رحلة خليجية… رحلة مستقبلية

«الأمن والدفاع، تقنيات المستقبل، الفضاء، الثقافة والتعليم». هكذا لخص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشراكة الاستراتيجية الفرنسية ـ الإماراتية.
شراكة تتصدر الواجهة اليوم بفعل أزمة التوريد في مجال الطاقة، لكنها ضاربة الجذور في تعاون أمني دفاعي يذكر تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي الذي أعدته السناتورة ناتالي جوليه بمعونة وزير الدفاع الأسبق جان بيير شوفينمان وعدد من الشخصيات الفرنسية البارزة عام 2011 أن التجسيد الأبرز للتعاون العسكري بين فرنسا والإمارات (الذي يعود تاريخيا إلى سنة 1971 و بدأ في المجال النووي) يتمثل في اتفاقية 18 يناير / كانون الثاني 1995 الذي وقعه وزير الدفاع الفرنسي في حكومة جاك شيراك فرنسوا ليوتار.
إذا كان هذا الاتفاق يكرس التعاون «العملياتي في مجال التسلح و الاستخبارات و التعاون الهيكلي الأمني و الدفاعي» إذا كان بالإمكان اعتبار القاعدة العسكرية الفرنسية التي أنشئت في أبو ظبي عام 2009 تتويجا لهذا التعاون، لا بد من التوقف عند حجم الاستثمار الفرنسي في المجال الثقافي، المتجسد في متحف اللوفر أبوظبي أولا، لكن أيضا في الدفع بمجال التعليم قدما إذ فضلا عن افتتاح فرع للسوربون عام 2006، باستثمار إماراتي يصل إلى 224 مليون يورو، يتم تدريس اللغة الفرنسية في مدارس الدولة لأزيد من 50000 تلميذ في أكثر من 170 مدرسة، كما افتتح قسم للدراسات الفرنسية بكلية الآداب و العلوم بجامعة العين.
بالتوازي، في ميدان التعليم دائما، يجري التفاوض لإنشاء فرع لمؤسستين تعليميتين باريسيتين شهيرتين :
الأولى: مؤسسة «Louis le Grand» التعليمية من جهة.
والثانية: مدرسة البيطرة في ضواحي باريس (Maisons Alfort ) من جهة أخرى.
الشراكة الفرنسية الإماراتية متأصلة في تاريخ طويل و عريق من الاستثمارات المتبادلة، هذا معروف، و منذ ما يقارب الخمسين عاما.

فرنسا وباقي القيادات الأوروبية بين تدبر وتخطيط، وما تفعيل العلاقة الفرنسية الإماراتية، سوى علامة من علامات تكثيف مبدأ تعدد الأقطاب.
لم تعد الأقطاب الروسية و لا الصينية ولا الأمريكية اللاتينية الأقطاب الجديدة الوازنة الوحيدة.
إلى جانبهم يقف القطب الخليجي قطبا رئيسيا للمستقبل

الإمارات أكبر شريك تجاري لفرنسا في الوقت الراهن، وتقدر التبادلات التجارية بينهما بحوالي 7,5 مليار دولار.
لكن إلى جانب المجالين الاعتياديين المطروقين، مجالي الاستثمارات و الاقتصاد المعرفي، دخل طرف جديد في المعادلة ليستأثر بنصيب الأسد.
فموقف دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيه تلك الأعضاء في مجموعة «أوبك بلاس» معروف أيضا:
عليها باستغلال الاحتياجات الأوروبية لموردي طاقة جدد، بما يساهم في تعزيز التوازنات السياسية القائمة أصلا و التي يذكر بشأنها تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي أنها «تترجم تقاربا في عديد الملفات».
سعيا للنفط الذي تريده أوروبا بديلا عن الوقود الروسي، وعلما أن أوروبا وجهة تقليدية لنصف صادرات روسيا من الخام و المنتجات البترولية، تفاوض الرئيس الفرنسي مع نظرائه الخليجيين وصديقه محمد بن زايد تحديدا MBZ (كما نحب أن نسميه هنا) فوصلت إلى روتردام ناقلة محملة بمليون برميل من الخام الإماراتي، تحمل مصادفة اسما روسيا: Moscow Spirit (ولكنها مملوكة لشركة أمريكية) استأجرتها ذراع الشحن التابعة لشركة Total Energ الفرنسية. استثمار حالة النقص الطاقوي وارد إماراتيا، وسعوديا أيضا. هنا نتذكر هذه الصور من قمة الدول المصنعة السبع الأخيرة في ألمانيا، فيها يسرع إيمانويل ماكرون خطاه باتجاه زميله جو بايدن لإبلاغه بفحوى المكالمة التي أجراها مع الرئيس الاماراتي :
« لقد أجريت اتصالا مع محمد بن زايد فقال لي شيئين : أولا، الإمارات وصلت إلى سقفها الأعلى من انتاج البراميل اليومي، و ثانيا احتمال رفع السعودية لطاقتها الإنتاجية بقليل وارد. «
غير أن لا الإمارات و لا السعودية بإمكانهما سد الفراغ الأوروبي في إمدادات الغاز، وهنا لطرف خليجي ثالث دور اساسي، علاقته بفرنسا وطيدة أيضاً، إنه قطر.
فرنسا وباقي القيادات الأوروبية بين تدبر وتخطيط، وما تفعيل العلاقة الفرنسية الإماراتية، سوى علامة من علامات تكثيف مبدأ تعدد الأقطاب.
فلم تعد الأقطاب الروسية و لا الصينية ولا الأمريكية اللاتينية الأقطاب الجديدة الوازنة الوحيدة.
إلى جانبهم يقف القطب الخليجي قطبا رئيسيا للمستقبل.

باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية