باكستان من حيث هي فكرة يوتوبية مدهشة

حجم الخط
8

باكستان في الأساس فكرة يوتوبية. بكل ما يمكن أن تختزنه كلمة يوتوبيا من مدلول.
ما هو مفاجئ بالفعل بالنسبة الى دولة منبثقة بشكل محض من يوتوبيا هو استمرارها في الوجود، بعد ثلاثة أرباع قرن على ظهورها، ونصف قرن على انفصال البنغال عنها. إلا أنَّ دولة تستند الى اليوتوبيا بهذا المنسوب الزائد فيها عن كل دولة أخرى، لا يمكنها في الوقت نفسه إلا أن تبقى مسكونة بهشاشة تكوينية ومستدامة تتكشف مظاهرها عند كل منعطف.
اليوتوبيا تصور حول المدينة الفاضلة مناطه اللامكان. أو قل في مقام خارج المكان. وباكستان كما يظهر ذلك فيصل ديفجي هي دولة نادى بناتها بأن يكون لها جغرافيا تتسع لأحلامهم، وبأن لا يكون لعملية بناء الأمة فيها أي علاقة مع الجغرافيا في آن. كذلك الأمر بالنسبة الى العلاقة مع التاريخ. بخلاف الهند التي شدّدت سردياتها القومية، سواء منها الاستيعابية لمختلف الديانات، أو المتمحورة حول الهندوسية، على تاريخها المديد، فقد عُرِف عن مؤسس الدولة الباكستانية محمد علي جناح تبرّمه من الماضي، وحرصه على تأسيس الأمة الجديدة كفعل قطيعة مع التاريخ.
باكستان بهذا المعنى لا تختزل في مشروع حل قوميّ لمسألة المسلمين في شبه قارة أكثر سكانها من الهندوس، بل هي مشروع تحويل الرابطة الدينية بين المسلمين الى رابطة قومية وفصلهم عن التاريخ السابق.
يتصل الأمر بنبذ مفهوم «الهند» عنها، وعدم التفتيش عن أي اسم له دلالة تاريخية لها، بل عن اسم بلا تاريخ. ويمتد الأمر في حالة جناح المؤسس الى ابدائه قلة اعجابه بسلاطين مغول الهند المسلمين، وعدم التردّد في مساواتهم بالاستعمار البريطاني. تأرجحت الهند المستقلة بين الاحتفاء الايجابي بالامبراطور المغولي جلال الدين أكبر ونموذجه في ادارة التعددية الدينية تحت عنواني «صلح الكل» و«الدين الإلهي» الجامع، وبين الاحتقان من ابن حفيد أكبر، أورنكزيب، كرمز للتعصب وتدمير معابد الهندوس. أما باكستان فأدارت الظهر لهذا التاريخ. في عرف جناح، مقيم الدولة، أن أي نوستالجيا لأي حقبة من تاريخ الهند بما في ذلك الحقبة التي تسيّدت فيها السلالات الإسلامية هو مصيدة ستكون حصيلتها وقوع مسلمي حاضره تحت سيطرة الهندوس بحجة الوحدة الهندية، وكذلك شعارات حزب المؤتمر الوطني الهندوسي التسامحية والاستيعابية، قرأها هي الأخرى كمصيدة للمسلمين.
الخروج من هاتين المصيدتين استدعى بالنسبة الى جناح وبناة باكستان علمنة الرابطة الدينية، أي تحويلها من رابطة ايمان الى رابطة انتماء لدولة أمة، وفي الوقت نفسه دون أن يكون للدولة الأمة هذه أي علاقة حميمة لا مع جغرافيا ولا مع تاريخ.
تمثّل جناح لأجل ذلك النموذج الأتاتوركي، لكن على الأقل مصطفى كمال قطع مع التراث العثماني انما ليوثق علاقة الأمة بالجغرافيا الأناضولية، وبالتاريخ القديم للحثيين، وليؤسس الدولة الأمة أيضاً على الحضور المهيمن لشخصه هو. هذا بخلاف باكستان. فمؤسسها جناح حضوره فيها أكثر من شبحي في صدور الباكستانيين.
فالرجل لم يحكم باكستان بعد انفصالها واستقلالها الا عاماً واحداً ظلت صحته فيه تتدهور الى أن وافته المنية في سبتمبر 1948. أسس ابن السند لدولة لم يرها، وتطورت هذه الدولة بسرعة لتناقض كل ما كان عليه جناح، دون أن تخرج من محدداتها اليوتوبية الأساسية. فالدولة لن يكون بمتسعها المضي قدماً في تحويل الرابطة الدينية الى رابطة قومية.

عاشت باكستان في مفارقة الارتباط الزائد باليوتوبيا في تصورها عن نفسها، والفشل في أن يكون لها أبطال بمستطاعهم تجسيد هكذا يوتوبيا وتجسير الهوة بينها وبين الواقع المعاش

وجناح كان مدنياً، محاميا، لكنه أسس عملياً لدولة يهيمن عليها العسكر. وهو من السند في دولة معظم سكانها في البنجاب. العلاقة بين البنجاب والسند أكثر من شائكة. أكثر السكان في البنجاب، وأكبر المدن، كاراتشي الساحلية، في السند، والقسمة ترتدي طابعاً اقليمياً حزبياً بين «الرابطة الاسلامية» ومعاقلها بالبنجاب، وبين «حزب الشعب الباكستاني» المحتسب في «يسار الوسط» وهو الأقوى في السند، كما أنها قسمة عائلية منذ عقود بين آل شريف قادة الرابطة والبنجاب (ويتحدرون من كشمير) وبين آل بوتو وأصهرتهم في السند. والى حد كبير، ظاهرة صعود كابتن فريق الكريكيت عمران خان وحركة الانصاف التي قادها الى السلطة، والزعامة الشعبوية التي شكلها، مرتبطة بهذه المحاولة لتجاوز هذه القسمة بين البنجاب والسند، خاصة وأن خان من أصول باشتونية.
وباكستان يوتوبية لأنها من كل هذا النسيج اختارت لغة لا هي لغة أهل البنجاب ولا أهل السند ولا الباتان أو الباشتون ولا البنغاليين (قبل انفصالهم عنها) بل الأوردية التي يتكلمها بالأساس مسلمو ما أصبح اليوم ولايات الشمال الهندي. هي بالتالي، لغة «المهاجرين» بالمدلول الديني أيضاً للمصطلح، المنتقلين من المناطق التي أصبحت الآن هي الشطر الهندي من شبه القارة نحو دولة المسلمين. نجح هؤلاء في فرض الأوردو كلغة رسمية، على حساب اللغات الاقليمية في البنجاب والسند والبلوش والباتان، وكانت الدولة الى حد كبير على مستوى جهازها دولة «المهاجرين» هؤلاء، لكن حين حاولت فرض الأوردو على باكستان الشرقية، البنغال، انفجر الخلاف الذي سيطيح بالوحدة غير الجغرافية واللامعقولة.
لم تشبه باكستان جناح يكاد يكون في كل شيء. أخذت سريعاً وجهة سنية مع أن جناح من البهرة الشيعة. دولة جناح عزمت على ملاحقة أبو الأعلى المودودي حين كفّر الجماعة الأحمدية، لكن الدولة اللاحقة عادت وكرست تنحية الأحمديين عن الأمة المحمدية بموجب قانون من قوانين الدولة. أما فاطمة جناح، طبيبة الانسان والأخت الاصغر للقائد الأعظم جناح فلم تستطع وراثة أخيها، بل تحولت سريعا الى رمز معارض، ويوجد اعتقاد قوي بأنّها، «أم الملة» كما شاع لقبها، قتلت على يد جلاوزة الديكتاتور أيوب خان عام 1967.صحيح ان عيد ميلاد محمد علي جناح عيد وطني في باكستان، لكن الدور الذي يلعبه في تشكيل وعي الأمة القومي متواضع للغاية، قياساً على غاندي أو نهرو أو نيتاجي في الهند رغم الانقسام حولهم.
في المقابل الحضور الأقوى في الذاكرة القومية هو لاقبال اللاهوري، لكن اقبال توفي قبل ولادة باكستان، بل قبل قرار لاهور التي تبنته رابطة مسلمي عموم الهند عام 1940 بانشاء الكيان الوطني المنفصل للمسلمين في الاقاليم التي يشكل فيها المسلمون اكثرية السكان. مع أن اقبال كان من الدعاة المبكرين لحل الدولتين المنفصلتين هذا، واهتم بخلاف جناح بأهمية الاحالة على التاريخ الاسلامي، لكن احالته كانت للتاريخ الاسلامي الكوني، لشهادة المسلمين على التوحيد الالهي عبر التاريخ، وليس لتاريخ يسهّل بناء دولة أمة متصالحة مع مساحتها وساعية لبناء عقد اجتماعي وطيد بين بنيها. من هنا، عاشت باكستان في مفارقة الارتباط الزائد باليوتوبيا في تصورها عن نفسها، والفشل في أن يكون لها أبطال بمستطاعهم تجسيد هكذا يوتوبيا وتجسير الهوة بينها وبين الواقع المعاش. وحده ذو الفقار علي بوتو كان بمستطاعه أن يترشح لذلك. لكن حظّه كان عاثراً، حكم بعد هزيمة بلاده أمام الهند في حرب استقلال بنغلاديش. لم تستطع «اشتراكيته الإسلامية» ذات المنحى التقدمي أن تصمد مطولا أمام ضغط العسكر. انتهى الأمر بالانقلاب عليه واعدامه. أعطاه ذلك هالة «سياسي شهيد» التي تشكلت حول ابنته لاحقاً بعد اغتيالها. هذه اليوتوبيا في حاجة الى بطل رمزي قادر على تشغيلها. هذا البطل مفقود منذ البدء. ظاهرة عمران خان، استقدام بطل من منتخب اللعبة الأكثر شعبية، الكريكيت، لها أن تقارب انطلاقاً من هذه الزاوية. ولهذا الأمر مقاله.

كاتب لبناني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عماد عتش:

    للتصحيح البنغال الشرقي انفصل عن باكستان وليس البنغال الغربي.
    ولاية غرب البنغال ولاية هندية.

  2. يقول خالد مصطفى الجزائر:

    باكستان بالرغم ماقيل عنها من سيطرة العسكر على الحكم ,لكنها فيها حراك سياسي هائل شأنها شأن وهذا ما يهم فالحركات كحركة طالبان وعسكر طيبة وأحزاب كحزب الرابطة الإسلا مية والجماعة الإسلامية وحزب العدل والإنصاف مجتمع ديناميكي حقا بالإضافة لمؤهلاتها العلمية بعلمائها وعلماء الدين باكستان حقا دولة ديناميكية أما عن حكم العسكر فعذا طبعا مرفوض ,يجب ترك السياسة لسياسيين ,نحن نرفضه في الجزائر وفي باكستان.

    1. يقول خالد مصطفى الجزائر:

      المهم بصفة عامة فالدول الأسيوية الإسلامية بها ديناميكية سياسية بصفة عامة,فمثلا أندونيسيا أيضا بها حراك سياسي هائل كالجماعة الإسلامية وحركات عديدة ,النجاح يأتي من هكذا دول وهكذا ديناميكية مجتمعية وسياسية هذا ما أردت أن أقوله.

  3. يقول قلم الرصاص:

    للشاعر محمد اقبال (علامة اقبال) فضل كبير في انبثاق فكرة ارض الاطهار باكستان لكن لا ننسى ان توجس النخب

    السياسية المسلمة في الهند البريطانية من مشروع الامة الهندية المناضل من اجل تحريرها الذي دعا اليه الحزب

    المؤتمر الوطني كان الدافع الاساسي لميلاد فكرة الوطن الخاص لمسلمي الهند فكان اعلان لاهور الشهير اللحظة

    التاريخية للتسريع في تجسيده تحياتي

  4. يقول خالد مصطفى الجزائر:

    المهم ما أريد قوله أنا معجب ومنبهر بالديناميكية السياسية في باكستان ,وتنضيماتها وحتى أفغانستان ,وحتى أندونيسيا ,فمثلا حركة طالبان أفغانستان كل قادتها تقريبا دكاترة في الفيزياء النووية والرياضيات وعلوم الكومبيوتر والإلكترونيات ,ومثلها في الحركات الباكستانية وحتى الأندونيسية ,عندما نقول دكتور في الفيزياء النووية أو الرياضيات أو الإلكترونيات والمعلوماتية فهذا له قصده ومعناه,فمثلا السي أي أي الأمريكية عندما تعطي تقريرها عنهم لبايدن , تصحب عبارة لا يترك في متنناول الأطفال, مع تقريرها ,فبايدن يعلم والغرب أيضا يعلمون خطورة الأمور وجديتها.

  5. يقول تيسير خرما:

    لو اختلفت طبيعة ومطالب المسلمين ولم يسعوا لإنفصال باكستان وبنغلاديش عن الهند الكبرى لكان المسلمون الآن غالبية مواطني أكبر دولة ديمقراطية بالعالم بل ولتحكموا ببرلمان الهند الكبرى وتشكيل حكوماتها وسياساتها ولانتشر الإسلام بسرعة كبيرة لدى الهندوس ولحظي الجميع بتعليم وصحة وعمل ومستوى معيشة أضعاف وضع شعب باكستان وبنغلاديش حالياً ولما أضاعوا 7 عقود في عداء وحروب واستنزاف وإرهاب وفساد ولما هاجروا بالملايين ولأنشغل الجميع بتطوير بلدهم الهند الكبرى لتنافس العالم.

  6. يقول المتوكل بالله:

    لماذا الباكستان
    وليس الكيان الصهيوني الذي هو مجرد خرافات وهلوسات

  7. يقول Passerby:

    كل الدول العربية هي فكرة يوتوبية مدهشة ( خصوصاً دول الشرق العربي) فكرة من بنات أفكار فرانسيس بيكو الفرنسي و مارك سايكس الإنكليزي الذي لم يتجاوز عمره الأربعين سنة عندما جلسا يقطعان الجغرافيا العربية كما يقطعان قالب حلوى ومن وقتها كلٌ يدافع عن مزبلته بضراوة بسبب الأنظمة العميلة التي خلفها الإستعماران الإنكليزي والفرنسي. وقامت الأنظمة العميلة التي تسمى وطنية بنفخ روح العصبية بين هذه الدول المصطنعة وإذكاء روح العداوة والبغضاء بين الشعوب ومن هنا يندر أن لا يوجد عداوة بين أي دولتين متجاورتين علماً أن كل الدول العربية تتمسح بالإسلام كذباً ونفاقاً.

اشترك في قائمتنا البريدية