ديموقراطية الضحك علي الذقون بالمغرب

حجم الخط
0

ديموقراطية الضحك علي الذقون بالمغرب

يحيي اليحياوي ديموقراطية الضحك علي الذقون بالمغرب كائنة ما تكن مواقفنا من مستوي شفافية انتخابات السابع من ايلول (سبتمبر) الماضي بالمغرب، فإن ثمة اتفاقا عاما بأنها لم تفرز بمحصلتها النهائية، إلا خريطة سياسية مبلقنة الجوهر، هجينة المظهر، ومشهدا حزبيا قد ينجح المرء في توصيفه، لكنه لا يستطيع بالمرة، التكهن بما سيقدم عليه فاعلوه من تحالفات أو اندغامات، تسهل معرفة طبيعة رئيس الوزراء القادم، أو خاصية البرنامج الذي من المفروض تطبيقه.والواقع أن الانتخابات الأخيرة بالمغرب، وقد طاولها تزوير ناعم عبر قانون في الانتخاب ظالم، وتقطيع للدوائر مجحف، وتصويت باللائحة ملائم للأعيان ولسماسرة المال الحرام، هذه الانتخابات لم تكن والحالة هاته، مطالبة بإفراز أغلبية متناغمة، حمالة لمشروع سياسي موحد أو متقارب، ولا كان لها أن تخلق أقطابا يستطيع المرء معها معرفة من هو باليمين، ومن هو باليسار أو الوسط، بل أريد لها أن تضع بين يدي صاحب القرار (الملك بكل الأحوال) نتائج تيسر عليه اختيار من سيحكم إلي جانبه، أي من ستكون له القدرة والقابلية علي تنفيذ ما رسم من سياسات واعتمد من ترتيبات، إن كان من ذوات الأحزاب فبه، وإلا فإن الدستور يفسح للملك في المجال واسعا، لتعيين كائن آخر من خارج الأحزاب ذاتها.العبرة هنا بمن له القابلية علي التماهي مع مشروع الملك دون ممانعة من لدنه تذكر، ومن له الأهلية، إن كان حزبيا، التغاضي عما قدمه من وعود و التزامات انتخابية، لاستمالة الناخبين، واستقطاب أصواتهم عندما كانت الحملة حامية الوطيس بعز فصل الصيف الماضي.وعلي هذا الأساس، فإن تعيين وزير أول من الحزب السياسي الذي تحصل علي أكبر عدد من المقاعد، إنما يسير بذات التوجه قطعا (ألم يقل الوزير المعين بأن برنامجه هو خطاب العرش؟)، وليس له من رابط يذكر بما سمي ولا يزال بـ المنهجية الديمقراطية ، التي تفرض حصرا وقسرا علي رئيس الدولة، تعيين الرابح بالانتخابات لا سواه:ـ فحزب الاستقلال، المعين أمينه العام علي رأس الحكومة، إنما تحصل علي ذات الأغلبية بمناخ انتخابي تجاوزت المقاطعة والامتناع من بين ظهرانيه الثمانين بالمائة (ولم يحصل الحزب ذاته إلا علي أقل من نصف مليون صوت، من كتلة ناخبة تجاوزت الـ 15 مليونا)، لو كتب علي ديموقراطيات غربية أن تبلغ ذات المستوي، لأعادت النظر جذريا في أدوات الفعل السياسي، بعدما تكن قد اقتنعت بأن خللا جللا قد وقع، من المستعجل استدراكه ومداواته، قبل أن يبلغ الاستفحال مدي يهدد مقومات العيش المشترك.لم يعمد حزب الاستقلال (هو الذي لم يكن ترتيبه ضمن الأولين بالحسبان) إلي مساءلة ذات النسبة، ومقعد أمينه العام المستوزر لا يزال مكمن طعن، بل تفاخر وتباهي مزهوا بأيول رأس الوزارة إليه، دون سواه من أحزاب وتكتلات وأشخاص.ـ وحزب الاستقلال، صاحب الوزارة الأولي، لم يخجل من مفاتحة حليفه الاستراتيجي بالكتلة، وهو الذي (الاتحاد الاشتراكي أقصد) عاقبته إرادة من صوت، فطردت قياداته من المشهد طردا، ونكلت بمترشحيه أشد ما يكون التنكيل، وكانت خلف تراجع زعيمه وبعض من عتاة الحزب، للترشح مخافة هزيمة مؤكدة، أو بهدلة وصلت بالذين كابروا وترشحوا، لحد رجمهم بالحجارة أمام الملأ.ـ والحزب، حزب الاستقلال، لم يتردد في مفاتحة أحزاب هجينة (من قبيل فيديرالية الحركات الشعبية) أو مصطنعة من قبيل حزب الأحرار، والتنسيق معها لتقاسم الحقائب الوزارية، والبناء علي ذلك لترتيب رئاسة مجلس النواب، وتوزيع اللجن القطاعية الفرعية من بين ظهراني هذا الأخير، فيما لم يفاتح حزب العدالة والتنمية (الثاني بترتيب النتائج النهائية) إلا من باب المجاملة، ولربما لإخباره بأنه تقرر ركنه بزاوية المعارضة إلي حين.وإذا لم يكن بمقدور المرء إدراك ما دار بدهاليز وكواليس الأحزاب (ومع القصر أيضا)، فإن مخاض أكثر من شهر من المداولات والمشاورات ، إنما يدلل بالقطع علي تداخل الذاتي بالموضوعي، الشخصي بالمعنوي، الخاص بالعام بمسلسل أضحي الكل بمغرب الهامش، متأكدا من أن الحرب كانت بصلبه ضروسا، لتحديد حصة ضباع في عجلة من نهش لحم وعظم الفريسة المطروحة علي الأرض.إن قراءة سريعة ومقتضبة لوجوه وانتماءات ما أفرزه شهر كامل (والناس صيام برمضان) من الأخذ والرد، إنما يؤشر بأن حرب الاستوزار كانت علي أشدها حقا، بين من يريد حقائب أكثر لاسترضاء طلب استوزاري عالي السقف، وبين من يريدها بقطاعات وزارية هادئة ، لا تجلب عليه مزيدا من ويلات الشارع المتخم بالمشاكل والمثقل بالاحتقانات، وبين من يريدها فقط مرضاة غواية إبن فاشل، أو طموح حفيد عاق، أو جزاء لمريد أفني العمر بخدمة شيخ بلغ به الخرف مداه، وهكذا.وتشي أيضا بأنه لم يكن ثمة من اعتداد يذكر بالبرامج في اختيار الأحزاب ولا في انتقاء الأشخاص، بقدر الاعتداد بدرجات القرابة، وبمستوي رضي القصر عن هذا الشخص أو ذاك، متحزبا كان أم غير متحزب، صاحب مشروع، أم مستعد للقبول والاشتغال من داخل مبدأ الاكتفاء بالتنفيذ فقط .وتشي، فضلا عن كل هذا وذاك، بأن لائحة القصر كانت بكل ما اعتمل، ثابتا قارا، سواء تسني للأغلبية تكوين حكومة متجانسة، أم أوحي إليها بالعمل علي أساس من فسيفساء تجلس بمقتضاها أحزاب ذات تاريخ متجذر ، مع أخري لقيطة، هجينة، نكرة وماسخة بالمقياس العام.وبصرف النظر عن مدي شرعية التشكيلة الحكومية، المترتبة عن انتخابات السابع من ايلول (سبتمبر) (أية شرعية لحكومة منبثقة عن انتخابات بالمحصلة غير شرعية؟)، وبغض الطرف عن كونها باتت بكل الأحوال حكومة صاحب الجلالة ، فإن الثابت دون مواربة، أنها إنما كرست حقا وحقيقة خيبة الملايين من المغاربة، الذين قالوا جهارة بأنهم سئموا من ممارسة سياسية ملؤها الكذب والنفاق والمزايدة الفجة، وعبروا عن ضيق السبل بهم بظل حكومات شبيهة سابقة، أذاقتهم مرارة العيش، واستصدرت الضرائب من بين ظهرانيهم دون مقابل، وثوت خلف تعميم الفساد والإفساد والرشوة والمحسوبية والزبونية والريع، ودفعت بجزء كبير من المغاربة بقاع الفقر المدقع، وبأعداد هائلة من الشباب للهجرة (بعدما تم النصب علي آخرين من لدن الوزير الأول الحالي ذاته بحكومة سابقة)، وبات الموت بالبحر أهون وأقل تكلفة من حجز بضع سنتمترات بمقابر المسلمين.إن استقراء سريعا لمواصفات بعض وجوه حكومة المغرب الرسمية، إنما يدعو للخجل حقا، ويثير الحنق، لا بل يفرز لدي المرء نوبات من الضحك تشارف علي البكاء:ـ فالقصر، عكس ما قيل من حوالي عقد من الزمن، نجح بامتياز في توسيع مجال وزراء السيادة، فنفذ إلي وزارات لا علاقة لها بالأمن أو بالدفاع أو بالخارجية أو بالدين، ليستصدر قطاعات إنتاجية صرفة، كالفلاحة والصيد البحري، أو إدارية كالتعليم والرياضة والمعادن، أو ذات وظيفة لا علاقة لها بمنطوق أو مضمون السيادة، كالثقافة مثلا، ولينصب بها خريجي مدارس فرنسا للطرق والقناطر والمناجم وما سواها، كان الأولي بهم أن يكونوا مستشارين تقنيين لدي الوزراء، لا وزراء قائمي الذات.هو لم يلحقها به بالمباشر الواضح، بل عمد إلي صبغها بلون حزبي مفضل لديه، وقال للحزب جهة انتماء الوزير المسيس قسرا: هو لكم باللون والبطاقة، ولي بالأوامر والتوجيهات…وقبلت أحزاب بذلك دون تحفظ. أي عبث هذا الذي يجري باسم الديموقراطية؟ـ والقصر فرض علي الأحزاب وجوها للاستوزار (غير ذات انتماء سياسي) ولما تمنع بعضها حفظا لبعض ماء الخجل المتبقي، فرضها علي أحزاب أخري، ولما تمنعت بدورها، تمت العودة بالمرشح إلي صورته الأولي، ليستوزر دون انتماء سياسي، نكاية في المتمنع واستهزاء بالممانع. أي استخفاف هذا الذي نحن بإزائه هنا؟ـ والقصر فرض علي الوزير الأول كائنات فطرية، يوحي مظهرها بالخاصية التكنوقراطية، لكنها محسوبة علي القصر قلبا وقالبا، لا بل ادعي أنها الأكفأ والأصلح، في حين أن لا خبرة لديها تذكر بالوزارات محطة الإنزال، وإلا فما علاقة مدرسي مادة الإعلام بمعهد متواضع السمعة، بوزارة حساسة كوزارة التربية والتعليم حيث تم إنزال الأول، وبكتابة للدولة بالخارجية، حيث تم إنزال امرأة ليس لها سابق معرفة بدهاليز السفارات والقنصليات. هل ثمة استهتار أكثر من هذا؟ـ والقصر رتب لمآل كل ذلك ولما بعده بالتأكيد، عندما دفع بخديم له مخلص بالانتخابات، كون من حوله بمجرد نجاحه (وهو المرشح المستقل ) فريقا نيابيا من عشرات النواب الرحل، وعلي أنقاض حزب مهترئ (الحزب الوطني الديموقراطي)، استصدر بالارتكاز علي كل ذلك لجنة الدفاع والخارجية بمجلس النواب، ووضع حكومة الأقلية القائمة تحت رحمة أصوات نوابه، بعدما تمت التضحية بتكتل الحركات الشعبية، المصنف ثالثا بعدد المقاعد. أي استصغار للعقول أكثر من هذا؟إن الذي يجري من بين ظهرانينا بالمغرب منذ السابع من ايلول (سبتمبر) الماضي (ومن ذي قبل بالتأكيد) إنما إعادة إنتاج طبق الأصل لمنظومة خبرها النظام السياسي لدرجة الإدمان، مفادها الإمعان في خلق القابلية علي تبخيس العمل السياسي، علي خلفية من ترتيبات قائمة تدفع بفاعلين جدد للواجهة، لتنفيذ المرتب له قبليا، مع الإبقاء علي تعددية حزبية شكلية للمباهاة بالخارج ليس إلا.لا يحتاج المرء إلي كبير اجتهاد لإدراك حجم الإهانة التي تعرضت لها الديموقراطية بالمغرب، علي مذبح ممارسات هجينة، خلناها انصرفت مع العهد القديم دون رجعة، فإذا بها تعاود الكرة بوجوه جديدة، لديها القابلية، كل القابلية، لاختراق الكل، والتحالف مع الكل ضد الكل، إن تطلب الأمر ذلك لتمرير ما هي عازمة عليه.إننا لن نبالغ حقا لو قلنا بأن الحكومة الحالية إنما هي حكومة الانتكاس بكل زوايا النظر، أعني الانتكاس إلي حكومات كان النظام السياسي يخلق لها قبليا أحزابا مصطنعة، يسلمها الوزارات، ويتحكم في دواليبها مباشرة أو عن بعد، إما نكاية في معارض مستميت، أو مزايد متصلب، أو شماتة في من سنحت لهم نفسهم الأمارة بالسوء، بمقاطعة الانتخابات بأكثر من 80 بالمائة، فرفضوا بذلك تفويض أمرهم لهؤلاء (ولم يكن الملك مرشح أحد)، فخذلوا ولاة أمرهم شر خذلان.إن ما توحي إلينا به طبيعة حكومة المغرب الحالية، ومواصفات أحزابها وشخوصها، إنما ترجمتها للشــــــطر الأول من العقاب، عقابنا علي ما عبرنا عنه يوم السابع من ايلول (سبتمبر) الماضي، أما الشطر الثاني فسيأتي عندما يشار علي علي الهمة، بتفعــــــيل أسلحته بالبرلمان للانتقال إلي مقر الوزارة الأولي، الموجودة أبنيتها ومكاتبها ضمن أبنـــــية ومكاتب البلاط الملكي، بالحقيقة المادية لا بالمجاز الإنشائي.ہ باحث وأكاديمي من المغرب[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية