إن الإجابة على أسئلة الهوية كالتي يحملها عنوان المقال تستلزم مواصلة سبر أغوار تاريخ قد يجهله الكثيرون، لكنه سيظل شاهدا على وقائع وملابسات ربما يكون لها يوما أن تكشف حقيقة ما يجري فتقلب آراء وتغير مفاهيم.
في القرن السابع عشر، لم تكن أوروبا بعد تعترف بالروس كشركاء في مجتمعها، مثلهم تماما مثل الأتراك الذين ظلوا في نظرهم غرباء، ولو مكثوا في هذه القارة قرونا. فكلاهما جاء من الشرق، وعيناه ترنو بتطلع نحو الغرب. ورغم اشتراك الروس مع كثير من شعوب الشرق الأوروبي في المُعْتَقد والعِرق، على عكس الأتراك؛ إلا أنهم ظلوا بالنسبة للأوروبي شعبا آسيويا يتطبع بطابع تلك الشعوب المختلفة في البيئة والعادات والسلوك عن رجل الغرب “المتحضر”؛ وهم أولا وأخيرا من ذلك الجنس السلافي الهندو أوروبي، الذي قام منذ القِدم مرارا بغزوات بربرية لم تسلم من شرورها القارة العجوز. وهل الكثير من الشعوب السلافية في شرق أوروبا إلى يومنا هذا من صرب وبلغار وبولنديين وغيرهم سوى من آثار تلك الغزوات “المتبربرة”؟!
يجدر هنا استطلاع رأي مؤرخ غربي، هو الإنجليزي هربرت فيشر، الذي يقول: “كانت روسيا حينئذ الشرق بعينه؛ وقد بلغ من إنكار اعتبار الشعب الروسي جزءا لا يتجزأ من الجماعة الأوروبية، أن من بين الاقتراحات التي بُحثت في بلاط هنري الرابع ملك فرنسا (1589-1610م) قيام الغرب بحركة صليبية واسعة النطاق لطرد المسكوفيين والأتراك من الأراضي الأوروبية”… ويقول: “يصور الرحالة الغربيون الذين زاروا روسيا في القرن السابع عشر، المجتمع الروسي في صورة عنيفة مستهترة لا نظام لها، حريصة على اعتزال الأجانب، ولا يؤلف بينها سوى حُكم همجي. فكان القيصر يجلد أتباعه، كما كان هؤلاء وملاك الأراضي يجلدون خدامهم من العبيد وقنان الأرض، وكان الأسقف يجلد القساوسة، ورئيس الدير الرهبانَ، والزوج زوجته، والأب أولاده. وكان الفرق يبدو جليا بين روسيا والغرب في كل شيء: في الملبس والسلوك والعادات والقوانين. واقترنت القسوة في أبشع صورها وألوان الرذيلة التي لا يمكن وصفها، اقترنت بأغلظ الخرافات، وصاحبتها كراهية راسخة لكل ما هو جديد آت من الغرب، وقد شجع على هذا الرهبان”.
المؤثرات الغربية
وهذا رأي أحد الألمان، هو أورلياريوس Orlearius، عندما زار موسكو عام 1636م: “إذا تمعن المرء في طبيعة حياة المسكوفيين وأساليبهم، اضطر إلى التسليم بأنه لن يجد من يفوق ذلك الشعب الروسي همجية. إنهم لا يتعلمون أي فن أو علم أو يأخذون بأي لون من ألوان الدراسة؛ وبلغ بهم الجهل أنهم يظنون أنه ما من إنسان يستطيع أن يضع تقويما إلا إذا كان ساحرا على اتصال ما بالشياطين”.
كان للوثنية التي ظل يدين بها الروس حتى القرن العاشر الميلادي على أقل تقدير مساهمة كبيرة في تلك الهوة الواسعة التي شعر بها الغربيون لدى مخالطتهم. حتى عندما دخلت المسيحية الشرقية روسيا أواخر القرن العاشر لم يتقبلها الروس بسهولة، وظلت المؤثرات الوثنية واضحة على الثقافة الشعبية ومورست شعائرها لزمن طويل بل واختلطت بعد ذلك بمذهبهم المسيحي. ليس هذا فحسب بل إن الأرثوذكسية بعد ذلك كان لها أثرها الكبير في نقل المؤثرات البيزنطية اليونانية في كافة المجالات، حتى صارت بيزنطة هي مثلهم الأعلى في الحضارة والدين، ولدى سقوطها اعتبروا أنفسهم القيميين على تلك الحضارة بشقيها المدنى والديني. وهو ما سيكون له أثر بالغ سواء في تعاملها مع المسلمين الذين احتلوا مكان بيزنطة في الشطر الشرقي من أوروبا، خاصة وأن الإسلام كان هو الدين الذي اعتنتقه غزاتهم من التتار، أو حتى تعاملهم مع الغرب الذي ظل لقرون في عداوة سياسية ودينية وثقافية مع بيزنطة، ما أثر بدوره على عدم تقبل المؤثرات الغربية التي بدأت في التوافد تباعا إلى المجتمع الروسي مع النهضة الأوروبية.
هنا يكمن التناقض الذي ظل يميز روسيا وشخصيتها، فهي من ناحية أرادت في وقت من الأوقات الاتجاه إلى الغرب والانخراط في تكوينه كدولة أوروبية مكتملة الشروط لكن في ذات الوقت ظلت تنجذب إلى هويتها الأساسية التي عملت باستمرار على بلورتها عن المجتمع الأوروبي، فظلت تأخذ من الغرب دون أن تنصهر فيه. يقول الروسي نقولا برديائف: “يرجع التناقض الذي تتسم به الروح الروسية إلى ما يتصف به التاريخ الروسي من تعقيد، وإلى الصراع الناشب بين العنصرين الشرقي والغربي فيها”. ونرى هذا التناقض جليا في ذلك الانقسام الحاد بين أصحاب النزعة السلافية في المجتمع الروسي وبين أنصار الإصلاح على خطى الغرب، الذي بدأه بطرس الأكبر (حكم 1682-1725م)، ذلك القيصر الذي أثار جدلا تاريخيا واسعا، بالثورة العنيفة التي أحدثها على التقاليد الروسية واتخاذ الأساليب الغربية في التحديث، تلك الثورة التي لا يمكن إنكار فضلها في التحاق روسيا بركب النهضة المادية الأوروبية. لقد دفعه انبهاره بالغرب إلى التجول في أوروبا باحثا ومنقبا ومستكشفا، ليحضر معه لدى عودته رجالا من شتى العلوم والفنون ينشرون ما يحملون في أرجاء بلاده، لكنه لم يقتصر على هذا بل تعدى المضمون إلى الشكل، فقد وصل به افتتانه إلى إجبار المجتمع على تقليد كل ما هو غربي حتى في قص اللحى وتصفيف الشعر والأزياء، وإجبار النساء اللواتي تطبعن بطابع العفة المشرقية، أن يُقَصرن ثيابهن في سفور ويختلطن بالرجال، بل إنه نقل عاصمة الدولة من موسكو الأقرب للتقاليد الآسيوية إلى مدينة جديدة تسمت باسمه، هي “سان بطرسبرغ” أو مدينة القديس بطرس التي أسسها عام 1703م في أقصى غرب البلاد على بحر البلطيق، وكأنها هي الأخرى تتطلع إلى الغرب منجذبة إليه، معلنة على الملأ أنها ما هي إلا عاصمة لبلد أوروبي قلبا وقالبا.
بين بطرس ولينين
هنا يجدر أن تسترعي انتباهنا تلك المقارنة التي عقدها المؤرخ برديائف بين بطرس ولينين أو بين الثورة البطرسية في بدايات القرن الثامن عشر وبين الثورة البلشفية أوائل القرن العشرين: “إن كلتا الثورتين استخدمت نفس الهمجية والعنف والتطبيق الإجباري لبعض المبادئ المفروضة من أعلى إلى أسفل، ونبذ التقاليد، ونفس النزعة إلى تمجيد الدولة وتضخيم الحكومة، ونفس التكوين لطبقة بيروقراطية، ونفس المركزية، والرغبة الأساسية الحادة في تغيير النمط الحضاري.
وبينما أطلقت الثورة البلشفية عن طريق العنف قوى كانت كامنة في الجماهير وأهابت بها أن تتحمل نصيبها في صنع التاريخ عملت ثورة بطرس على تقوية الدولة ودفعت روسيا في طريق الاستنارة الغربية والعالمية، وهو ما وسع الهوة بين الشعب والطبقات العليا. ففي الوقت الذي أضفى فيه بطرس طابعا دنيويا على المملوكة الأرثوذكسية وقاد روسيا في طريق الاستنارة، واصل الشعب حياته متشبعا بالمعتقدات والمشاعر الدينية القديمة.
والواقع أن سلطة القيصر الاستبدادية، وقد اتخذت شكل الحُكم المطلق الغربي المستنير، احتفظت في أعين الشعب بقداستها الدينية القديمة بوصفها سلطة حاكمة بالتفويض الإلهي”. وهنا تكمن مفارقة أخرى تُظهر لنا أكثر ذلك التناقض الحاد بين عنصري الشرق والغرب في تكوين روسيا الحديثة. وهو ما يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار لدى استقراء التاريخ والوقائع، ما من شأنه أن يجيب لا شعوريا على كثير من التساؤلات فيما بعد.
كاتب وباحث مصري