لندن ـ «القدس العربي»:ربّما، تنتظر اللبنانيين أيامٌ صعبة. ربًما تكون من أصعبها في محطات تاريخه الحديث، الذي شهد خضّات واقتتالات وحربًا أهلية مكتملة، واجتياحات إسرائيلية واحتلالًا سوريًا، وانهيارات اقتصادية، واشتباكًا أهليًا وحادًا مستمرًا منذ عام 2005.
لكن هذه الأيام الحزينة تستبطن عوامل لم تكن حاضرة بهذه القوة قبل سنوات، فثمة ما تغيّر في المنطقة بعد السابع من أكتوبر 2023. ثمة الكثير، وأحدها انهيار النظام السوري، والمقاربة الإسرائيلية لسوريا وتنصيبها نفسها حاميةً للأقليات، وسط أرضية مجتمعية وفّرت لها كل مقومات هذا الدور، وأسبابه معروفة وعديدة.
كما أن طبيعة السلطة السورية الجديدة، التي تبني بلدًا من ركام دمّره أصحاب معادلة «الأسد أو نحرق البلد»، وما جرّه ذلك من ويلات لاحقة، تؤثّر في ديناميات السياسة اللبنانية الباحثة عن وصايات تنقذها من الحقيقة الماثلة كل هذه السنوات، أنه لا يوجد وطن لبناني استطاع أن يحقق انسجامًا لسنوات طويلة ومستقرة، من دون أن يتأثر بالهزّات التي تصيب الدول والمجتمعات حوله.
وإذا كان الممثلون السياسيون المتنفذون في طائفة كاملة في البلاد ارتضوا اليوم أن يكونوا جناحًا مقاتلًا في محور يخوض حربًا ضروس ضد إسرائيل، وأمريكا، والغرب، ويوسّع اشتباكه ليصيب من النظام العربي الرسمي، وشعوبه، جراحًا تُضاف إلى جراح، فإن هذه الحقيقة، التي لا ينكرها أصحابها، لا تعمي عن السبب الأول في انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط كله، والناتج عن دولة الاحتلال الإسرائيلي وسياساتها التوسعية والإجرامية التي ساهمت في خلق الأرضية لحرب عام 2023، عبر طرف فلسطيني التحق بمحور المقاومة، ليجد في وجهه إسرائيليًا يلقاه بأكثر ما أنتجت دولة الفصل العنصري والاحتلال منذ قيامها من تطرّف في السلطة والنظام، ووصول أكثر أجنحة اليمين الإسرائيلي إلى هذه السلطة، من إرث يتجاوز حزب الليكود التقليدي، ليرث بعضًا من الكاهانية وكثيرًا من الصهيونية الدينية، بشراكة الأحزاب الدينية، ويقوده سياسي انتهازي مجرّد من أيّ رادع.
وأحد عناوين هذه الحكومة سياساتها التوسعية، التي يتعدّى الحديث عنها مجرد الموقف السياسي المبني على نظرة إلى الصراع سادت منذ 1967، وربما قبل ذلك، بل يتجسد في وقائع يصفها حتى أكثر خبراء إدارات النظام الدولي بيروقراطيةً وترددًا في منظمة الأمم المتحدة إلا بما هي: توسع في دول الجوار، وحرب غير قانونية على لبنان وإيران.
لكن، في لبنان، يتعدّى الأمر كل هذه الخلفية، وهو أبسط منه ربّما عند الكثير من اللبنانيين، إن لم يكن معظمهم عددًا.
ربّما ملّ هؤلاء اللبنانيون من حروب المنطقة، وهم يطالبون بمسار آخر. لكن حتى في لبنان، وإذا افترضنا أن الشريحة العظمى من اللبنانيين عددًا لا تريد الانخراط في الحرب ضد إسرائيل، فمن غير المسلم به إلى أي مدى يذهب كل واحد من أفرقائهم المؤثرين والنافذين حتى يفرض هذا القرار، وكيف.
بهذا يكون الذين يتهمون الحكم والحكومة في لبنان بأنهم ينفذون أمر عمليات خارجي، وأنهم تحت سلطة وصاية – وهو اتهام يردّه متلقوه بسهولة على خصمهم الداعم لـ«حزب الله» – يتهمون أيضًا شريحة كبيرة من اللبنانيين بالعمالة والخيانة – وهو أيضًا اتهام يوجّهه الخصوم إلى «حزب الله».
وهذا الصراع في البلاد، لم يعد يقتصر على الموقف من المقاومة، بل صار يتعلق بخيارات عند فرقاء من اللبنانيين عاد بهم الزمن إلى العام 1982، ويتصرفون على هذا النحو.
فالحرب الإسرائيلية المدمرة على البلد، والتهديد الإسرائيلي الصريح بإبادة لضاحية بيروت الجنوبية تحاكي خان يونس، على لسان الوزراء الهطلاء في حكومة بنيامين نتنياهو، كلّها تقود شرائح من اللبنانيين إلى هذه المقارنة.
وما يضفي على رمزية المقارنة بعام 1982 في اللحظة اللبنانية طابعًا ذا مغزى، انفتاح فضاء الإعلام اللبناني على معلقين ووجوه تبثّ التطرّف عند ما يجاهر أصحابه بتسميته: اليمين اللبناني.
ويتحدث هؤلاء أنفسهم عن 1982، ويذهب أحدهم إلى الحديث عن أخلاقيات الجيش الإسرائيلي في تحذير السكان قبل ضربهم، وغيره يحكي ويحكي، ثم تأتي درّة التاج باستضافة إتيان صقر (أبو أرز) المتهم بالعمالة للاحتلال الإسرائيلي في الحقبة السابقة.
أما القوى السياسية الفاعلة في هذا الفريق، فمشغولة في شن حملة مباشرة وغير مباشرة على قائد الجيش ورئيس الجمهورية، بذريعة جبنهما وترددهما أمام «حزب الله».
وعلى الضّفة المقابلة، يكمل فضاء «حزب الله» ما زرعه في صفوف اللبنانيين – والسوريين – من شقاق أهلي منذ عام 2005، بالتهديد بـ6 شباط (في إشارة إلى انتفاضة ضد الجيش اللبناني خلال الحرب الأهلية عام 1984)، والحديث عن اتفاق 17 أيار (مع إسرائيل عام 1983) وإسقاطه، وصولًا إلى العبارة التي وردت على لسان حزبي ملتزم: «نقلب البلد».
ليس هذا فقط، فالتهديد بشقّ الجيش اللبناني، وضرب أي إجماع عليه، ولو كان هذا الإجماع برأي بعض اللبنانيين وهميًا، والتصويب على رئيس الحكومة (مأمون بيك كما يصفونه في دوائرهم الشعبية والاجتماعية والسياسية، في إشارة إلى شخصية الخائن في مسلسل «باب الحارة» السوري الشهير)، ثم بدرجة أقلّ رئيس الجمهورية، والحكومة مجتمعة، وخلفهم كل القوى السياسية التي تمثل مختلف أطياف الشعب اللبناني الأخرى غير الحاضنة للحزب، يرسّخ منطق سقوط البلد من الداخل، قبل أن يسقط تحت ضربات إسرائيل.
لكن ماذا تريد إسرائيل التي فجّرت كل هذا الانقسام في لبنان بفرضها الشروط والضغوط، ورفض التفاوض؟
ماذا يريد اللبنانيون أولًا، لأن قسمًا كبيرًا منهم لم يعد يريد كل هذا. وإسرائيل طبعًا، لكن ماذا تريد إسرائيل؟ إنهاء «حزب الله»؟ وكيف؟ وبأيّ ثمن؟ ولا يكتمل هذا السؤال بزواياه، إلا بسؤال آخر: ما الذي تريده إيران من لبنان في مواجهتها المفتوحة؟
ما الذي ينتظر لبنان؟ كلّها أسئلة يصبح الجواب عليها من المحللين والباحثين أمرًا يوميًا، في وسائل الإعلام، وفي مراكز الأبحاث، وصولًا وامتدادًا إلى الشارع اللبناني، إلى المواطن اللبناني الذي، رغم كل شيء، بقي إلى وقت قريب يستفيد من بقاء جهاز دولته، وتمتّعه باستقرار نسبي قياسًا بما يجري حوله.. على الأقل حتى بداية هذا الفصل من الحرب؟
هدف هجوم الإسرائيليين، حسب وزير جيشهم، «إزالة التهديدات».
في التسريبات يقولون أكثر من ذلك. هي فرصة «للتخلص من حزب الله نهائيًا»، وفق ما قاله أحد الدبلوماسيين، العاملين على وساطة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لصحيفة «واشنطن بوست» هذا الشهر.
في الإعلام الإسرائيلي حديث عن «توغل» بري – يحرص المروّجون له إسرائيليًا على عدم الإشارة إليه بوصفه احتلالًا على الطريقة السابقة.
يتحدث المعلقون الإسرائيليون عن خط أصفر في لبنان، يحاكي الخط الأصفر الذي أقاموه بالدمار والنار والدماء في غزة.
أحد السيناريوهات، حسب معلقي القناة 12 الإسرائيلية، تشكيل شريط أمني بعمق 7 إلى 8 كيلومترات، وإنشاء 20 موقعًا في عمق لبنان قبالة بلداته في تلك المنطقة، وهي عملية تتوقع مصادر أمنية في إسرائيل أن تستمر أشهرًا طويلة. كما أنها تصطدم بمقاومة مقاتلي «حزب الله» في القرى، التي ينتهج الإسرائيلي أسلوب جريمة التهجير القسري الجماعي لها.
كما أن رئيس الأركان الإسرائيلي نفسه تحدث عن «وقت طويل إضافي».
و»الانتشار» الإسرائيلي – كما وصفته مصادر القناة 12 – طويل الأمد، أشبه بشريط أمني، وهو يترافق مع عمليات هدم منازل في المنطقة الحدودية، حسب ما ذكرته هيئة البث الإسرائيلية نقلًا عن مصادر قالت إنها تندرج في إطار الضغط على الحكومة اللبنانية للتحرك ضد «حزب الله».
ثم يأتي العرض اللبناني الرسمي الأخير بمفاوضات مباشرة (من دون شروط، من دون أن يتّضح إن كان يُقصد بها محادثات سلام كامل) مع إسرائيل، لينبّه الإسرائيليين إلى مكاسب سياسية ستستثمرها في سياق مهمتها الأساس الآن: إنهاء «حزب الله»، وتحييد لبنان.
الإعلام الإسرائيلي تحدث أيضًَا عن أن الحكومة في إسرائيل يُتوقع منها الموافقة على سقف تجنيد يصل إلى 450 ألف جندي احتياط لأغراض الحرب، وذلك في إطار الاستعداد لعملية برية محتملة في لبنان.
وبهذا، يُرفع الإذن من 260 ألفًا، في حين أن الحرب شهدت بالفعل تجنيد نحو 100 ألف احتياطي في بدايات آذار/مارس، وحتى قبل ذلك، عشية القرار الإسرائيلي بشن الحرب على إيران.
وبهذا، يعود سقف التجنيد ليصل إلى أقل قليلًا مما كان عليه عشية خطة «احتلال غزة» في آب/أغسطس من العام الماضي، قبل التوصل بضغط أمريكي – عربي إلى وقف إطلاق نار في تشرين الأول/أكتوبر.
لا يعني الرقم أن كل هذه الأعداد ستشارك في القتال في لبنان، لكنه خزان احتياطي كافٍ لفترة طويلة من القتال، في حال لم يطرأ تغير يفرض تهدئة في لبنان.
وتتصرف إسرائيل في لبنان بمنطق أن حكومة بيروت عاجزة عن ضبط «حزب الله» وتجريده من سلاحه، وتتوجه إلى قطاعات من اللبنانيين بخطاب مباشر، كان مشهد إسقاط المناشير على بيروت شكلًا دعائيًا معبّرًا له، في مقارنة أيضًا مع الماضي..
حتى ميدانيًا، تسعى إسرائيل للتمييز في الاستهدافات عندما يتعلق الأمر بالتهجير القسري (المسمّى إخلاءات)، ففي الهجوم على منطقة صور التي طُلب إخلاؤها استُثنيت – حسب صحيفة هآرتس – تجمعات السكان المسيحيين، حيث يسود حديث في «الجيش» بأن «هذه فئة سكانية لا تتعاون» مع «حزب الله».
ويحاول الإعلام الإسرائيلي التصوير لمواطنيه أن فئات واسعة في لبنان لا توافق على سياسات «حزب الله»، فحتى مقتل كاهن مسيحي في قرية حدودية بنيران جيش الاحتلال وضعه الإعلام الإسرائيلي مسببًا لإثارة نقمة السكان تجاه الحزب – وهو لا يجافي الحقيقة كثيرًا على كل حال.
ويسعى الإعلام الإسرائيلي لتصوير الحزب في عزلة، فحتى «شركاؤه السياسيون مثل التيار الوطني الحر لجبران باسيل، والزعيم الدرزي وليد جنبلاط، تبرؤوا من التنظيم بسبب أهوال الحرب في لبنان»، يقول المعلق في موقع «يديعوت أحرونوت» الإلكتروني حاييم غولوبنتسيتس. أما «تكتل 8 آذار… فتفكك ولم يبقَ منه شيء».
مع ذلك تبقى مهمة إنهاء «حزب الله» طموحة في إسرائيل. فلا يمكن إنهاء الحزب بشريط حدودي جديد فقط، حتى لو كان مدمّرًا وخاليًا من سكانه..
وأيّ تصور لإنجاز هذه العملية عبر الضغط على الحكومة اللبنانية ليتولى جيشها هذه المهمة دونه عقبات داخلية تتعلق بمدى قدرة «حزب الله» على تفجير اقتتال أهلي، فيما حاضنته الشعبية على احتكاك يومي في مناطق النزوح مع اللبنانيين من الطوائف الأخرى.. وهو هدف إسرائيلي واضح من عمليات التهجير القسري واسعة النطاق وطرق الإخلاء التي حددها لسكان الجنوب اللبناني وضاحية بيروت الجنوبية في وقت سابق هذا الشهر.
ولا يزال في لبنان، رغم كل الانقسام السياسي، من يرفض أن تتبنى الحكومة اللبنانية قرارات مصيرية (كالتفاوض) بعد استبعاد الطائفة الشيعية (وممثلها السياسي نبيه بري في الوقت الحالي)، وهو حال الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، فيما سنّة لبنان لا يبدون بشكل عام حماسًا حقيقيًا لأي مواجهة مباشرة عنيفة مع «حزب الله».
كما أن عملية إدارة شؤون النازحين، رغم كل الإشكاليات التي ترافقها، وتجعلها مسألة شديدة الحساسية وقابلة لمشاكل كثيرة، تبدو حتى الآن منضبطة في إطار تعاون أهلي لبناني مقبول.
فكيف ينهي الإسرائيلي «حزب الله»؟ أو إلى أين يصل؟
إلى بيروت؟ لا يوجد شيء في المواقف الإسرائيلية المعلنة يجرؤ على التصريح بهذه النوايا. مع ذلك، يوجد حديث في الإعلام العبري، في إطار الحديث عن أوهام «مقلقة» لدى البعض في الحكومة المتطرفة.
هذا ما ينقله مصدر أمني لموقع صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الذي يقول إن احتلال كل لبنان طالب به بعض المقربين من نتنياهو، مشككًا في أن يُستمع إليهم، رغم أن هذا الحديث «يقلق المؤسسة الأمنية».
كذلك يتناول العميد احتياط في جيش الاحتلال غاي حزوت، في مقال نشر على موقع القناة 12، «خيار بيروت» مستبعدًا إياه، فهو يقول إن إسرائيل تملك في لبنان خيارات تبدأ من الدفاع الأمامي والشريط الأمني، وتمتد إلى احتلال حتى الليطاني أو حتى بيروت، كما يذكر أيضًا إمكان إضافة تدمير البنى التحتية في لبنان إلى هذه البدائل للضغط على الحكومة اللبنانية كي تنزع سلاح حزب الله. لكنه يوضح أن الخيارات الواسعة، وكذلك تدمير البنى التحتية كوسيلة ضغط، ليست خيارات جيدة برأيه، لأنها قد تستنزف الموارد، وتحوّل الانتباه عن الجبهة الأهم، وربما تدفع إلى توحيد اللبنانيين خلف «حزب الله» بدل إضعافه.
ويرى حزوت أن الخيار الأفضل هو الاكتفاء ببدائل «دفاعية» محدودة على الحدود، مثل التمركز في مناطق مسيطرة أو إقامة شريط أمني، لأن حسم أمر «حزب الله»، بحسب رأيه، لا يكون في لبنان بل في إيران، بوصفها «رأس الأخطبوط» الذي يقف وراء الحزب وبقية الأذرع.
ولكن الأهم في مآل سيناريوهات إسرائيل لهزيمة «حزب الله»، يكمن في موقف إدارة الرئيس دونالد ترامب، وفي الحد الذي تسمح به لإسرائيل في فرض وقائع خطرة وتنذر بأنها دائمة في المنطقة.
ومنذ البداية كان واضحًا أن الإدارة الأمريكية، ومعها حلفاء آخرون في المنطقة، تبدو مصممة على تقويض «حزب الله» ونفوذه في الدولة والمجتمع في لبنان، من دون المسّ بالدولة. لكن هل يمنع الاختلاف بين أهداف الحرب الإسرائيلية، التي زعم الأمريكي أنها تختلف عن أهدافه في إيران، أي جموح إضافي في لبنان؟
الإدارتان في إسرائيل وفي الولايات المتحدة مصابتان بالشّطط. وتجربة أريئيل شارون الذي خدع رئيس حكومته عام 1982، ومعظم وزرائها، ودحرج عملية تورطت فيها دولة الاحتلال وكان من نتائجها فيما بعد ظهور «حزب الله» نفسه، لا تزال ماثلة في الأذهان، على الأقلّ كفكرة.
والأهم أن الحرب لم تنتهِ لا في إيران ولا في لبنان.. ولم يعتدِ الأمريكي في أي منطقة أن أنهى حربًا بنجاح، بل تركها عرضة للفوضى. وهي فوضى لا يمانعها الحكم في إسرائيل، بل يصرّح بها.. إنها أفضل بالنسبة إليه من أي واقع سابق على السابع من أكتوبر 2023.
أمّا في لبنان، فالقرار لن يكون قرار شعب واحد، ولا جمهورية واحدة.