هذه السنة بلغ محمود درويش سنّ الثامنة والسبعين، ويوم ميلاده، 13 آذار (مارس)، مناسبة دائمة لكي يُستعاد عند الناس في مستويات مختلفة، ومشارب شتى، ومقاربات متباينة، وضمائر صافية أو عكرة، وعلى نحو بسيط أو تبسيطي تارة وتركيبي تعقيدي تارة أخرى. وتلك استعادات لا تخلو، غنيّ عن القول، من غمز هنا أو لمز هناك، ضمن بواعث لا تخفى في يقيني؛ بل لعلها باتت تنوس بين السخف المكشوف أو الخبث المفضوح، سواء تألفت من جملة واحدة أقرب إلى اللافتة، أو استغرقت نصاَ مسهباً بآلاف الكلمات يهرف بما يختلق!
من جهتي لا أفوّت فرصة، مثل هذه أو الكثير سواها، دون العودة إلى درويش من زوايا مختلفة وأبعاد متقاطعة، أصيب في بعضها أو أخطئ؛ ولكنّ ديدني دائماً هو الإضاءة ــ ما وسعتني العدّة والأدوات، بالطبع ــ على جديد طارئ في مشروعه الشعري الفذّ، أو قديم مقيم لم يستنفد بعدُ أبعاد دراسته واستقرائه. ولست أكتم بهجة شخصية في أنّ المصادفات تسعفني أحياناً، كأنْ أصل إلى لندن فأكتشف، بعد دقائق من صعودي إلى قطارات الأنفاق، أنّ شعر درويش، وضمن تقليد «قصائد في الأنفاق» الذي تعتمده شركة مواصلات العاصمة البريطانية، مثبت على الجزء الأعلى من جدار العربة، باللغة الإنكليزية (ترجمة ريما حمامي وجون بيرجر)، تحت عنوان «خضراء أرض قصيدتي»؛ فأكتب عن هذه الواقعة البهيجة، دون إبطاء!
ولقد أشرت، مراراً، واستجابة لأسئلة صحافية غالباً، أنّ درويش شاعر كبير ومشروع شعري كبير وظاهرة شعرية كبيرة لا تزال ــ رغم مرور عشر سنوات ونيف على غياب صانعها الأمهر ــ الأكبر اليوم في المشهد الشعري العربي المعاصر. ذلك، وأيّ اعتبارات أخرى في تثمين درويش، لا يمكن ولا يجوز أن تصنع منه أيقونة مقدّسة، لا تُمسّ ولا تُنتقد ولا تُهاجم ولا تُشتم، من جهة أولى؛ كما أنّ تلك الاعتبارات جمعاء لا تغلق تاريخ الإبداع الشعري العربي المعاصر، ولا تجعل من درويش وتجربته ومكانته سدوداً منيعة في طريق تطوّر القصيدة العربية المعاصرة في أشكالها كافة، وتياراتها وأجيالها وموضوعاتها، من جهة ثانية.
ولقد شرّفني أن أتناول نقدياً أعمال أكثر من 30 شاعرة وشاعراً عربياً، حديثاً أو معاصراً، ومع ذلك ظلّ البعض يُلحق بي تهمة عدم رؤية شاعر آخر سوى درويش؛ الأمر الذي أعترف أنني اكترثت بالردّ عليه وتفنيده في البدء، ثمّ اكتشفت أنّ الخوض في مسائل واضحة الحدود أمام القارئ العربي ليس هبوطاً بسويّة السجال الثقافي، والعقلي ربما، فحسب؛ بل هي مضيعة للوقت، أغلب الظنّ، فتوقفت عن ردّ «التهمة»! صحيح أنني شديد الإيمان بمنجز الرجل الشعري، وشديد التوق إلى خدمة قصيدته نقدياً، وقراءته وإعادة قراءته دون توقف؛ ولكن من الغباء الصريح أن يعتبر البعض أنني لا أرى سوى درويش (كيف لي أن أفعل، أصلاً!)، أو لا يعجبني سوى درويش، أو حتى «لا يملأ عيني» سواه كما قيل ذات مرّة. وصحيح أنني كنت، كقارئ ودارس شعر، محظوظاً بالعيش في عصره ومتابعة ارتقاء تجربته طوراً بعد آخر؛ إلا أنني محظوظ، كذلك، بمعايشة عصور أمثال نزار قباني وسعدي يوسف ومحمد الماغوط وأمل دنقل وثريا ملحس ومحمد القيسي وقاسم حداد وسليم بركات وسركون بولص وعباس بيضون وبسام حجار ولينا الطيبي ووليد خازندار وزهير أبو شايب وأمجد ناصر ونوري الجراح وفاطمة قنديل، وعشرات سواهم…
وتبقى حكاية «نجومية» الشاعر و«جماهيرية» الشعر، وهما في صلب مقدار غير قليل من الإعجاب بدرويش أو بغضه (نعم، فثمة مَنْ يبغض البغضاء المتأصلة المجانية!)؛ فضلاً عن هذا الطراز أو ذاك من الحسد، الإيجابي الطبيعي أو السلبي المريض. وذات يوم، خلال حوار مطوّل، طرح عليّ الصديق الشاعر الفلسطيني الراحل جهاد هديب السؤال التالي: «كيف تتأمل جماهيرية الشعر؟ هل حقق الشاعر العربي يوماً نجومية ما في عصره، كالمتنبي مثلاً؟ ماذا عن مقاربة هذا الأمر بحالة محمود درويش؟». أجبت بأنّ مفهوم «الجماهيرية» غائم الدلالة وعائم البرهان، فضلاً عن أنه مشبع بالتباسات شتى، ولهذا أميل شخصياً إلى ترجيح مفهوم «الذائقة الجَمْعية»، التي يمكن أن تتسيّد حقبة بعينها لأسباب متعددة. النجومية»، من جانبها، ظلّت قرينة الشعر في كلّ العصور كما أعتقد، ويندر أن نعثر على حقبة لم يتسيدها شاعر نجم، أياً كانت الاعتبارات وراء هذا. هو موقع فريد، بل نفوذ خاصّ، تمتّع به كبار شعراء الأمم، منذ الأطوار السحيقة لازدهار الشعر.
وفي ثقافات الأمم تكررت على الدوام تلك البرهة الاستثنائية التي تُلقى فيها على عاتق شاعر واحد مهمّة رؤيوية كبرى، هي التقاط الوجدان الجَمْعي للأمّة، وبالتالي صناعة تلك «الذائقة الجَمْعية»، وتحويل الشعر إلى قوّة وطنية وثقافية، روحية ومادية، جمالية ومعرفية. المتنبي كان من طينة هؤلاء، مثل حفيده الشعري درويش؛ وكذلك كان أمثال والت ويتمان في أمريكا، وألكسندر بوشكين في روسيا، والشيرازي في بلاد فارس.
في كلّ حال، هذه السطور لم تُكتب لردّ «تهمة» امتلاء بصري وبصيرتي بقصيدة درويش، بقدر الاحتفاء بها مجدداً؛ في ذكرى ميلاد صاحبها.
لو كانت تهمة فهي أجمل تهمة يا عزيزي صبحي فأنت خير من يعرف شاعرنا الكبير محمود الكبير درويش فشعره أقول عنه شخصيا الدرويشيات كالرباعيات لأنه لا يشبه شعر ولا يرتقي إليه شعر من معاصريه ومن فنه لذلك كسابقه ملأ الدنيا وشغل الناس وكتبت أشعاره على سطح قطار الانفاق كان صديقك الحميم ويحبك ويقدرك وأنا أعرف ذلك رحم الله شاعرنا في يوم ميلاده
انه هو وهو من هو الذي صرخ قائلا ارحمونا من هذا الحب القاتل
نعم لقد كان موهوبا منذ نعومة اظفاره ،حيث ان جده كان يأخذه معه داءما ليتباهي به امام الناس ولكن مع الزمن الموهبة لا تكفي و لهذا صقلها بالقراءة المكثفة التي اوصلته الى منتهى الوعي
أحد تلاميذ الشاعر أدونيس، الذي كان يُسمِّيه شاعرنا الكبيرمحمود درويش بـ”خدام أدونيس”، كتب مقالأ بدأه بالجملة الآتية” مات محمود درويش..شكرًا له”. فإلى هذا الحد، وصلت خصومة أدونيس مع محمود درويش؟ وهل بهذه الطريقة، يحلُّ أدونيس محلَّ محمود درويش؟ هل الموت هو الفرصة المناسبة لأدونيس وأزلامه لملء الفراغ الكبير الذي تركه محمود درويش، والاستيلاء على مكانته؟
لسبب بسيط ذكره الاستاذ الكاتب حديدي وهو الحسد المرضي ، بكل وضوح ومباشرة ، جماهيرية النص الدرويشي اذا جاز التعبير وتلقي وتفاعل الملايين من العرب مع ” الذائقة الجمعية ” لقصائد محمود درويش كانت تثير الحسد عند ادونيس وغيره في الواقع ، احدهم روائي فلسطيني لم يكن يوفر فرصة للإساءة الى مكانة درويش الشعرية بكل مراوغة ونفاق للتغطية على الحسد ، قال في احد المرات ان في الاهتمام المبالغ فيه بدرويش ما قد يكون إساءة الى فلسطين ذاتها ، وساق أمثلة انتهازية بذيئة للتدليل على ادعائه هذا ، شيئ مؤسف حقا، مؤخرا فاز هذا الروائي بأحد الجوائز الكبيرة الممولة من احد الدول الخليجية ،برأيي المتواضع اعتقد جازما ان موقفه هذا من درويش لعب دورا رئيسيا بفوزه بهذه الجائزة !
جميل