يوسف بن عديأولا: من التقليد إلى الإبداع من المعلوم، أن كتاب: ‘سؤال العمل، بحث عن الأصول العملية في الفكر والعلم'(الصادر2012) لا يخرج عن مسار المفكر المغربي طه عبد الرحمن الذي بدأه بإعلان الحرب على أسباب التقليد بل قل تقليد التقليد الراسخة في ثقافتنا العربية والإسلامية قديمها وحديثها.ولعل العجب العجاب أن ترى من نهض بهمة جادة وسعي متواصل في تكريس مشروعية التقليد وكأن الإبداع والتجديد طارئ على هذه الأمة وتاريخها. فكان التقليد والاتباعية هي القاعدة والإبداع وتقليب النظر والفكر في استدلالاتنا واستشكالاتنا، استثناءا، حتى بدا القول الفقهي ينسحب عليها أيما انسحاب: ‘الاستثناء لا حكم له’.وبهذا الاعتبار، أضحت لآفة التقليد مشروعية فكرية وإيديولوجية يطمئن إليها بعض المفكرين العرب اليوم. أولم يعمل كل من الفارابي و وابن باجة وابن رشد على تكريس تلك المشروعية في اقتفاء أثار المنقول اليوناني في حله و ترحاله، في صناعته و إنشائه..حتى جاء اليوم أحد الباحثين ليعلن ‘ وقد جرى هذا التقليد منذ الفارابي حتى ابن رشد ما شذ أحد منهم عن ذلك قط!!’من هنا، كان استغراب بعض المعاصرين لا يخلو من شناعة و شنآن.وذلك حينما تأمل الفكر ومساراته، أذاع في الناس وبشرهم بأن كتابة عبد الرحمن غير مألوفة في الفكر الفلسفي، إنها’ تجاوزا داخل الاستمرارية’!!، فانظر الى هؤلاء فمتى ادعيت أنك ترفع شعار القطيعة هبوا الى الدعوة الى الاستمرارية والوصل، ومتى جادت قريحتك بفكرة التجاوز والتخطي (d’paement) لطموا رؤوسهم وصدورهم بأن الاستمرارية هي المنقذ من الضلال!!ويتحصل مما تقدم، أن مشروع طه عبد الرحمن هو مشروع مقاومة التقليد وترسيخ أسباب التجديد والإبداع في جوف الثقافة الإسلامية العربية المعاصرة.ومن البين، أن فيلسوفنا قد عمل منذ سنوات على تمحيص بعض المسلمات التي كانت بمثابة حقائق ومبرهنات لا جدال فيها. والحال أن تلكم المسلمات أو قل الحقائق لدى المقلدة من المتقدمين والمتأخرين صارت اليوم تحت محك التقويم العلمي والمنهجي والنظري وهي من قبيل أن:-لا إبداع من دون إعادة النظر في العقلانية المجردة التي لم تسهم الا في تضييق أفق العقل وجموده.- لا تأثيل من دون بيان العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي في بناء المفهوم الفلسفي.- لا اجتهاد من دون ترجمة تأصيلية مبدعة تأخذ بعين النظر مقتضيات المجال التداولي الإسلامي العربي.-لا حداثة مع وجود التقليد، ولا حداثة من دون تخلق. فالأخلاق هي المبتدأ والمنتهى لكل مشروع فلسفي حقيقي وأصيل.-لا نهضة عربية وإسلامية من دون نظرية التكامل والتداخل بين العلوم والمعارف، ولا همة للأمة من دون الجمع بين النظر الملكي والنظر الملكوتي في بناء رؤيا للعالم. إنها الخلفية الفكرية والفلسفية التي تحكم كتابات طه عبد الرحمن ونظرات للفكر والعلم.(راجع التفاصيل في كتابنا: ‘مشروع الإبداع الفلسفي العربي، قراءة في أعمال د.طه عبد الرحمن'(2012).لعل القارئ الكريم سيتضح له في مبتدأ كتاب: ‘سؤال العمل..’ أن العمل الأصيل ليس هو ما العمل؟ على صيغة الطرح الماركسي، بل كيف أكون آية؟ وفي هذا الاشتكال فروقات معرفية وإيديولوجية واضحة المعالم.ذلك’ أن العمل يتوصل به إلى العلم، وأنه على قدر تغلغل الإنسان في العمل، يزيد علمه ويتسع عقله.إذ تنفتح له أبواب جديدة في الفهم والمعرفة قد يختص ببعضها، وقد يشترك مع غيره في بعضها ‘(ص15 و16). وبهذا، فالعمل عند المسلم متعلق بتحقيق مخلوقيته كدلالة على الخالقية. وكأن ‘المخلوقية وصفا لا ينفك على الإنسان مطلقا، فليس له بد من أن يأتي بالآداب والحقوق التي يوجبها.’ (ص23). إذا، فالعمل لا محيد له عن القصدية والسعة والبقاء على أساس أن الأثر الإيماني أو قل الروحي يظل مستمر التأثير والأثر في ما بعد الحياة.فانظر واعتبر.وفي هذا المعرض أذكر فيلسوفنا ‘محمد عزيز الحبابي’ حينما يتحدث عن الكوجيطو الديكارتي من خلال علاقة الذات بالعالم، وعلاقة الذات بالخالق، أو قل المخلوقية بالخالقية. فالتشحصن الإسلامي إنما يطمح إلى التواصل ما بين الأنا الفردي مع الخالق عن طريق الشهادة والعبادة. إنه كوجيطو معكوس. يقول محمد عزيز الحبابي في هذا المعرض: ‘الشهادة في الإسلام مشابها للدور الذي يقوم به الكوجيطو في فلسفة ديكارت، ولكنه كوجيطو يتجلى من بعض جوانبه معكوسا: فالمقر ب’الشهادة’ ينطلق من الله، ليعود إلى الأنا (الأنا-الشاهد) بينما في المنهج الديكارتي، ننطلق من الشك (Dubito) إلى العالم، مارين بفكرة اللانهاية في سير تصاعدي(…) فالشهادة، إذا، هي الأفق الواسع للفرد المسلم في تأمل علاقته بالله وعلاقته بالآخرين عن طريق المحبة والحب والتعارف الذي ‘يعتبر مركز التئامها ونقطة انطلاق وعيها بالاستقلال الذاتي الشخصي'(كتاب: ‘الشخصانية الإسلامية’، منشورات دار المعارف، القاهرة، الطبعة الثانية، ص28).هكذا، كانت الحرية ملازمة للعمل الديني عند طه عبد الرحمن فهي كما تنجلي هي أن ‘تتعبد للخالق باختيارك وأن لا يستعبدك الخلق في ظاهرك أو باطنك’ (ص153من كتاب: ‘سؤال العمل’). ومن ثمة، تكون العبادية هي ارفع قيمة للتحرر الكلي أو الجزئي.ألم تر أن الفكر الفلسفي الغربي الحديث قد غرق في أوحال التقديس بشوا كله وأطيافه المختلفة في منأى عن التمكين الديني الأصيل والحقيقي الذي يحافظ على الحبل السري بين المخلوق و الخالق.يقول طه في هذا السياق: ‘وثبت أيضا أن الإسلام يوفي بمعايير التقدم الأخلاقي على الوجه الأكمل، باب من الراجح اعتباره الدين الأوفى بالمقتضيات الأخلاقية القادرة على إخراج عالمنا المعاصر من أزماته الاجتماعية والاقتصادية والبيئية'(ص139 و140).وينجم عن هذا، أن إقصاء القيم وفصلها عن الوقائع بدعوى أن التاريخ او مسار الفكر والسياسة لا ينبغي لهما أن يرتبطا بالأمر الأخلاقي أو اللاهوتي بقدرما يستلزم فصلهما فصلا واضحا لا لبس فيه.بيد أن طه عبد الرحمن لا يخال القيم الا متغلغلة أيما تغلغل في الأمور المادية ذاتها، فما بالكم بالأخلاق والدين؟! من هنا، كانت الحصيلة في ظل العولمة المتوحشة الابتعاد عن القيم التالية: ‘التزكية الخلقية’ و’الاستقلال المنطقي’ و’المغايرة القصدية'(راجع تفاصيل ص220). وإهدار كرمة الإنسان بفعل الجدل الأخلاقي والديني والعلمي في قضايا شائكة من قبيل: الجنين والموت الرحيم وأطفال الانابيب، أو قل كل ما يدور مدار ‘أخلاقيات البيولوجيا’.وغني عن البيان، أن طه عبد الرحمن لم يتردد في محاورة الفكر الغربي الحديث فلسفة وعلما وسياسة. وهذا شاهد على مدى انخراط الرجل في منجزات الحداثة المشهودة معترضا لا تقليدا، مبدعا لا متبعا.كل ذلك من شأنه أن يحول العلم الضار إلى العلم النافع، والعلم العلماني إلى العلم الإيماني. ويرتقي بالكرامة الإنسانية إلى الكرامة التقديرية والكرامة التكليفية والكرامة التفضيلية. إنها ‘كرامات متضافرة فيما بينها قد تجتمع للفرد الواحد كما قد تشترك فيها الجماعة الواحدة'(ص294).ومن المؤكد أن هذا التصور الإبداعي التجديدي في فكر طه عبد الرحمن إنما يصدر عن مراجعة نقدية وتقويمية لمفهومي العلم والدين.فلما كان العلم والدين لا يخرج في المشهد الفكري الغربي الحديث والمعاصر عن المواقف الثلاثة:إما التناقض أو التمايز أو التباين، فإن العلم في عمقه وحقيقته حسب طه عبد الرحمن يتأسس على ‘مبدأ مراتب العقل’، باعتبار أن العلم لا يختزل في علوم الطبيعة (ص298)، وأن الدين مرهون ب’مبدأ تعدد شعب الحياة’مما يجعله في منأى عن اختزال الدين في أحوال الإيمان’.وبهذا الاعتبار، من المفروض أن يكون العلم في فكرنا الإسلامي العربي المعاصر يأخذ بأسباب ‘التعقل’ وهو فكر المنافع المادية، و ‘الاعتبار’ وهو فكر المنافع الخليقة، و أسباب ‘التدبر’ وهو فكر المنافع الروحية. كل ذلك من شأنه أن نحصل منه الوحدة التكاملية للإنسان التي تجمع في جوهرها بين النظر الملكي والنظر الملكوتي.ثانيا: الإبداع الفلسفي بين كماشة المأصول التداولي والكونية المشخصةلا أخال أن مراجعة الدكتور طه عبد الرحمن لمفهوم العقل والعقلانية المتواصلة إلا دلالة قوية على أن التقليد يكمن داؤه العضال في مفهوم العقل() الذي ارتبط ارتباطا كبيرا بالتجريد والمفارقة حتى استعصى على دعاة الإبداع والتجديد استئصال هذا التصورالملتبس، بل قل التخفيف من حدته.من الواضح أن د. طه عبد الرحمن قد خصص في كتابه: ‘سؤال العمل..’ -الفصل الثاني:’ في مفهوم العقل: إشكالات وايضاحات’- بصفحات طويلة(من 55الى 110) تتطلع الى تقليب النظر في علاقات العقل بالشرع والقلب والنطق والحس..ألخ، وهو فصل ذو طابع نقدي ومنهجي. ولعل جل افكار هذا الفصل تم تناولها هنا وهناك من مكتوبات طه عبد الرحمن السابقة. من ذلك على سبيل المثال، كتاب: ‘سؤال الأخلاق'(2000)، كتاب: ‘العمل الديني وتجديد العقل'(2006)، وكتاب:’تجديد المنهج في تقويم التراث'(2006)…والتي أسهمت أيما إسهام في تشريح مفهوم العقل وبنياته ومجالاته ووظائفه المنطقية واللغوية والميتافيزيقية والانطولوجية التي لطالما نسب العقل إليها بدعوى التفكير في نظرية العقول المفارقة أو البحث في الجوهر البسيط وعلاقته بالجواهر المركبة والمحسوسة. والغريب أن نعثر-وفق كلام طه-في الممارسة الكلامية والفقهية ذلك التأثر الجلي بالمنقول اليوناني بطريق مباشر أو ملتو، حتى تم إنشاء بعض الأقوال والمقولات من قبيل أن الشرع لا عقل فيه، وأن العقل لا شرع فيه من الحقائق البينة والدلائل الساطعة والدعاوى المقررة. يقول طه عبد الرحمن:’ أما الفقهاء والاصوليون والمتكلمون، فإنهم، إذا تعرضوا لمفهوم ‘القلب’، عند تناولهم للعقل والمعقول والمعاني المعقولة في باب العقل والمقاصد، حصروا كلامهم فيه من جهة أنه محل الاعتقاد والنية..’ (ص70). لذا من المؤكد أن الوحي ‘لا يسلط على العقل من خارج، وإنما على العكس من ذلك يتولى تحريره من الداخل..'(ص99).يتحصل مما سبق، أن العقل مراتب أو قل عقول تتفاعل مع الشرع، وهو فعل قلبي لأن القلب هو ‘معين القيم الخلقية والمعاني الروحية للإنسان. بل أكثر من ذلك، لا طائل تحت القول ان العقل غير الحس، والحس غير العقل..إذ أن في كل حس عقل. ففي السمع عقل، وفي الشم عقل ، وفي البصر عقل..وهكذا دواليك.لعل هذا التقويم المنهجي والنقدي من قبل طه عبد الرحمن هو تقويم يشي بضرورة مراجعة الكتب الأرسطية السيكولوجية والعقلية، من كتب النفس بأنواعها وأجناسها(تلخيصا وتفسيرا وجوامع). على اعتبار أن نظرية العقل الأرسطية(العقل الهيولاني والاستعداد والعقل المفارق والعقل المنفعل..) في تاريخ الفكر الفلسفي العربي قد رسمت لفكرنا العربي الإسلامي رؤيا للعالم وتصورات للكون وللإنسان، وربما قد لا نجافي الصواب إذا ما قلنا أنها(نظرية العقل) قد هيئت الأرضية لنشوء علوم الكلام والملة من البحث عن مصير النفس وعلاقتها الكلي والجزئي أو قل اختلاف النفس من بدن إلى بدن آخر، وعلاقتها بنظرية التذكر..وغيرها من الأمور الفلسفية الخالصة العويصة التي لا مجال للتطرق إليها في هذا المعرض.لقد حدست، بالرغم من أن الحدس قد يخالف المعرفة والاستدلال، بأن مرمى سهام طه عبد الرحمن هو نظرية العقل الأرسطية على وجه الخصوص التي كرست جملة من البداهات: اليقين والكمال والبرهان و عدم التناقض، وثنائية القيم..والتي شكلت اليوم ما يسمى: ‘العقلانية المجردة’ أو الخطاب البرهاني الكوني!إن الخروج من هذه المأزق في تصور عبد الرحمن انما يتم عن طريق نقد الكونية المجردة التي لبس العقل المجرد في أحاديته وانغلاقه نحو الايمان بالتكوثر العقلي ومراتب العقل ودرجاته. يقول طه عبد الرحمن منتقدا: ‘لذلك لابد من أن نستبدل هذه الكونية المجردة كونية أخرى تجعل النظر العقلي الفلسفي يتكثر ويتنوع في كونيته كما تجعله يزدوج بغيره من ملكات الإنسان الأخرى في تكامل بينها(…) ونطلق على هذه الكونية(…) اسم ‘الكونية المشخصة’ (ص45).ومن هنا، يضحى تعريف الإنسان هو حيوان متخلق باعتبار أن الأخلاقية الحد الفاصل بين الإنسانية والحيوانية. بل قل إن ‘الأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقل عن أفق الحيوان'(ص82).ويترتب على هذا، أن الاستقلال الفلسفي العربي في تصور عبد الرحمن ينبني على شرط المبادرة الفلسفية المنطلقة من حقائق المأصول التداولي وتحريرها من وطأة المنقول اليوناني في تحولاته وتقلباته، في استشكالاته واستدلالاته. وثانيا شرط الاقتداء على ‘إدخال تحويلات على المنقول بما يوفي بمقتضيات هذا المجال'(ص50)، وثالثا شرط’ اقتناص الحقائق غير المسبوقة التي هي ثمرة التفاعل بين المأصول والمنقول'(ص51).وعلى الجملة، نقول إن كتاب: ‘سؤال العمل'(2012) هو تفكير ضد الواقع الفلسفي العربي الحالي، واقع التقليد والاتباعية والإبداع المفصول.انه بالفعل مفصول عن مقتضيات المجال التداولي الإسلامي العربي، لغة وعقيدة ومعرفة. ألم تر أن العقل قد أضحى غير العقل، فقد صار العقل مراتب ودرجات، عقلانية مجردة هي أدنى العقلانيات، والعقلانية المؤيدة هي ارفعها وألطفها. وانظر أيضا كيف أن الثقافة الإسلامية العربية هي بالتصور ثقافة العمل: ‘العلم بلا عمل جنون، والعمل بغير علم لا يكون’. ولكن في الواقع المكرس هي ثقافة القول بلا عمل، ثقافة النظر والتجريد، لا ثقافة العين والأذن!!.ثقافة الوصل لا الفصل، ثقافة الاستمرارية الحقيقية لا التجاوز الهش والرهيب.لقد استطاع طه عبد الرحمن من تقويم مجالات حيوية وخصبة لايطرقها الا من كانت له همة في النقد ويقظة في التأمل وتوهج في الإبداع وإصرار حازم على مناهضة التقليد والمقلدة: العلم الحديث والعولمة والفلسفة الإسلامية والأخلاقيات وعلاقة العلم بالدين وبالفكر.إنها إرادة المفكر المغربي طه عبد الرحمن في توطيد مقدمات الفكر الفلسفي المبدع قولا وعملا، نظرا وتجربة، معرفة وذوقا.*كاتب من المغرب