تصرّف أوباما ومثله ترامب على أساس أن التحدي الأكبر لموقع ودور الولايات المتحدة المستقبلي في العالم سيأتي من الصين، وليس روسيا. ولكن الأحداث المتتالية، بدءا من الأزمة الجورجية، وصولا إلى ضم القرم، وانخراط روسيا عسكريا في الأزمة السورية، وتجدد الصدام الروسي مع أوكرانيا الموالية للغرب، جعل أمريكا تدرك حجم التحديات الروسية المستجدة في أوروبا، وهي تستخدم حلف الناتو كأداة لتحقيق مصالح سياسية، وتعزز حضوره العسكري في بولندا ورومانيا وغيرهما من بلدان الجوار الروسي.
إلى جانب فرض واشنطن والغرب عقوبات مالية واقتصادية شديدة الوطأة على موسكو، وأزمة طرد الدبلوماسيين الروس الذي ترد عليه موسكو بالمثل، يؤكد مسايرة حلفاء أمريكا من الأوروبيين لموقفها تجاه الكرملين. والخطر المحدق هو أن لا تقف المواجهة عند مستوى الحرب الدبلوماسية والاقتصادية، وأن تنزلق الأمور نحو صدام مسلح وحرب عسكرية مباشرة، في وقت يحاول فيه الطرفان الرئيسيان، وهما موسكو وواشنطن نشر القوة واستعراضها. والسبب الرئيس هو تجنب التراجع الاستراتيجي، ومحاولة كسب حلفاء جدد وخلط أوراق التحالفات القديمة.
تبدو العلاقات بين روسيا والغرب شبيهة بمرحلة الثمانينيات من القرن الماضي، عندما وصلت الحرب الباردة إلى ذروتها. والرئيس الروسي وجه أكثر من مرة الاتهامات للقوى الغربية بأنها خلقت المنظمات الإرهابية ومولتها، سواء في الشرق الأوسط، أو في الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية السابقة، بهدف تغيير أنظمة الحكم في بعض الدول، واعتبر بأن العالم يشهد إعادة توزيع للقوة العسكرية، وعلى روسيا مواجهة التحديات التي تعترضها في هذا المجال، والدفاع عن حدودها ومجالها الحيوي. فبعض البلدان اعتقدت أنها ربحت الحرب الباردة، ورأت أن تعيد ترتيب العلاقات الدولية وفق أهوائها. وبوتين يرفض أن يكون ذلك على حساب روسيا. وبالفعل لم يكن من السهل أن تستسيغ القيادة في الكرملين التخلي عن أصدقائها في الشمال الجورجي، وانتقال الحكم في جورجيا من الموالين لموسكو إلى الموالين للغرب. فهي ترى في جورجيا بوابتها الاستراتيجية في شمال القوقاز، ولذلك استخدمت القوة العسكرية لردع الحكومة الجورجية، وطردت قواتها من أوسيتيا وأبخازيا المؤيدتين لروسيا. وللأسباب نفسها قامت بضم القرم في بداية 2014، وهي تقف بالمرصاد لمحاولات الغرب الإطاحة بحليفها ألكسندر لوكاشينكو في بيلاروسيا، وترفض تكرار السيناريو الأوكراني في نهاية 2013، الذي بسببه بلغ التوتر بين روسيا والقوى الغربية مستوى من التصعيد غير مسبوق. روسيا في مواجهة مجموعة من الدول، ومن الصعب أن تأخذ خطوات بحق الجميع، وهي عادة لا ترد بشكل سريع على أي خطوة تُعتبر غير ودية تجاهها، لأن ذلك سيعزز عزلتها ومأزقها الدبلوماسي. وهذا العداء الروسي الغربي الذي يعود إلى الحقبة القيصرية، مرورا بمرحلة الاتحاد السوفييتي والصراع بين المعسكر الشيوعي والكتلة الرأسمالية، قد لا ينتهي مع روسيا الحديثة بقيادة بوتين، الذي وصف تفكك الاتحاد السوفييتي، بأنه كارثة جيوسياسية، سمحت لأمريكا بقيادة العالم. وهذا التصور لازمه لأكثر من 18 عاما في الحكم كما يبدو. فهو يُعتبر رمزا لعودة روسيا إلى الساحة الدولية، وهي عودة رافقها التوتر المتكرر مع الغرب، بشكل يؤكد ما هو متداول في المأثور الشعبي الروسي، بأن ليس لروسيا صديق سوى الأسطول الحربي والجيش. فالجهود الروسية لتطوير أسلحة جديدة، يقدمها بوتين على أنها رد على الأنشطة العسكرية الأمريكية في العالم، وعند حدود بلاده، لاسيما مع نشر واشنطن منظومة دفاعية مضادة للصواريخ في أوروبا الشرقية. وفي كل مناسبات عرض الأسلحة المبتكرة يدعو الرئيس الروسي الغرب إلى الإنصات للقوة العسكرية، التي استعادتها موسكو، مع التأكيد أنه لا يهدد أحدا. وقد أشار سابقا إلى الإهانة التي تلقتها روسيا في السنوات التي أعقبت تفكك المعسكر السوفييتي عام 1991 حين لم يكن أحد ينصت لموسكو.
الاتحاد الروسي منافس عالمي للغرب، هذه حقيقة لم يعد من السهل تجاهلها، وفي ساحات عدة أجبر الولايات المتحدة على تقاسم النفوذ
الاتحاد الروسي منافس عالمي للغرب، هذه حقيقة لم يعد من السهل تجاهلها. وفي ساحات عدة أجبر الولايات المتحدة على تقاسم النفوذ. وسواء في الشرق الأوسط أو في الساحة الأوروبية، استطاعت روسيا أن تجد لنفسها مكانة استراتيجية، وتحالفها القوي مع الصين جعلها تستفيد من النفوذ الأممي، وتمتص الضغوط الغربية المالية والاقتصادية، رغم أنها منذ الاتحاد السوفييتي لم تكن طرفا في النظام الاقتصادي والمالي العالمي، الذي يهيمن الغرب على مؤسساته. وما حدث في العقدين الأخيرين يكشف بوضوح محاولة روسيا استعادة مجد إمبراطوريتها السابقة، التي كانت تتمتع بمجال جيوستراتيجي هائل. ورغم انهيار منظومة تحالفاتها أواخر الثمانينيات، فإنها بقيادة بوتين أعادت تمتين مرتكزاتها الجيوسياسية، وهذا ما يقلق الغرب. والمواجهة معه اليوم هي حرب باردة أخرى بمعطيات جديدة، تقف فيها روسيا بقدرات عسكرية حديثة، وبإمكانيات تكنولوجية وتفوق سيبراني وتقني يربك خصومها، رغم أنها لم تتعافَ اقتصاديا، ولم تتحرر من أسعار موارد الطاقة التي تخضع لمناورات بهدف ضرب دخلها القومي المتأتي أساسا من ثرواتها الطاقية. موسكو ترى في ما يفعله الغرب حصارا استراتيجيا يهدد مصالح روسيا الحيوية، وكل ما تفعله القيادة الروسية يأتي ضمن رد الفعل على خطوات الكتلة الغربية تجاهها. ففي الساحة السورية أظهرت موسكو تحديا واضحا للإرادة الغربية. كذلك فعلت في جورجيا وأوكرانيا، وفي دول البلطيق. والرئيس ترامب كان أقرب إلى التعاون منه إلى الصدام مع الرئيس بوتين، وبايدن لن يأتي بجديد. وكل ما يقوم به هو امتداد لما كان يفعله أوباما من تعزيز للمصالح الغربية في أوروبا، وتوسيع حلف الناتو، ونشر منظومة الصواريخ. وهو مثله لن يجازف باستخدام القوة، لأنه يدرك تكاليفها في مواجهة دولة نووية بقدرات عسكرية ضخمة وتكتيكية، والخلافات حول الأمن الأوروبي، وأمن دول الجوار الروسي الموالية للغرب، ستظل قائمة وفقا للمصالح الجيوسياسية. ولن تُدار إلا بالتقارب والحوار. والتطور الجزئي الذي أتت به القيادة الأمريكية الجديدة، لن يُرضخ بوتين الذي يدرك حجم الخطر الذي يتهدد أمن بلاده، وعناده وصلابته ستجعل الصراع مفتوحا، ولن يحد منه إلا التعاون المفترض ولو بِعض الأصابع. وحضور الصين صاحبة الاقتصاد العالمي المرعب لأمريكا والغرب، هو سند حقيقي لموسكو في تمسكها برفض الهيمنة الأمريكية. وحلف البريكس المتنامي الذي يضم دولا إقليمية تنظر هي الأخرى بعين الريبة لمنطق التفرد بالنظام الدولي، يمكن لروسيا الاعتماد عليه في إعادة توزيع القوة العالمية، ودفع واشنطن إلى الاعتراف بحقيقة بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب والقوى. وعلى أمريكا البحث عن تفاهم استراتيجي مع روسيا حول كيفية تحقيق الاستقرار العالمي، بحيث يُبنى على أسس أكثر رسوخا مما كانت عليه. والمسألة تظل متوقفة على مأسسة نظام دولي تعددي خارج منطق الأحادية والارتجال، وتجاهل الهيئات الأممية.
كاتب تونسي