الناصرة ـ «القدس العربي»: رغم موسم شتوي غزير وارتفاع منسوبه بـ 16 سم يحذر باحث إسرائيلي مجددا من استمرار خطير في تدني مستوى البحر الميت، واحتمالات موته نهائيا نتيجة مسيرة تصّحر متزايدة منذ عقدين.
ويشدد الباحث الإسرائيلي الدكتور الخبير بالشؤون المائية عامير غفعاتي، على أن منع موت البحر الميت يتم في حالة واحدة وهي ” قناة البحرين” لضخ كميات كبيرة من المياه فيه على مدار العام.
ونتيجة الأمطار المباركة هذا الموسم وفيضانات واسعة في محيط البحر الميت من جانبيه الأردني والفلسطيني ارتفع منسوبه منذ بدء العام الجاري بـ 16 سم ويرتفع سطحه اليوم لـ 434 مترا تحت سطح البحر الأبيض المتوسط، ومع ذلك فهو أقل من منسوبه في أبريل/ نيسان 2019 بنحو 85 سم علما بأنه ينخفض نتيجة التبخر وحجب المياه عنه أكثر من متر في كل عام.
ووفقا لما كتب في موقع ” سلطة المياه ” الإسرائيلية أمس فإن منسوب البحر الميت شهد في العشرين سنة الأخيرة انخفاضا بمتر واحد على الأقل نتيجة منع السلطات الإسرائيلية لتدفق مياه بحيرة طبرية له عن طريق نهر الأردن واستغلالها لمياهها
لـري مناطق زراعية في الجليل وفي النقب أيضا حيث تنقل له المياه بواسطة ما تعرف بـ ” قناة المشروع القطري “. وتحول السلطات الإسرائيلية دون تدفق مياه بحيرة طبرية في نهر الأردن من خلال سد يعرف بـ ” سد دغانيا ” على اسم مستوطنة ” دغانيا ” منذ عام 1964. كذلك ينخفض منسوب البحر الميت نتيجة إقامة سدود في مجري نهر اليرموك في الأراضي السورية والأردنية قبل أن تواصل مياهه طريقها لنهر الأردن في ” منطقة مجامع النهرين ” جنوب بحيرة طبريا. ومما يزيد مأساة البحر الميت من هذه الناحية عمليات استخراج الأملاح منه بكميات تجارية خاصة على يد شركات إسرائيلية.
600 مليون متر مكعب
وقال الباحث الإسرائيلي غفعاتي لـ موقع ” واينت ” الإخباري أمس إنه فيما ينشغل الإسرائيليون ببحيرة طبريا وامتلائها هذا العام للمرة الأولى منذ عام 1992 وبإعرابهم عن فرحتهم بذلك ويرون بذلك مؤشرا لمعنوياتهم، فإنهم منشغلون عن البحر الميت ومسيرة احتضاره.
وتابع ” نحن نرى البحر الميت من بعيد بالأساس لعدم تمكننا من التوجه له في كثير من النقاط نتيجة مصاعب طوبوغرافية، غير أنه يقاسي حالة صعبة رغم ارتفاع منسوبه في الشهور الأخيرة بفضل كميات سيول غير مألوفة هذا الشتاء.
ولتبيان خلفية الأزمة الراهنة يستذكر الباحث الإسرائيلي أنه عندما تم فتح ” سد دغانيا ” جنوب بحيرة طبريا عام 1992 تم تحرير 250 مليون متر مكعب من المياه التي تدفقت للبحر الميت”. كما قال أن الأردن هذا العام وبفضل مياه شتاء غزيرة وبخلاف سنوات مضت تتيح تدفق مياه الجداول من أراضيها نحو البحر الميت بعد فتحهم بوابات عدة سدود كانوا يستخدمونها في الماضي للإفادة من المياه المتجمعة خلفها. ويتابع ” لكن هذه الإضافات للبحر الميت لن تسعفه بالمدى الأبعد وحتى يمتلئ يحتاج لـ 600 مليون متر مكعب سنويا علما بأن بحيرة طبرية استقبلت هذا العام 400 مليون متر مكعب، مما يعني أن الحل الحقيقي يكمن بإحياء مشروع “قناة البحرين ” الذي تداولت في الماضي حوله إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية وبدعم دولي، وهو يعني ضخ مياه من البحر الأحمر للبحر الميت علاوة على بناء منشآت لتحلية مياه البحر الأبيض كي تتيح التنازل عن مياه بحيرة طبرية المستغلة للزراعة.
ويستطيع الزائرون للبحر الميت في مسابح الضفة الغربية منه ملاحظة تدني منسوبه بشكل كبير بوضوح وأحيانا بشكل ساخر، حيث تحذر لافتات من الغرق في البحر ثبتت منذ عقود وباتت محاطة اليوم بمناطق صحراوية جافة.
بحر الملح أو بحيرة لوط
في المقابل يلفت الجغرافي الباحث كامل يعقوب من مدينة شفا عمرو داخل أراضي 48 إلى تزايد اختفاء البحر الميت جراء الارتفاع الاستثنائي في الشهور الأخيرة، منوها لعدة عوامل أهمها ضخ المياه منه في عمليات استخراج الأملاح وبناء السدود الزراعية في نهري الأردن واليرموك والجداول والأودية المؤدية له من قبل إسرائيل والأردن.
في رده على سؤال لـ” القدس العربي ” شكك يعقوب باحتمالات إنقاذ البحر الميت الذي يعرف ببحيرة لوط وبحر الملح، ونوه لغياب سلطة مركزية محلية أو إقليمية لمعالجة المخاطر بموضوعية.
وأضاف” في إسرائيل تختلط أساب عديدة في تكريس هذه المخاطر ومنها ضغوط مصانع الملح لمنع مشاريع إنقاذ معينة حفاظا على خطوط إنتاجها ويبقى السؤال هل ينجو البحر الميت من سرقة مياهه ومن مشاريع إحيائه أيضا؟ وأكد أن مخاطر تبخر البحر الميت الذي رشحته إسرائيل في الماضي للفوز بلقب إحدى عجائب الدنيا السبع قد طرحت بالسنوات الأخيرة على جدول أعمال الرأي العام في إسرائيل وتشكلت لجان مختلفة، فيما بحثت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة القضية لكن أيا من الحلول المقترحة لم يطبق.
قناة البحرين
واستذكر الجغرافي يعقوب فكرة ” قناة البحرين” التي طرحت في سنوات الثمانينيات في إسرائيل وتقضي بتحويل المياه من البحر المتوسط أو البحر الأحمر والإفادة منها لإنتاج الطاقة الكهربائية أيضا.
وتابع” لكن الفكرة ظلت حبرا على ورق لتكلفتها العالية ولعدم جدواها بالمدى البعيد “.
كما أشار لتحذير الخبراء من أن” قناة البحرين” ستؤدي لتشكل طبقة من الجبص نتيجة اختلاط مياه البحر الميت بمياه أخرى (اختلاف طبيعة المواد الكيميائية فيها) تحول من جهة دون تبخر مياهه لكنها تحول دون الاستمرار بتزويده بالماء ووقف إنتاج التيار الكهربائي. وأضاف” كما سيؤدي ذلك لانخفاض بنسبة الملوحة وهذا ما ترفضه مصانع الأملاح ما يدفعها لمعارضة المشروع “.
كما نوه إلى اتساع ظاهرة البالوعات والانهيارات الأرضية الجوفية الخطيرة في المنطقة المحيطة بالبحر نتيجة تراجع شطآنه وإلى ابتعاد هذه عن الفنادق والمرافق السياحية.
وكشف أن السلطات الإسرائيلية تستخرج اليوم نحو مليار متر مكعب ماء من نهر الأردن والآبار ومنابع الأودية المحيطة بالبحر الميت والتي كانت تصب أغلبيتها فيه، لأغراض الزراعة والصناعة، علاوة على ما تقوم به من تبخير لمياهه من أجل الحصول على الأملاح. وأضاف” البحر الميت سينجو إذا ما توقفت إسرائيل والأردن عن استغلال مياهه الطبيعية الوافدة عليه “.
في طريقه للجفاف
وهذا ما أكده زميله الجغرافي الدكتور شكري عراف، موضحا ان البحر الميت يكابد حالة خطيرة جراء استمرار استخراج السلطات الإسرائيلية للأملاح في “مصانع البحر الميت” في منطقة سدوم واستيلائها على المياه الرافدة له، الى جانب ارتفاع درجة الحرارة في الكرة الارضية.
ولفت عراف الى ان كمية المياه القليلة التي أصبحت تصب في البحر الميت لا تعوض تلك المتبخرة ما يؤدي الى انخفاض خطير بمنسوبه، محذرا من تفاقم هذه المخاطر مستقبلا.
وردا على سؤال ” القدس العربي ” أضاف عراف” هذا البحر في طريقه الى الجفاف المتسارع لأن انخفاض سطحه سيزيد بوتيرة أكبر كلما تقلصت مساحته “.
وأشار الى ان الحلول المقترحة مجرد أفكار تطرح منذ سنوات طويلة حيث كانت اسرائيل قد اقترحت قناة توصل البحر الأبيض بالميت من شاطىء عسقلان مرورا بصحراء الخليل.
واضاف ” لا اتوقع أن تخرج هذه الأفكار والحلول الى حيز التنفيذ طالما لم تسو القضية الفلسطينية ولا يشارك الفلسطينيون فعليا فيها كون ثلاثة أرباع شاطئه الغربي قد احتلت عام 1967″.