تونس: من يريد «تشويه» الحياة السياسية؟!

حجم الخط
18

طوال أسبوع كامل لم يكن للتونسيين وإعلامهم ولمواقع التواصل الاجتماعي من حديث سوى ما يجري تحت قبة البرلمان من هرج ومرج، بعد اعتصام نواب كتلة «الحزب الحر الدستوري» (ترأسه قيادية سابقة في حزب بن علي معادية لكل ما حصل في تونس منذ الإطاحة به) على خلفية خلاف بين نوابه ونائبة من حركة النهضة نعتتهم بـالمشردين، فرد عليها أحدهم بوصف عنصري بسبب بشرتها السمراء… ثم احتدت النقاشات المطالبة بضرورة الاعتذار من قبل هذا وذاك.
تحول المشهد إلى ما وصفه البعض في تونس بــ «الحمّام» ويمكن أن نزيد عليه الوصف المشرقي الذي يقول «حمام وانقطعت عنه المياه» إمعانا في وصف الفوضى التي تعم مكان علا فيه الصياح فلم تعد تميز شيئا مما يحصل أو يقال.
ليس جديدا أن يحدث ذلك في أي برلمان في العالم عندما تحتد الخلافات، لكن أن تصل الأمور إلى اعتصام داخل القاعة الرئيسية واحضار البطانيات والمبيت هناك، مع ما يعنيه ذلك من تعطيل الجلسات التي كانت تنظر في إقرار الميزانية الجديدة للدولة، فأمر لم يحصل من قبل في أي مكان.. وله ما وراءه بالتأكيد.
عندما جرت الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة في تونس، قدّم هذا البلد الذي منه انطلق الربيع العربي، أحب هذه التسمية من أحب وازدراها من ازدرى، نموذجا رائعا جديدا في التداول السلمي على السلطة وفي احترام ما تفرزه صناديق الاقتراع بعد عقود من الاستبداد وتزوير إرادة الناس. انتخب التونسيون برلمانا متعدد الاتجاهات وانتخبوا رئيسا بنسبة عالية ولم يكونوا ينتظرون سوى أن يشمرّ هؤلاء عن سواعدهم لإيجاد الحلول الملائمة لمشاكل البلاد المتفاقمة اقتصاديا واجتماعيا.. وسريعا.
تبدو المشكلة الأخيرة قد حلت إلى حد ما، ولو أن النائبة إياها التي اعتصمت وجماعتها في مقر المجلس تريد من زميلة أخرى لها أن تعتذر لأنها تماهت مع الوصف الذي وُجه إليها فرددته هي الأخرى. هذا يعني، في الغالب، أننا سائرون من أزمة إلى أخرى سواء من قبل هذه المجموعة، التي ربما لن يرضيها سوى أن يعتذر لها مجمل الشعب التونسي على ثورته على بن علي، أو من قبل مجموعات أخرى داخل المجلس لا تقل سوءا في نظرتها الاستئصالية الخطيرة. من لا يعترف بأن تونس شهدت ثورة، ولم يهضم بعد أن زمن الديكتاتورية قد ولى، وأن الشعب الذي انتخب «الخوانجية» هو نفسه الشعب الذي انتخب «الأزلام»، من الصعب أن يجد نفسه مرتاحا في مشهد تعددي يحترم إرادة التونسيين، بالجملة وليس بالتفصيل.

قدّم هذا البلد الذي منه انطلق الربيع العربي، نموذجا رائعا جديدا في التداول السلمي على السلطة وفي احترام ما تفرزه صناديق الاقتراع بعد عقود من الاستبداد وتزوير إرادة الناس

التعايش بين جميع المكوّنات السياسية هو التحدي الأبرز الآن بين التونسيين. ليس ممكنا ولا مقبولا أن يكون بين من ارتضى بالدستور وصناديق الاقتراع حكما أن يكون إقصائيا واستئصاليا تجاه الآخرين سواء كانوا من الإسلاميين أو اليساريين أو القوميين أو الليبراليين أو بقايا النظام السابق أو أي مكوّن آخر… وليترك الصراع السياسي والتدافع بين الرؤى والبرامج ومقارنة الانجازات على الأرض هو المحدد لصعود فئة ونزول أخرى عبر العودة الدائمة للشعب الحكم الأول والأخير عبر صناديق الاقتراع.
طبعا هذا يحتاج إلى دربة وإلى الوقت حتى يترسخ في أذهان الناس والطبقة السياسية على حد سواء، لكن ذلك لا يمنع من التنبيه إلى ظاهرة خطيرة للغاية بدأت منذ اليوم الأول للإطاحة ببن علي وتدعّمت تدريجيا حتى وصلت ذروتها الحالية في اعتصام مجلس النواب والفضائح التي صاحبته. هذه الظاهرة هي سعي أطراف سياسية وإعلامية على مر هذه السنوات إلى ترذيل الحياة السياسية التعددية والديمقراطية في البلاد، أي تقبيحها وتشويهها في نظر الناس حتى لا تبدو في أعينهم سوى عوراتها بهدف دفعهم إلى الكـفر بالديمقراطية وربما الحنين لزمن الاستبداد باعتبار أن هذا الشعب «لا يساق إلا والعصا فوق رأسه!!».
بدأ ذلك من وسائل إعلام معينة، تقف وراءها جهات فاسدة أو مشبوهة، لم تبدع في شيء إبداعها في التنمر على كل الناس وكل شيء وبطريقة لا علاقة لها بالمهنة ناهيك عن أخلاقياتها. لقد «نجح» بعض «نجوم» هذا الاعلام في تبخيس السياسة في البلاد، رغم وجاهة المشاكل التي يثيرونها، ذلك أن مقاربة التناول هي المشكل وليس القضايا المطروحة. المصيبة أن سياسيين ونوابا في البرلمان ينتهجون حاليا نفس التوجه في تناغم غريب استطاع بدرجة كبيرة في جعل الناس تشعر بنوع من «القرف» من الطبقة السياسية برمتها.
هذه الطبقة السياسية التونسية تعاني فعلا من عيوب جمة بل وقد تكون البلاد في حاجة إلى طبقة جديدة بالكامل متخلصة من أدران الأيديولوجيا، بكل تلويناتها المتخشبة، والفساد، ومن عقد الماضي، لكن ذلك لن يتم سريعا لاسيما بوجود سياسيين هدفهم تخريب العملية السياسية بممارسات كتلك التي وقعت مؤخرا بعد ما ظن الجميع أنهم تخلصوا من شخصيات فلكلورية هزيلة من المجالس السابقة.
من له مصلحة في أن يصل الناس إلى نبذ الجميع وفقدان الثقة من الجميع؟!! من يريد إجهاض التفاؤل الجديد بين التونسيين وتبديده بسرعة؟! هذا الشعور القاتل إذا ما استقر بالكامل، لا سمح الله، وتشابك مع وضع اقتصادي خانق لا يمكن أن يقود سوى إلى المجهول.

كاتب وإعلامي تونسي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول abdalla dabsh:

    شغل الامارات والسعودية….الديمقراطية يجب ان تكون له انياب لحمايتها من الغوغاء

  2. يقول S.S.Abdullah:

    في عام 2015 لم تكن فقط (عاصفة الحزم)، بل كان قانون باراك أوباما، لتغيير أو ضرب تراكم الحكمة الإنسانية (مفهوم الأسرة) عرض الحائط بقانون (ديمقراطي) لتحويل مفهوم الأسرة إلى علاقة ما بين ثقافة الأنا والأنا، لا يهم هنا الأنا، رجل، أو إمرأة، أو حيوان، أو آلة (روبوت)؟!

    ومخطئ من يظن أن تجنيس أول آلة (روبوت) كمواطن في السعودية نهاية 2017، أو تعيين أول رجل أمن (روبوت) وأول طبيب (روبوت) في الإمارات العربية المتحدة قبل ذلك، تعني قبول السعودية والإمارات هذا التعريف،

    بل أصحاب القرار في الدولة عمل ذلك من وجهة نظري، لأن ثبت له أن المواطن، يتعامل بلا إبالية وعدم تركيز، في أداء أي وظيفة/مقاولة، فتؤدي إلى فشل/تقصير/فساد في المُنتج الذي ينتجه من وظيفته/مقاولته مع الدولة،

    ولكن لماذا إذن على أرض الواقع، نجاح كل من:

    د طلال أبو غزالة، أو كارلوس غصن في القطاع الخاص،

    وفي القطاع العام نتنياهو، دلوعة أمه (دونالد ترامب)، أو جورج بوش ومن بريطانيا طوني بلير أو ديفيد كاميرون أو بوريس جونسون، رغم كل تجاوزاتهم على القانون وخصوصاً ما يتعلق بالرسوم والضرائب والجمارك للدولة؟!

    لأن لاحظت معنى مفهوم ثقافة الأنا، على أرض الواقع، هو أنّها تظن، مستحيل هناك تقصير/فساد/فشل، في كل ما يمثل الدولة العميقة في أميركا،

  3. يقول S.S.Abdullah:

    فلذلك، يجب أن يكون ممثلي المال (اليهود) ودولة الكيان الصهيوني أو بريطانيا خلف أي شيء، يثبت عِكس ذلك، بحجة نظرية المؤامرة،

    فلا إيمان غير الإيمان اليهودي، ولا دين غير الدين اليهودي، ولا مال وربا غير المال والربا اليهودي،

    مع أنّ حكمة العرب تقول لا تسأل عالم من نجد عن حكم الربا، ولا تسأل عالم من اليمن عن حكم القات؟!

    فماذا تدل هذه الحكمتين، أليس دليل عملي، أنّ مفهوم قطع أعناق، ولا قطع أرزاق، هو السائد؟!

    وهو ما تحجّج به (صدام حسين)، لأكل الكويت في عدة ساعات يوم 2/8/1990، وبدأ الحصار الحقيقي على العراق،

    ولكن مشكلة المشاكل في دولنا، في عام 2019 هو أن وزارات الدولة ومحافظاتها لا تنتج خدمات بجودة وكفاءة، تنافس ما لدى دول مجلس التعاون في الخليج العربي،

    الذي يطمح حتى الكيان الصهيوني أن يحصل على جزء من نجاح الإدارة والحوكمة والأعمال والمشاريع التي تطرحها دول مجلس التعاون للتنفيذ فيها،

    فسر نجاح مجلس دول الخليج، مقارنة بفشل مجلس الإتحاد الأوربي ولذلك مثقفي وسياسيي وأحزاب بريطانيا تُريد الخروج منه في عام 2019،

    بينما لا تجد أي أحد من دول مجلس التعاون في الخليج العربي يُريد الخروج منه بداية من قطر المُحاصرة بعد 5/6/2017،

  4. يقول S.S.Abdullah:

    بسبب تشغيل التقييم الآلي لأي دولة أو شركات أو أفراد في الرياض لتحديد من هو ارهابي، ومن هو غير ارهابي بشكل آلي، بواسطة الملك سلمان والرئيس السيسي ودلوعة أمه (دونالد ترامب)،

    من أجل رفع سيف التعويضات الذي قام بتسليطه باراك أوباما، عندما قام بتمرير قانون جاستا في عام 2015،

    في نفس توقيت عملية تغيير معنى الأسرة في قاموس لغة الدولة، ليتوافق مع معنى ثقافة الأنا في دولة الحداثة الأوربية،

    فكانت ردة فعل الشعب في أمريكا طرد أصحاب الفكر الحزبي من السلطة،

    عندما تم تقديم دلوعة أمه لاستلام كرسي السلطة، (مصائب قوم عند قوم فوائد) (بالأضداد تُعرّف الأشياء)، في عام 2016، عام إعلان فشل إنقلاب عقلية الآلة، في فرنسا وتركيا، سبحان الله.

    وقت الحصار، العبقرية العراقية عكس العبقرية الإيرانية، أنتجت البطاقة التموينية والمقايضة، لحفظ كرامة الإنسان والأسرة والشركة المُنتجة للمُنتجات الإنسانية في الدولة،

    ومن حسن حظ الصين وجود شركة هواوي في العراق وقته، سرقت مفهوم المقايضة (الهندسة العكسية) وطبقته بعد 2008،

    رجعت أنا إلى العراق بعد إعلان الإنسحاب الأمريكي في عام 2011،

  5. يقول S.S.Abdullah:

    خرجت بمفهوم وقف بسطة (صالح) للمُنتج الحلال، كتطوير لمفهوم مشروع (صالح) التايواني في تطوير مفهوم (e)، من خلال أتمتة/ميكنة البطاقة التموينية بعد ربطها بالمُنتج الوطني، والمقايضة الصينية، لمن يُطالب بدراسة جدوى، فالعراق أعاد إعمار كل ما تم تهديمه في أم المعارك/عاصفة الصحراء عام 1991 في 18 شهر،

    ولقد فهمت، الحمدلله، أنّ البنك المركزي مؤخراً، أسس (شركة حماية الودائع) مع المصارف في العراق،

    ولذلك الآن فرصة رائعة لكم، لطلب مقابلة محافظ البنك المركزي، لعمل شركة معه لنقل إقتصاد الدولة، من الإقتصاد الورقي إلى الإقتصاد الرقمي/الإليكتروني،

    من خلال أم الشركات (المتميزون)،

    لتسويق أتمتة/ميكنة توزيع البطاقة التموينية، بعد ربطها مع المنتج الوطني، لتكون حاضنة الإقتصاد، بأسلوب حضاري، يحفظ كرامة الجميع، ويعمل على زيادة الإيرادات للجميع، الإنسان والأسرة والشركة المُنتجة للمُنتجات الإنسانية وبالتالي الدولة،

    وفق مفهوم وقف بسطة (صالح) لإنتاج المُنتج الحلال (أي بلا غش (لأي بند من بنود وظيفة/مقاولة عقد التجهيز) تجارياً).??
    ??????

  6. يقول تونس الفتاة:

    يعنى كل من يعارض و ينتقد الاخوان المسلمين سياسيا بما انهم طرف سياسي …يستتعمل فى الدين لاغراضه السياسية ….فهوى حتما اما تقف رائه الديكتاتوريات العربية التعيسة لا استثنى احد حتى من يتجمل منهم او الصهيونية و الغرب الكافر ….الصراعات بين الديكتاتورايات …نحن لا تهمنا فى تونس….و لا تحشرو تونس فيها افضل ….فى تونس هناك مجتمع مدنى قوى لا يحتاج الى احد ليكبح جماح هذا النوع من الحركات و بكل ديمقراطية ايضا ….

  7. يقول S.S.Abdullah:

    تونس الفتاة، أنا أرفض، إذن أنا ديمقراطي، وإلّا عنوان (تونس: من يريد «تشويه» الحياة السياسية؟!) والأهم هو لماذا يا محمد كريشان؟!

    لأن لاحظت على أرض الواقع مفهوم الفوضى الخلاقة = الديمقراطية = الشرعية التوافقية، التي تحول كل تيار سياسي إلى مسخ، يتناقض مع أبسط المبادئ التي تم تأسيس الحزب عليها، وما حصل لأحزاب تونس بعد هروب زين العابدين بن علي خير مثال على أرض الواقع،

    ومن هذه الزاوية حتى تفهم الفرق، بين ما حصل في تايوان والصين، أو جمهورية الصين الوطنية وجمهورية الصين الشعبية،

    وبين موقف الأمم المتحدة غير الأخلاقي مع تايوان ( بسبب الثنائي نيكسون/كيسنجر) مثل فلسطين (بسبب الثنائي ديغول/ستالين)،

    بعد إعلان سوق العولمة (1945) والإقتصاد الإليكتروني/الرقمي الموحد (1991) من مدريد، في الذكرى الخمسمائة لطرد ممثل ثقافة الآخر (اليهودي/المسلم) من دولة الحداثة لثقافة الأنا أولاً الأوربية،

    والتي تسببت بالحرب العالمية الأولى والثانية، وسوق العولمة لثقافة النحن كأسرة إنسانية هو الحل،

  8. يقول Mekki Guerbaa:

    شكرا لك أستاذ محمّد كريشان على توصيف للوضع الذي تمرّ به تونس ومع ذلك ما و بودّي لو انّك اشرت أيضا إلى أنه بالإضافة إلى التجمعيين فانّ القوميين أيضا رفضوا ويرفضون إلى اليوم تواجد حركة النهضة في المشهد السياسي بتونس ولطالما حرّضوا ضدّها ونعتوها بأبشع التهم من بينها الاغتيالات وكذلك كيف واسع من الإعلام ومن المنظّمات.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية