس’ عند البعض و’ النصّ المؤسس’ عند البعض الآخر، على اعتبار أنّ تبني هذا الشعار أو ذاك، يترجم بشكلٍ أو بآخر بعض معالم المرجعيّة المعرفيّة للباحث المعني بالتعاملِ مع النصوص القرآنيّة؟’ إنّ التفكير هو إعمال الذهن في ما هو خارجه، ويأتي هذا الإعمال وفق بيئةٍ ذهنيّةٍ شكّلها موقفٌ شموليّ بإزاء المكان والزمان والإنسان، وعندما تكون هذه البيئةُ الذهنيّة قد تألّفت عناصرُها أو بعضُها من كون موضوع التفكير مقدّساً فإنّ آليةَ الإعمال ستخضعُ حكماً لمبدأ التبعيّةِ التي يقتضيها التقديس أصلاً. صحيحٌ أنّ القرآن الكريم قدّمَ نفسه مقدّساً، وهو كتاب الله إلى العرب، ومنهم إلى الإنسانيّةِ جمعاء، غيرَ أنّ القداسةَ لا يفرضها على المتلقي فرضاً، فتكون حكماً مسبقاً ينطلقُ منه المتلقّي في تعامله مع ما يتلقّى، بل يستدعيه إلى بلوغِها عن طريق العلم ‘وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا'(الإسراء 16: 36) وبالتالي إنّ التعامل مع النص مع أسبقيّةِ الموافقةِ على كلّ ما سيردُ فيه؛ لن يجعلَ المتعاملَ معه على بيّنةٍ من الأمر، بل سيجعله خاضعاً للنص، وسيكون لهذا الخضوعِ أثرَه الأكيد في المسار الحضاريّ جملةً وتفصيلاً، أليست الحضارةُ موقفاً قبل كلّ شيء، فإذا كان القرآن الكريم لا يتوخى تعديل الموقف الإنسانيّ عن طريقِ التأثيرِ حصراً بل عن طريق التحريض العقلي، إذْ وردت مفردةُ ‘عقل’ في القرآن الكريم ثلاث عشرةَ مرّةً بصيغةٍ توبيخيّة تحريضيّة، ‘أفلا يعقلون’، ‘أفلا تعقلون’، ‘اعقلوا’.. ما يعني أن ما يمكن أنْ يكون مقدّساً ينبغي أن نكون على قداسته بعد إعمال العقل فيه.أمّا الموافقةُ المسبقة، فمن شأنها تعطيل العقل، وبالتالي تمجيد الاتباع الذي يعزّزُ السلطة الدينيّة، ويبرر تسلطها على الوجدان العام والخاص، كي يكثر النفاق في المجتمع، وتهوي الحضارةُ بأمّها وأبيها.. وكأنّي بالإعجازيين قد أدركوا هذا الأمر وخطورته، فراحوا يبحثون عن مكامن الإعجاز في النص انطلاقاً من كونه نصّاً عربيّاً، فرصدوا كنوزه المعرفيّة، وأخطأوا وأصابوا ولم يضرهم الخطأ شيئا. أما اليوم، حتى تستقيم القراءةُ الحديثةُ للنص فلا حاجةَ لنفي القداسة مسبقاً لتتحقّقَ الأهداف، بل ينبغي تنحيتها أثناء القراءة، ليكون التفكير قادراً على الاستفادةِ من البيئة الذهنيّة الجديدة، في المكان الجديد والزمان الجديد والإنسان الجديد. والمشكلةُ عندما نقول بالنص المؤسس، فإنما بذلك نلغي الوحي، وهذا ليس مطلوباً لإنجاز الحداثية، بل ينبغي فهم الوحي والتعمق فيه بدل إنكاره، والوحي لا يخضع للتحليل الفلسفي، أو المنطقيّ، بل يخضع للعلم، حتى يثبته أو يفصّله. ويعني إنكار الوحي بالطريقةِ التي ألحظها عند الحداثويين، وضع حاجزٍ بين القارئ الحديث والأهداف التي من أجلها يقرأ، فتفشل قراءته، مهما علا شأنها العلمي في بلوغِ مآربها، وذلك أنّ القرآنَ الكريم بوصفِه مرجعاً معرفيّاً لمئات الملايين من البشر، إذ اتخذوه الآن مهجوراً، فذلك مردّه إلى عقم القراءات، وليس لنفورهم من مرجعيته، بل لنفورهم من الدعاةِ إليه، ويعرفون ضمناً أنه ينطوي على مصابيح الهدى وأسباب العزّة، ولكن لا يقفون عليها، ولا ينبغي لهم؛ لأنّهم يدفعون ضريبةَ الجهل والفقر والمرض، أي ضريبةَ التخلّف، وهنا تظهرُ مسؤوليّة المثقّف المتحرّر، في تقديم القرآن الكريم مرّةً أخرى للبشريّة، تقديماً متميّزاً مما سبق، وتقديماً يشكل حاجةً لكلّ مَن لحق، وهذا يحتاج إلى وعي المسؤوليّة التاريخية، والاستعداد لتحمّلِها، واللطف في المعالجةِ. لا تكفي الحريّةُ لإنجاز التقدّم، بل سنحتاجُ معها إلى المسؤولية، وبخاصّة في ظل هذا الانهيار القيمي العارم.* وهل نحتاجُ إلى قراءات جديدة/ حديثة للقرآن الكريم، حتى نستأصلَ مآزق الانهيار القيمي والأخلاقي التي تعاني منها الأمّة الإسلاميّة اليوم، أو أغلب الأقطار الإسلامية، أم أنّ القراءات والتفاسير القديمة كفيلةٌ للقيام بهذه المهمّة المؤرقة، وإذا كان الأمرُ كذلك، فما الذي حال دون ترجمةِ مقتضيات هذه التفاسير على معالم الواقع الإسلاميّ الراهن؟* نعم، وبلا أدنى شك ، نحتاجُ إلى قراءاتٍ حديثة، تشكلُ مرجعيّةً للعمل النهضوي، فالقراءات القديمة حصّنتِ المجتمعاتِ القديمة من الانهيار القيمي والأخلاقي، وتقادمت، أي كفّت عن التحصين، إذِ اخترقت بتجدّدِ الأسئلة بإزاء الكون والإنسان والحياة والموت، فالقراءات القديمةُ بحثت في النص القرآني عمّا يقوّضُ آثارَ المواقف التي كانت سائدةً في حينها، فاستقامَ الأمرُ يتجدّدُ مع كل طارئٍ إلى أن تحوّلَ الدين بعامّةٍ إلى مجرّدِ طقوسٍ وعباداتٍ جوفاء، كما تحوّلَ العلمُ إلى كتبٍ محفوظة فانتفت ملكةُ الإبداع، واستقالت شعوبٌ من دورها في صناعةِ التاريخ. وأن الحضارة كما يقول ‘ول ديورانت’، لا تموت بل تنتقل من مكانٍ إلى مكان، فانتقلت وتجاوزت مشاربها إلى أبعد بكثير مما كانت عليه القراءات القديمة، فلا بدّ والحال ملحّةٌ جداً من أن نقدمَ على التعاملِ مع النص، وقد عرفنا منجزاتِ الأسلاف في تعاملهم معه، وعرفنا منجزات الآخرين وما ينجزون في التعاملِ مع أسئلةِ الواقع الجديد، وعرفنا حاجتنا للتخلّصِ من هذا الواقع الرديء، أو من هذا التكلّس الذي يصيب أدمغتنا بسبب العطالة التفكيريّة التي تتحمّلُ مسؤوليّتها السلطاتُ الدينيّةُ بمختلفِ اتجاهاتها طالما أنّها لا تنوي التمرّدَ على الكتبِ المحفوظة، وطالما أنّها تخشى العقل ، وتخشى الخطأ.بدأ التمرّد الشعبيّ على القيم الموروثة عندما اصطدم إيمانهم بما يتطلّبه العصر من سلوك، فصار المأزق حاداً في الوجدان إذ يتناقض المعتقدُ وما يقتضيه، مع السلوك الذي تلحُّ عليه الحاجة، فالمثل الشعبيّ خير شاهدٍ على هذا الموقف المأزقي: ‘صُومْ وصَـلِّي بْتِرْكَبَكْ الْقِلِّة’، ما يعني أن العصر يتطلّبُ نشاطاً يتناقض مع ما تقتضيه الصلاة ويقتضيه الصوم، ولا يجوز أن نترك الصلاة والصوم، ولا يجوز أن نخضعَ للقلَّة والفقر، فكيف يمكن أن نزيدَ من مدخولنا دون أن يتعارض ذلك مع مقتضيات الشعائر؟ هذا هو المأزق القيمي، وهذا هو المأزق الأخلاقي، فالمشرّع لا يقدم على التفكير خوفاً وطمعا، والناس لا يخالفون المشرع لأنّه عالم وهو من أهل الذكر الذي ينبغي أن يُسألوا! إذن يستطيع المرء أن يجتهدَ دون أن يدعو الناس إلى اجتهاده، فليس هناك من مشكلةٍ بين العبد وربه، بل المشكلةُ مع الفقهاء الذين تسربوا إلى حياتنا من القرون التي أهلكت، ومن الناس من أدار الظهر كلياً إلى الفقهاء وربهم، وراحت تنداح دائرة انتشارهم وفلسفاتهم السلوكية، حتى بات القيمي ـ لفظاً على الأقل ـ غريباً في مجتمعه، إن لم يوصف بالغباء.تغيّر كل شيء، ولم يغيّروا مواقفهم فكيف لا يصطدمون بالواقع! والمشكلةُ أنهم يزعمون أنِّ مخالفتهم هي مخالفةٌ للنص، وبالتالي إغضابٌ لله جلّ وعلا. فالمأزق هنا نفسيٌ وجداني، عقليٌّ شامل. لا يمكن التصدي له بتغيير السلوك، بل بتغيير المواقف، أي بإعادة طرحِ الأسئلةِ بحدّة، وعلى الباحثين العضويين أن يجدوا أجوبةً من النصّ، وإنْ تناقضت مع ما وجده السابقون، فلا يعني ذلك أنّ السابقين أخطأوا؛ بل يعني أنّهم وجدوا ما يجيب عن أسئلةِ عصرهم، ويعني أن المعاصرين وجدوا ما يجيب عن أسئلة عصرهم، وبالتالي هذا مدخلٌ مسالمٌ للخروجِ من المأزق. يتطلّبُ جهداً يقبلُ الخطأ، وذكاءً وجرأة، وإنْ لم يجدوا في النص؛ فما المشكلةُ في أن يجيبوا من خارجه؟ من علمهم وعلم غيرهم؟ أقول إذا لم يجدوا، ولا أقول إن لم يوجد. * كيف نفسّرُ غيابَ سؤالِ الجمال في الأدبيات الفقهية المعاصرة، كما لو أنّ النصَّ القرآنيّ ومعه النصّ النبوي (في شقِّه الصحيح على الأقلّ) لم يتطرّقا لهذا السؤال؛ ومعلومٌ أن العالمَ بأسرِه يعرف اليوم تحدياً مفاهيميا في التعاملِ مع سؤال الجمال، وأيضاً سؤالُ الفن، وبالتالي، يجد المسلمون أنفسهم، معنيين بإبداء وجهات نظرهم الفقهية والمعرفيّة في الموضوع، لولا أننا نصطدمُ للمفارقة بتواضعِ هذه الأجوبة /وجهات النظر، مقارنةً مع الأجوبة المقدّمة من حضاراتٍ أخرى، مؤسسة على نصوصٍ دينية وفلسفيّةٍ مغايرة؟* إنّ سؤالَ الجمالِ أصلاً مرتبطٌ بالموقف الحضاريّ، ومفهوم الجمال كمفهوم الحريّة، أو مفهوم الحقّ والخير، عندما يكون الكونُ شديدَ الغموض، يأتي الموقفُ التلقائيّ في تصنيف الكائنات بين حليفٍ ومعادٍ، تبعاً لمصالح الإنسانِ معها، فالنار كائن حليف عندما يكون التحدي متمثلاً بالصقيع، وضوء النار يصبحُ حليفاً عندما يتمظهرُ التحدي ظلمات، والنار نفسها كائنٌ معادٍ عندما يكون التحدي متمثلاً في الحرّ الشديد. الإنسان اتخذَ هذا الموقف من النار تحت تأثير حاجته، ولئن لبّتِ النار حاجته، راح يبحث عن مكمن القدرةِ في النار، وعندما يدرك ذلك؛ يشعر بسعادةٍ مختلفة كلّ الاختلاف، تنعكس في وجهه وعينيه، ولغته، وسلوكه بمختلف مظاهره. هذا الانعكاس هو مظهر السعادة، وهذه السعادة هي الجمال….ولئن أخبرتك عن سعادتي بأمرٍ ما، فإنّ شعورك بالجمال لن يتحقّق، ولكن إذا كنت فناناً بنقل هذه السعادة/ المعرفة عبر الألوان، أو الأنغام، أو الكلمات أو، التشكيل في المكان أو المسرح أو السينما… فإن الشعور المطلوب قد يبدأ بالتخلّقِ عندك، وهنا ينبغي أن تحظى حواسك بالرعاية، بالتربية على تلقي الجميل، ينبغي أن تحظى بالثقافة التي تمكّنك من عصرك، وتمرّن عقلك على رصد المشاهد.لقد قدّمَ الله جلَّ وعلاَ الكونَ آياتٍ ينبغي التعاملُ معها بهدف كشفها، بهدفِ معرفتِها، فإذا عرفناها، تحقّقت إنسانيتنا، إنسانيتنا الحقّة، سعادتنا بهذه المعرفة ليس كمثلِها سعادة، إنّها عظمةُ الإنسانِ في هيمنتِه على الكون، حتى على الملائكة الذين سجدوا لآدم. وقد يكون السبيل إلى تلك المعرفة سبيلاً فردياً في جماعةٍ تسعى نحوها بدوافع مختلفة، وكلّ واحدٍ يؤدّي تتبّعَه لهذه الآيات أداء مختلفاً، والذي يرقى باتجاه إنسانيّته أكثر، ينقلُ إلينا تجربته الجماليّةَ هذه فتدهشنا، وتحرّضنا باتجاه إعادة صياغةِ ذوقنا، ولغتنا، وحبّنا.. إعادةِ صياغةِ مشاعرِنا. إذ، مفهوم الجمال، هو في سعادة المعرفة، ويأتي التعبيرُ عن ذلك فنا ملائما، لهذه السعادة، يبيّن التجربة الجماليّةَ بكلّ أبعادها.إذن، الجمالُ في الوجود ليس ترفاً زائداً يمكن أن نستغني عنه، بل هو حاجةٌ حضاريّةٌ لنقل الموقف الشموليّ من المكان والزمان والإنسان، وما وراء ذلك وما بعده وقبله، ومهما ارتقى السؤال فإنّه لن يكون حضاريّاً ما لم يأت في نهاية الأمر بكشفٍ مدهش. وهذا الكشف/ السعادة/ المعرفة/ الجمال.. لا يمكن إلا أن يكون في مسارٍ حضاريّ ناشطٍ، ولا يمكنُ أن يكون في ظلّ سباتٍ حضاريّ نجترّ ما سبق، أو نتبع من أبدعَ على أسسٍ فلسفيّةٍ أخرى. وإذا تمّ التعاملُ مع المظاهرِ الجماليّةِ بوصفها مظاهرَ تزيينية، نرفضها أو نقبلها بمشاعر غامضة، أو بريبةٍ مقلقة، فإنّها ستصبحُ زينةً مجانية مغويةً بلا طائل. أما إذا أثارت فينا الأسئلة، وأحدثت عاصفةً وجدانيّةً لا تهدأ إلا على برّ السعادة، فإننا نستبشر من جرّائها بانتفاضةٍ فنيّةٍ تعدُ بالتغيير الذي يسيّدُ إنساننا على الكون. يهربُ الفقهاءُ المعاصرون من الخوضِ في هذا المجال لما يتطلّب سؤالُ الجمالِ من حرّيّة، الأمر الذي يفسدُ انصياعَ الناس إلى الضوابط التي يصرّون على ضرورتها. فالعريُ ـ مثلاً ـ ليس جميلاً، فقط لأنه يثير الغرائز، والويل لكم إذا قلتم إنّه جميلٌ فأنتم فاسدون مفسدون، والفنان الذي يمتدحُ العري، يحبُّ أن تشيع الفاحشةُ بين الناس. هذه ضريبةُ التخلّف قصورٌ عن الطريق إلى المعرفة، وندّعي أنّ المعرفةَ هي ما تمّ إنجازه، وما تمّ إنجازه لم يعد يسعدنا، إذن، لن نشعرَ بالجمال!إنّ الحريّةَ ليس لها من ضابط إلا المسؤوليّة، وكذلك الجمالُ ليس له من ضابطٍ إلا الحريّة. فالوعي الجماليّ، يحتاج وقوداً ثقافيّاً حرّاً حتى يرقى بالإنسان إلى أبعدِ الأقاصي، يجب أن نتغلّبَ على تقليديتنا، وعلى سهولةِ انجرافنا وراء المخيف، بالإصرار على تمزيق الحجب بيننا وبين الحق، كما فعل الصوفيون في تجاربهم الرياضيّة المتعدّدة، نظروا حيث نظر الناس، لكنّهم رأوا ما لم يرَ الناس وذاك أنّهم اتصلوا بالسرّ الذي يفضي إلى سعادتهم.وجدوا طريقاً أو طرقاً، سلكوها فوصلوا، كيف نعثر على طريقٍ أخرى نسلكها فنصل؟ هذا هو السؤال. لئن اتبعناهم فإننا سنأتي بما أتوا به، ولئن اتبعنا سواهم لأتينا بما أتى به سواهم، والحياة الإنسانيّة الحضارية لا تنتظر منا ما هو فيها، بل تطالبنا بجديدٍ نبدعُه، وهذا لن يكون لنا ولها في الطرق المعبّدة بخطى الآخرين، سواء أكانوا أسلافاً أم أوروبيين، بل تنتظرنا في طرقٍ تشقّها خطانا إلى حضارة عذراء.