رفقة صحابي منظّم

التنظيم والنّظام كلمات جميلة، غير أن كلمة النظام بسبب استعمالها في المنطقة، في سياق وصف الدول المتسلطة، قد اكتست دلالة شعورية سلبية لمجرّد سماعها.
وأثّرت طريقة استعمالها في العقود الأخيرة على مضمونها الإيجابي، الذي يعني الانضباط والانسياب والتعاون.
وغرضي هنا هو بيان مدى حاجتنا إلى التنظيم، من خلال تجربة مرافقة أحد الصحابة في كيفية قضاء يومه بشكل منظّم. وأبدأ بالقول إن الصحابي هو من صاحب النبي الأكرم، لكن مهلا، ليس هذا فحسب، إن الصحابي يصاحبنا نحن أيضا أبناء هذا الزمان.
هي مصاحبة تمتد عبر الأجيال، والأزمان والأماكن والأحوال المادية والشعورية. إن مصاحبتهم لنا ولمن بعدنا، مقصودة شرعا منذ الظهور الأول لذلك الجيل. فالصحابي يصاحبنا لكونه نموذجا ومرجعا، فهو مثل الظل قد التصق بوعينا الجمعي العميق، على اختلاف مذاهبنا وأفكارنا. فهو يصحبنا ويصاحبنا بأقواله وأحواله، التي نرى فيها ما لم ير جيل من الناس في أسلافهم مثلها.

علماء الحديث والسيرة

إننا من ناحية أخرى نسعى أيضا إلى أن نكون أصحاب أوفياء بشدة، في مصاحبتنا لهم. ولن نتوقف يوما عن البحث عن شرف ومزية المصاحبة، من خلال اقتفاء أثرهم وأحوالهم والتزامها في تفاصيل حياتنا. وليسامحني علماء الحديث والسيرة، على توسيع معنى الصحابي شعوريا وروحيا، إلهاما واستلهاما، توسيعا لم يذكروه أو يفكروا فيه. ذلك أنهم قد وضعوا تعريفا صارما لمعنى الصحابي، ومن يستحق حمل هذه الصفة.
إن جزءا منّا يجد نفسه أكثر تأثرا بصحابة مخصوصين دون آخرين، فعمر بن الخطاب وأبو بكر وعثمان وعلي وأبو هريرة وخالد بن الوليد، أشخاص بالغو التنظيم ويصاحبوننا أكثر من غيرهم. كما أننا نجد لذة شعورية وعقلية، في رغبتنا الدائمة في ذكرهم أكثر من غيرهم. لقد كانوا بالفعل أشخاصا أصحاب براعة في التنظيم على مستوى الفرد والجماعة.
عادة ما يتناول الناس حياة الصحابي من جهة البحث عن حكم شرعي، أو الموعظة من خلال مواقفه. وهذا الأمر قد رسّخته المنهجية المتبعة في مصنفات الحديث والأصول والفقه. لكن دعونا نختبر حياة الصحابي، بعيدا عن رغبتنا في توليد الأحكام الشرعية، أو بحثنا عن تفسير أحد معاني القرآن الكريم من خلال تأويله لها.
تكشف حياة الصحابي درجة التنظيم العالي جدا في حياته قبل الإسلام، ويجسّدها قدرته على “التعاون” بسبب انتمائه لإطار القبيلة، التي كانت تقوم أساسا على مبدأ التعاون. وهذا ما يفسر قدرته لاحقا على بناء شبكة التعاون مع من سيكون صحابيا مثله، أو في درجة أعلى منه أو أدنى، على اختلاف انتماءاتهم القبلية. ولم يكن الإسلام لينجح، لو كانت الفردانية نمطا سائدا حينها.
إن أهم شيء أنجزته القبيلة قبل الإسلام، هو تعليم أبنائها الخضوع والالتزام، بالهرمية والتراتبية في التنظيم القبلي، فهناك القبيلة والبطن والفخد والفصيلة.
وقد اعتاد الصحابي قبل أن ينتقل إلى هذه الرتبة والمكانة، ويحمل هذه الصفة، على القبول بالتنظيم الذي يفرضه التعاون داخل القبيلة.
فهناك الأحرار أو الصّرحاء أصحاب النسب الخالص. وهناك الموالي، وعليهم الواجبات نفسها والالتزامات تجاه القبيلة مثل الأحرار، ويقبلون بامتيازات أقل. وهناك العبيد الذين كان بإمكانهم استرداد حريتهم من خلال مبدأ التعاون الكبير مع السادة، كأن يظهروا شجاعة فائقة في الدفاع عن سادتهم في الحروب فيتحررون بذلك.
أن تكون صحابيا منضبطا ومنظّما بشكل صارم، كان هو هدف النبي الأكرم، فذلك كان يخدم الهدف العام للإسلام. ولذلك لا ينبغي أن نستغرب حجم العقوبة الشعورية لعدم الانضباط، التي عانى منها الصحابة الثلاثة، الذين تخلّفوا عن الجهاد في إحدى الغزوات، باتخاذهم قرارا خارج النظام العام للمسلمين. لقد استهلكت مهمّة إعداد صحابي بالشكل الذي نعرفه اليوم، أغلب وقت النبي الأكرم وجهده طيلة حياته.

الفردانية العنيفة في المنطقة

لقد قوّى الإسلام خاصية التعاون، وربطها بإطار ديني عام. وجعلها كلمة قرآنية في الأمر بالتعاون على البر والتقوى. وواجه الفردانية بكل قوة، عندما أكد على مفهوم الجماعة، التي تعني التنظيم الاجتماعي المحكم. وعلّم الناس القبول بما تفرضه الهرمية والتنظيم. إن الشعور أننا مجرد جزء أو قطعة في مشروع كبير صعب على النفوس.
كان الصحابي قبل أن يكون صحابيا، شخصا يتعاون مع الآخرين ضمن إطار محدود بقبيلته. ثم نقلهم الإسلام إلى التعاون ضمن الإطار العام. وتطوّر مبدأ التعاون نفسه الذي كان موجودا من قبل، فأنتج صيغة وشكلا اجتماعيا واسعا، بعد أن كان شكلا محدودا.
إننا نميل في المنطقة إلى الرغبة في الاستئثار بفعل الأشياء والقيام بها بشكل فردي، بعيدا عن أشكال التعاون. لقد تضرّر مبدأ التعاون كثيرا، بسبب الميول “الفردانية” العالية لدى العرب والمسلمين حاليا. التعاون ثقيل على النفوس، حتى في المستويات الضعيفة فكيف بالكبيرة؟
وقد لا يتحقق إلا لكون السلطة تفرض على المجتمعات أحيانا أشكالا من التعاون الضروري. إن من أسباب فشل كثير من المشاريع الإصلاحية والعلمية، راجع إلى كوننا نبني أشياء على مجموعات وأفراد لا يتحملون ثقلها، بسبب ضعف مبدأ التنظيم والتعاون لديهم وميولهم الفردانية.
تسيطر حالة من الفردانية العنيفة على شعوب المنطقة، حيث تحولت إلى جزء من التكوين الشعوري السائد. حيث يجد الفرد صعوبة في المبادرة إلى المشاريع المشتركة. لكنه بالمقابل يتحمّس كثيرا للمشاريع التي تمثله كفرد، أو تتمحور حول ذاته. وسوف يجد الكثيرون صعوبة شعورية في المشاركة في مشروع فكري أو ندوة، لا تخدم أفكارهم بشكل مباشر.

كيف يقضي عمر يومه؟

يقوم عمر بن الخطاب في الصباح الباكر، ليحارب طيلة اليوم كل مظاهر الفردانية وعدم التنظيم. يتوضأ ويصلي بطريقته التي تعلّمها منه لاحقا فقهاء المدينة وعامة الناس فيها. لقد تحوّل عمر داخل المدينة إلى حالة ونموذج فقهي يتوارثه الناس. كان كثير التفكير، له شارب كبير، إذا أهمّه وحزبه أمر فتله. سريع المشي كعادة الأشخاص الذين لا يشعرون بالتعب، لكنهم يُرهقون الناس بمبادراتهم وحركتهم المستمرة.
كان عمر يأخذ بيده اليمني أذنه اليسرى، ويثب على فرسه، فكأنما خلق على ظهره. ويلتقي فجأة في الشارع العام بشخص اسمه صبيغ بن عسل، الذي يطرح الأسئلة حول المعاني المتشابهة في القرآن فيؤدّبه، وينفع فيه التأديب لاحقا عند الفتنة.
كان طويل النَّفَس، وقال عنه ابنه عبد الله إنه تعلّم البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما تعلّمها نحر جزورًا. ونقل القاسم بن محمد عن عمر قوله: إني لأقاتل الناس عن نفسي قتالا، ولو علمت أن أحدا أقوى على الأمر منّي، لكنت أن أُقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أليه.
كان عمر رجل التفاصيل الدقيقة، وقد غسل أحدُهم دابة عمر، فلما جاء قال له: انطلق حتى أنظر إلى الراحلة، فنظر إليها عمر وقال: نسيتَ أن تغسل هذا العَرَق الذي تحت أذنها، لقد عذّبت بهيمة في شهوة عمر. إن سبب سماح عمر لقاتله أبي لؤلؤة بدخول المدينة، كان رغبته في التأكد من كونه قادرا على صناعة رحى تطحن بالريح، بعد أن بلغه خبر براعة ذلك الرجل في النجارة والحدادة والنقش، فسأله عمر عن إمكانية ذلك.
عمر عاشق للنظام العام، ولذلك لم تعجبه صلاة التراويح انفرادا، فجمع الناس عليها واستمر هذا الأمر في المسلمين حتى اللحظة. لقد حجّ عمر بالناس إمارته كلّها دون تهاون في ذلك الأمر أو استنابة لغيره. وسيطرت عليه فكرة التنظيم، فدوّن الدواوين قبل أن يموت بعام.
لقد كان عمر وخالد بن الوليد يتشابهان، فهما لا ينامان ولا يتركان أحدا ينام. وقد سأل عمر بعض الناس يوما من يؤذنون لهم في المساجد، فأخبروه أنهم عبيدهم. فأنكر ذلك، واعتبره نقصا كبيرا بأهل تلك القرية. وكان يتمنى أن يكون مؤذّنا، لولا أن ذلك يتنافى مع رسوم الخلافة. وقال لمؤذّن بيت المقدس أثناء رحلته الشهيرة إليه: إذا أذّنت فأبطأ، وإذا أقمت فأسرع.

الاهتمام بالتفاصيل

إن باقي الخلفاء لم يبلغوا مبلغ عمر في الاهتمام بالتفاصيل. وكان يكره الأسماء القبيحة أو المبالغ فيها من أسماء الناس. ولذلك عندما جاءه كتاب من دهقان يقال له” جوانانبه”، فأراد عمر أن يكتب له، فسألهم أن يترجموا له إسمه. فقالوا: إنه بالعربية يعني” خير الفتيان”، فقال عمر: إن من الأسماء أسماء لا ينبغي أن يسمّى بها. أكتب: من عبد الله أمير المؤمنين إلى شرّ الفتيان. وبلغ الأمر بعمر أن نهى عن التسمية بأسماء الأنبياء، فجمع كل غلام في المدينة اسمه إسم نبي، فأدخلهم الدار ليغيّر أسماءهم، فجاء آباؤهم فأقاموا البيّنة أن رسول الله هو الذي سمّاهم، فخلّى سبيلهم.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الدكتور جمال البدري:

    الدكتور الفاضل كمال القصير: كلّ عامّ وحضرتك بخير…اسمح لي التوضيح بشأن نصّ عبارتك : { وأبدأ بالقول إن الصحابي هو من صاحب النبي الأكرم }.هذا التعريف مبهم وغير دقيق.بل إنّ الصحابيّ هو المسلم الذي آمن في زمن النبيّ الخاتم صلّى الله عليه وسلّم وقاتل بالسّيف.فإنْ لم يقاتل ولو رأى النبيّ ألف مرّة لا يعتبر صحابيًا.لأنّ الصحابيّ معناه المجاهد مع رسول الله؛ سواء في غزوة قادها النبيّ الكريم بنفسه أو قاتل في سرية أناب النبيّ عنه قيادتها لأحد الصحابة.أما ما بعد عصر النبوة فالمجاهد يسمّى التابع لا الصحابيّ. لذلك شاعر النبيّ الذي عاش قريبًا إليه لعشر
    سنين وهو الشّاعر حسان ابن ثابت لم يقاتل قطّ في معركة لا مع النبيّ الكريم ولا مع صحابيّ جليل؛ فلا يسمّى صحابيًا
    كذلك معاوية ابن أبي سفيان لم يشارك في معركة مع النبيّ الخاتم ولا مع أحد الصحابة؛ رغم أنه أسلم عامّ فتح مكة؛
    لكنه ليس صحابيًا.إذن: الصحابيّ المسلم المجاهد في عهد رسول الله بالسّيف حصرًا…مع التقدير.

    1. يقول محمد:

      بارك الله لك في علمك و بحثك

  2. يقول Hamza hafoud:

    أستاذي الفاضل،أشكركم جزيل الشكر على المقال الثري الذي تناول شخصية الخليفة عمر بن الخطاب وإدارته الدقيقة لشؤون المسلمين. إن حرصه على النظام وتفاصيل الحياة العامة يعكس رؤيته البعيدة ورغبته العميقة في تحسين حياة المجتمع الإسلامي.لقد أضاء المقال على جوانب مهمة من حياة عمر بن الخطاب، مثل تنظيمه لصلاة التراويح وجمعه الناس عليها، واهتمامه بمراقبة المؤذنين في المساجد. كما أن موقفه من الأسماء الغريبة يعكس مدى حرصه على الحفاظ على هوية المجتمع وقيمه.هذه القصص وغيرها تبرز كيف كان عمر بن الخطاب قائدًا عظيمًا يتمتع بحس عالٍ من المسؤولية والعدل. إن سعيه الدائم لتحقيق النظام والعدل هو ما جعل من فترة خلافته مثالًا يُحتذى به في القيادة الحكيمة.شكرًا لكم مرة أخرى على هذا الطرح المفيد، وأتطلع لمزيد من الدروس القيمة منكم.

  3. يقول د . وليد محمود خالص:

    رضي الله عن عمر بن الخطاب وأجزل مثوبته كفاء ما قدمه للإسلام وإخلاص الصحبة لرسول الله وبناء الدولة ، مع وافر الشكر والتقدير للأستاذ الكاتب المحترم وللقدس العربي الغراء . وليد محمود خالص

  4. يقول محمد:

    بارك الله في دكتورنا العزيز

  5. يقول محمد:

    بارك الله فيك دكتورنا العزيز

  6. يقول سمير الحاج:

    كم انت راءع دكتور جمال..بارك الله باصلك وبعلمك..داءما تضيف للمقالات من
    لقطات المعرفة ما يزيدها عمقا..يشرفني التواصل معك على عنواني الإلكتروني
    [email protected]

اشترك في قائمتنا البريدية