تحية للعمال

في الأسبوع الماضي كتبت عن «الصورة» وقيمتها بالنسبة للطغاة والأنظمة والدول بصفةٍ عامة؛ لجأت إلى تلك الكلمة من قبيل الاستعارة والمجاز تعبيراً عن الانطباع الذي تخلقه وتحرص عليه، إلا أن للصورة بمعناها الحرفي مكاناً مهماً في التاريخ أيضاً، فثمة صورٌ خلدت لحظاتٍ ومواقف ورجالاً وكم من أخرى شكلت أدلة إدانة لعل أقربها إلى ذهني صورة تلك الطفلة الفيتنامية التي تركض عاريةً وقد أحرقتها قنابل النابالم التي أسقطتها غارةٌ أمريكية مسجلةً بذلك على جسدها المشوه جريمة الرأسمالية، وتلحق بها صورة تشي جيفارا ممدداً قتيلاً.
لكن يبدو أن الحظ أو القدر أبى إلا أن يرفدني بصورةٍ أخرى، مشرقة بقدر ما تحمل من الأمل والمعاني وما تحيل إليه من مواقف وانحيازات، صورة العمال الذين شاركوا في إعادة تعويم السفينة العملاقة الشاحطة في قناة السويس.
تلك صورةٌ عفويةٌ تماماً، صادقةٌ بنت اللحظة، لذلك لا تستطيع ألا تلاحظ البهجة الحقيقية؛ صورةٌ واقعيةٌ لأقصى مدى ليس فيها شبهة تكلف فهم يرتدون السترات والأحذية ويعتمرون القبعات الواقية التي تتطلبها طبيعة العمل، تبدو عليهم علامات الإرهاق بعد أيامٍ قضوها في مجهودٍ مضنٍ تحت ضغطٍ رهيب، سياسيٍ واقتصادي من رأس المال العالمي المعطل الذي تتراكم خسائره الفادحة كل دقيقة، وشبح اليأس من محاولاتٍ فاشلةٍ سابقة؛ صورةٌ لعلهم لم يريدوا منها سوى تخليد لحظة الإنجاز، لكي يثبتوا «أننا كنا هناك وشاركنا في هذا العمل» تخليد عملهم وقيمته.
هنا في رأيي بيت القصيد ومكمن كل المغازي والخطوة الأولى للفهم والتي ينبغي أن يبنى عليها كل تحليل: السؤال عن العمل وقيمته ومن في الحساب الختامي يستأثر به ويستحوذ عليه ومن ثم طبيعة المجتمع بعلاقاته.
بعد التطبيل والصياح والتهليل، شرع الكثيرون، وعلى رأسهم إعلام النظام، يؤكدون على ما لفت إليه هذا الفصل من قيمة قناة السويس ما عُد إعادة اعتبارٍ بها، لكن تلك مغالطةٌ ناتجةٌ إما عن التسرع والالتباس وغموض الصورة في ذهن حسني النية أو لأغراضٍ خبيثة في ذهن من يريدون أن يموعوا الحقيقة التي تخرق عين الشمس: لم يعد شحوط السفينة و تعويمها الاعتبار لشيءٍ بقدر قيمة العمل وأوليته الحاسمة والعمال الذين تبين بما لا يدع مجالاً لذرة شك أنهم هم صناع القيمة والمكسب (حتى السفن العملاقة التي أعادت التعويم لم يصنعها إلا مهندسون وعمال) وهم أناسٌ عاديون تماماً، أبناء هذا المجتمع المحلي، خريجو مراكز التدريب في هيئة قناة السويس، تلك التي حفرها وبناها أجدادهم أيضاً فصنعوا القيمة وفائضها، وماتوا حينها فقراً وجوعاً لتُصنع ثرواتٌ ضخمة إلى الدرجة التي تدفع بريطانيا وفرنسا، القوى العظمى آنذاك، إلى الصراع الاستعماري عليها وعلى الاستئثار بأسهم شركتها وعائدها بينما يجني الناجون وسائر المواطنين العاديين أمثالهم الذل والفقر، تماماً كما سيحدث الآن، إذ أن الذين ظهروا في الصورة، مبتسمين فخورين بعملهم العظيم ، أعادوا حركة مليارات من الدولارات، ولن يتبقى لهم سوى تلك الصورة وربما علاوة تافهة أو مكافأة أتفه لن يلبث الغلاء (ذلك الذي تسبب فيه السيسي ونظامه الجشعان) أن يبتلعها.

المهم هو السؤال عن العمل وقيمته ومن في الحساب الختامي يستأثر به ويستحوذ عليه

هم المُخَّلِصون الحقيقيون، العاديون أبناء الناس العاديين، المصريون جداً، بحكاياهم ومشاكلهم، ليسوا ملائكةً ولا هم بشياطين، لم يدعوا عظمةً ولا أن الله «خلقهم أطباء» ولا أن «الفلاسفة شهدوا لهم».
هم بالمناسبة أيضاً ومداً للخط على استقامته قادرون تماماً على انتخاب من يمثلهم وإدارة شؤونهم على المستوى المحلي بأنفسهم فهم أدرى بها، كما أن لديهم القدرة تماماً على إيصال أصواتهم عبر هؤلاء إلى القاهرة والمشاركة في صنع القرار وصناعة مجالٍ عام وحياة سياسية سليمة لولا هذا النظام الرابض على أنفاس كل شيءٍ بثقل الحديد والنار.
لكن كما هي العادة، وبطبيعة النظام الرأسمالي البدائي ( القروسطي جداً في أحيانٍ كثيرة ) الذي يحكم مصر، سقطت الدولة والسيسي بالمظلة، بمنتهى الطفيلية، على إنجازهم، وذلك بعد أن كانوا قد فاقموا الأزمة في بداياتها بسوء التخطيط وأسلوب التعامل معها، ووفق خطابٍ رسمي ترسخ وعياً زائفاً للأسف عبر عقود لدى الجمهور، خطابٌ يماهي بين الناس العاديين العاملين والبورجوازية المستغلة واللصوص الكبار والجيش ومنظومة الأمن ومصر البلد ومصر التاريخية على تقلباتها والنظام والرئيس الأوحد المفدى فتصبح جميعها «مصر» ذلك الوعي «الوطنجي» الساذج ابن الحلال العابر للطبقات والحقب والأنظمة، فإن ذلك الإنجاز يُسحب ويتم تسريبه بخفة من بين أيدي العمال ليصير إنجازاً لـ «مصر» المجمعة هذه، تماماً كما يُسحب الربح وفائض القيمة من أيديهم وأيدي غيرهم من العاملين طيلة الوقت، ولن يلبث في القريب العاجل جداً لدرجةٍ تغيظ أن يصبح إنجاز الهيئة ومن ثم إنجاز السيسي وربما احتُفل به كل عام ورفعت إليه التهاني به وبإدارته الحاسمة والحكيمة التي لولاها لم تكن لتتحقق هذه المعجزة، ومن يدري ربما أوفد بعض هؤلاء في الصورة لتحيته لتلتقط لهم صورةٌ وهم يصافحونه هذه المرة في مفارقةٍ عبثيةٍ سوداء؛ فهؤلاء يُسرقون مراراً…طيلة الوقت…و يُسلبون كل شيء…بعرقهم تتكدس ثرواتٌ في المصارف في الداخل والخارج وتُشترى أسلحةٌ وعتاد ومركبات وتُصرف مكافآت لمنظومة الأمن والضباط والقضاة الذين يعملون على إبقائهم حيث هم.
ليس هذا إنشاءً أو بلاغة وإنما تصويرٌ مقصرٌ مُفرِطٌ لواقعٍ مرير شديد البؤس لمن توقف وتدبر.
لكن شيئاً لا في السماء ولا في الأرض لن يغير الحقيقة الأولية بأنهم صانعو القيمة والفخر الحقيقي، وسيظلون هم الأجمل والأبهى، ويكفي أن تقارن صورهم تلك بعفويتها وصدقها النابض بتلك التي للسيسي واقفاً على ظهر السفينة الحربية، مرتدياً زياً عسكرياً حيك خصيصاً للمناسبة، فكل شيءٍ مفتعل، بدءاً من الإخراج للزي للرجل الذي جيء به على ظهر دبابة، كل شيءٍ منعدم الجدوى بما فيه المشروع برمته الذي اعترف بنفسه، بحصافته ونباهته، أنه لم يكن إلا لرفع الروح المعنوية. المشهد هنا برمته مدمرٌ للقيمة بما ردم فيه من ملياراتٍ بلا عائد لمجرد المظهرية الفارغة والبهرجة الزائفة.
لا يسعني إلا أن أفخر بهؤلاء العمال، فأنا أتماهى معهم. أنا أحب أن أرى نفسي فيهم، ذلك اختيارٌ وانحياز اجتماعي، وبكل تأكيد لا أرى نفسي ولا أتماهى مع الذين يعتقلون أبناء الناس ويخفونهم قسرياً ويلفقون لهم القضايا ويعيدون تدويرهم ويستمتعون بتعذيبهم وذويهم وإذلالهم؛ لا أتماهى مع الذين سيجنون المكاسب الطائلة من عرق هؤلاء العمال الذين عوموا السفينة وهم الآن يحزمون حقائبهم ليلوذوا خلف أسوار العاصمة الإدارية الجديدة؛ لا يسعني في النهاية سوى الاحتفاء بهؤلاء العمال وتوجيه التحية لهم، فهم، وهم فقط، من يستحقونها.
كاتب مصري

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية