رئيس حكومة الشرق الليبي يدعو لحوار وطني لتشكيل حكومة موحدة

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس – «القدس العربي»: تصاعدت حدة الخلافات داخل مجلس النواب الليبي خلال الأيام الأخيرة على خلفية الجدل المتواصل بشأن قرار فرض ضريبة على بعض السلع، في وقت تتزايد فيه الاتهامات المتبادلة بين قيادات المجلس حول الجهة المسؤولة عن تمرير القرار وآلية اتخاذه، وهو ما يعكس حالة من الانقسام داخل المؤسسة التشريعية ويطرح تساؤلات جديدة حول طبيعة الإجراءات الاقتصادية التي يجري اتخاذها في ظل المشهد السياسي المنقسم في البلاد.
ويأتي هذا الجدل في سياق أوسع من التباينات السياسية والمؤسسية التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، حيث تتداخل الملفات الاقتصادية مع الخلافات السياسية بين المؤسسات، في وقت تتواصل فيه الدعوات لإنهاء حالة الانقسام وتوحيد السلطة التنفيذية، وسط سجال متزايد بين الحكومتين حول المسؤولية عن إدارة المرحلة الراهنة ومعالجة الأزمات المالية التي تواجه البلاد.
وفي هذا السياق، قال النائب الثاني لرئيس مجلس النواب مصباح دومة، إن الجلسة الأخيرة للمجلس التي ترأسها جاءت استكمالًا لجلسة سابقة عقدت بحضور رئيس المجلس ونائبيه، موضحًا أنه تولى إدارتها من الناحية الإجرائية فقط، وأن ما جرى خلالها لم يتجاوز عرض مقترح يتعلق بإخضاع بعض السلع لضريبة دون صدور أي قرار رسمي باعتماده وفق ما هو مثبت في محاضر الجلسات.
وأوضح دومة في بيان أصدره الأربعاء أن المقترح أحيل إلى لجنة مختصة كإجراء تحضيري يهدف إلى دراسة الموضوع من الناحية الفنية، مؤكدًا أن هذه الخطوة لا تعني اعتماد القرار أو تحويله إلى التزام قانوني نافذ، مشيرًا إلى أن أي إجراء فعلي لتطبيق الضريبة في هذه المرحلة يفتقر إلى السند القانوني اللازم الذي يتطلب تصويتًا رسميًا داخل مجلس النواب.

فرض أعباء مالية جديدة

كما دعا دومة مصرف ليبيا المركزي إلى توضيح الأساس القانوني الذي استند إليه في مخاطباته المتعلقة بتنفيذ الضريبة، مطالبًا بالكشف عن الجهات التي جرى التنسيق معها في هذا الشأن، في إشارة إلى الجدل المتصاعد حول الإجراءات التي اتخذت خلال الفترة الماضية بشأن فرض أعباء مالية جديدة على بعض السلع.
ورد دومة في بيانه أيضًا على ما ورد في بيان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بشأن الضريبة، معتبرًا أن الحديث عن إقرار القرار داخل المجلس لا يستند إلى أساس قانوني صحيح، مؤكدًا أن التشريعات المالية لا تصبح نافذة إلا بعد عرضها ومناقشتها والتصويت عليها بشكل رسمي وتوثيقها في محاضر الجلسات وفق الإجراءات المعتمدة.

تصاعد الخلاف داخل مجلس النواب وتبادل الاتهامات حول الضريبة

وجاء رد دومة بعدما أصدر عقيلة صالح بيانًا جديدًا حمل فيه النائب الثاني مسؤولية إصدار قرار الضريبة، وهو تعديل لبيان سابق كان قد ألقى فيه بالمسؤولية على النائب الأول فوزي النويري، وذلك عقب صدور بيان من الأخير نفى فيه بشكل قاطع أي دور له في تمرير القرار.
وأوضح النويري في بيانه أن الجلسة التي ترأسها لم تتضمن أي نقاش أو تصويت بشأن فرض ضريبة على السلع، مؤكدًا أن جدول الأعمال لم يشمل هذا الملف، وأن المسؤولية عن القرار تعود إلى رئيس المجلس، الأمر الذي زاد من حدة السجال داخل المؤسسة التشريعية حول خلفيات القرار والجهة التي تقف وراءه.
وفي المقابل، قال عقيلة صالح في بيانه المعدل إن قرار فرض الضريبة أُقر خلال جلسة عقدت في 13 كانون الثاني/يناير الماضي، موضحًا أنه لم يكن حاضرًا أثناء عرض القرار وأن الجلسة استمرت بحضور النائب الثاني مصباح دومة، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أنه طلب لاحقًا وقف القرار عندما علم بصدوره عن المجلس.
غير أن دومة شدد في بيانه على أن فرض أي ضريبة أو رسم مالي يجب أن يتم عبر قانون يصدر عن مجلس النواب بعد استكمال الإجراءات الدستورية والتشريعية، موضحًا أن أي إجراء يفرض أعباء مالية خارج هذا المسار يعد فاقدًا للسند القانوني ولا يكتسب المشروعية حتى مع وجود مبررات لاحقة.
وأضاف أن إرادة مجلس النواب لا يمكن اختزالها في توقيع شخص أو مراسلة فردية، وإنما يجب أن تصدر في شكل قرار جماعي مستوف لشروط الانعقاد والتصويت وفق اللائحة الداخلية للمجلس، مؤكدًا أن تحميل أعضاء أو أطراف داخل المجلس مسؤولية قرارات لم تعتمد رسميًا لا ينسجم مع قواعد المسؤولية السياسية.
ضرورة الالتزام بحماية المواطنين
وجدد دومة التأكيد على أن أي إجراءات استندت إلى مراسلات فردية لا يمكن اعتبارها قرارات تشريعية ملزمة، مشيرًا إلى أن موضوع الضريبة لا يزال قيد الدراسة داخل اللجنة التشريعية ولم يصدر بشأنه أي قانون نافذ حتى الآن، وأن حماية المواطنين من أعباء مالية غير قانونية تبقى من الثوابت التي ينبغي الالتزام بها.
وأثار الجدل حول فرض الضريبة حالة من الانقسام داخل مجلس النواب، حيث قررت لجنة الاقتصاد والاستثمار إقالة رئيسها بدر النحيب على خلفية مخاطبته جهات معنية بشكل منفرد بشأن فرض الضريبة دون الرجوع إلى أعضاء اللجنة أو عرض الأمر عليهم للنقاش والتصويت داخلها.
كما كان 107 أعضاء في مجلس النواب قد نفوا في بيان سابق صدور أي قرار رسمي بفرض ضرائب جديدة على السلع أو تحميل المواطنين أعباء مالية إضافية، مؤكدين أن المجلس لم يعتمد أي تشريع من هذا النوع خلال جلسة رسمية مكتملة النصاب ووفق الإجراءات القانونية المعمول بها.
وفي موازاة هذا الجدل داخل المؤسسة التشريعية، عاد ملف الانقسام السياسي إلى الواجهة مع صدور بيان جديد لرئيس الحكومة المكلفة من مجلس النواب أسامة حماد دعا فيه إلى الشروع في حوار وطني شامل يفضي إلى تشكيل حكومة موحدة توافقية بمهام وصلاحيات واضحة ضمن إطار وطني ملزم.

تحذير من خطر الانقسام

وقال حماد في بيانه إن ليبيا تمر بمرحلة حساسة تتداخل فيها التحديات الاقتصادية مع التعقيدات السياسية، معتبرًا أن استمرار الانقسام وتعثر المسارات الدستورية والتنفيذية يمثل خطرًا يهدد وحدة البلاد، داعيًا إلى توحيد السلطة التنفيذية باعتبارها المدخل الأساسي لإنهاء الأزمة الراهنة.
واتهم حماد في الوقت ذاته الحكومة الموجودة في طرابلس بإهدار المال العام وترسيخ الفساد المالي والإداري، معتبرًا أن استمرارها في السلطة أسهم في تعميق الانقسام بين مؤسسات الدولة، وهو خطاب يعكس استمرار التباين الحاد بين الحكومتين حول إدارة الملف الاقتصادي والمالي في البلاد.
وكان حماد قد دعا في وقت سابق رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى الحوار المباشر لحل الأزمة المالية أو الخروج معًا من المشهد إذا كان وجود الطرفين يشكل عائقًا أمام الاستقرار، وهو طرح أعاد طرح مسألة شرعية الحكومات المتنافسة على الساحة الليبية.
غير أن مراقبين يرون أن الدعوات المتكررة لتشكيل حكومة جديدة أو الدخول في ترتيبات سياسية بديلة تعكس استمرار الخلافات حول شرعية المؤسسات القائمة، في وقت تواصل فيه حكومة الوحدة الوطنية إدارة الملفات التنفيذية في غرب البلاد، مع تركيزها على برامج الإنفاق والتنمية وتسيير الخدمات العامة.
ويعكس الجدل الدائر داخل مجلس النواب، إلى جانب التصريحات السياسية المتبادلة بين الحكومتين، حجم التعقيدات التي تحيط بالمشهد الليبي في المرحلة الراهنة، حيث تتقاطع الخلافات التشريعية مع الانقسام التنفيذي، ما يجعل أي قرارات اقتصادية أو مالية عرضة للتجاذبات السياسية والتفسيرات المتباينة بين الأطراف المختلفة.
وفي ظل هذه التطورات يظل ملف توحيد المؤسسات أحد أبرز التحديات التي تواجه البلاد، خاصة مع استمرار الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على إدارة الملفات الاقتصادية وعلى قدرة المؤسسات على اتخاذ قرارات موحدة تعالج الأزمات المتفاقمة التي يواجهها المواطنون في مختلف أنحاء ليبيا.

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية