كان عهد بطرس الأكبر هو الباب الرئيسي الذي ولج منه الروس إلى عالم الكبار في أوروبا والمنطقة الأوراسية برمتها، والأساس الحقيقي الذي قامت عليه روسيا الحديثة.
إذ لم تقتصر جهوده كما رأينا على المجال العسكري الذي نشط فيه بشكل ملحوظ حتى اكتسبت روسيا سمعتها الحربية والقتالية في القارة الأوروبية كأفضل ما يكون، بل إنه بذل جهدًا كبيرًا في المجالات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والتنظيمية، إلى أن وضع بلاده على خطى النهضة الأوروبية، وهو ما سهل بشكل كبير على خلفائه مواصلة الطريق؛ وإن كان قد مهد الطريق كلية للتوسع الروسي المستقبلي بوصوله القوي إلى البحار الثلاثة البلطيق والأسود وقزوين، فإن خلفاءه واصلوا هذا الطريق بدأب واستخدموا كل الوسائل المتاحة الشرعية منها وغير الشرعية لمد نفوذهم إلى داخل العمق الأوروبي، فضلاً عن البحار الدافئة، ذلك الحُلم والهاجس الأزلي الذي طالما راودهم.
السلطة المطلقة
ورغم أن بطرس الأكبر كان قد افتتح القرن الثامن عشر بفترة حكمه الفارقة في التاريخ الروسي، وسلطته المطلقة القائمة على شخصيته القوية، إلا أن معظم ورثته ومن أخذوا على عاتقهم إكمال مسيرته الشاقة في ذلك القرن كانوا من النساء، وهنا تكمن المفارقة.
مع ذلك كان من الواضح أن إنجازات بطرس وما تحلى به من صفات كان قد ترك أثره على ورثة عرشه منهن، فكان يدفعهن دفعًا للتحلي بذات الصفات من الحسم وعدم التهاون واقتحام الصعاب، خوفًا من أن يؤدي الضعف الذي تسبغه الشخصية النسائية على الحُكم إلى تراجع لهيبة الدولة في نظر الأعداء.
هكذا خلفته ثاني زوجاته، كاترين الأولى (حكمت 1725-1727م)، التي اشتهرت في الغرب بدور المنقذ الذي لعبته في معركة بروت أمام العثمانيين عام 1711م، إذ يؤكد المؤرخون الغربيون أنه لولاها لانتهى بطرس الأكبر نهاية مأساوية وعاد الروس إلى البربرية وخرجوا وجيشهم من ميدان المنافسة الأوروبية بشكل مخزٍ.
يقول إدوارد كريسي: “إن ما تدين به روسيا لكاترين التي جمعت كل دهاء النساء مع كل ثبات الرجال في بروت اعتُرف به عن جدارة عندما قام القيصر الروسي بطرس عام 1724م بتتويجها رسميًّا بوصفها إمبراطورة، وأعلن لرعاياه وللعالم بأسره كيف ساعدته كاترين في معركة بروت ضد الأتراك”. أي أنها لم تكن مستجدة في مضمار السياسة، إلا أن القدر لم يمهلها سوى نحو سنتين تولت فيهما الحُكم لم يشهدا تطورات ملحوظة على صعيد السياسة الخارجية سوى إبرام تحالف مع النمسا، من شأنه أن يكون أساسًا للحرب التالية على العثمانيين باشتراك كلتا القوتين في ثلاثينيات ذلك القرن.
حكم سيدات قويات
مع ذلك كانت فترة حكمها كأول امرأة أو قيصرة تحكم روسيا، قد فتح الباب لحكم سيدات قويات كان لهن تأثير عظيم في السياسة الروسية على كافة الأصعدة طوال القرن الثامن عشر، أو كما يُقر بعض المؤرخين: “مهدت الطريق لنحو قرن من الزمان هيمنت فيه النساء على العرش الروسي”، بمن في ذلك ابنتها إليزابيث أو إليزافيتا (حكمت 1741-1762م)، وابنة أخ زوجها آنا (حكمت 1730-1740م)، وحفيدة زوجها الأشهر والأكثر تأثيرًا من بينهن كاترين الثانية أو الكبرى (حكمت 1762-1796م)، وجميعهن واصلن طريق بطرس الأكبر وسياساته التوسعية والتحديثية.
مع ذلك كانت هناك فترة فاصلة من ثلاث سنوات بعد وفاة كاترين الأولى تولى فيها الحُكم بطرس الثاني (حكم 1727-1730م)، حفيد بطرس الأكبر من ابنه ألكسي بتروفيتش، ذلك الوريث الأخير لسلالة رومانوف الحاكمة بالانحدار المباشر من سلسال الذكور، إلا أنه تُوفي صغيرًا عن عُمر يناهز الأربعة عشر عامًا ولم يمتلك من السلطة سوى اسمها، إذ تركزت السلطة في يد المجلس السري الأعلى، الذي أُنشئ في عهد كاترين الأولى عام 1726م ليتكون من مجموعة من الأرستقراطيين الكبار يديرون الدولة، خوفًا على ما يبدو أو حتى انتهازًا لفرصة تولى امرأة مقاليد الحكم لأول مرة.
قرار المجلس الأعلى
هكذا قرر المجلس الأعلى بعد وفاة بطرس الثاني في عام 1730م تنصيب آنا إيفانوفا، ابنة الأخ الأكبر لبطرس الأول، إيفان أليكسفيتش؛ ظنًا من الأرستقراطيين المسيطرين أنهم في ظلها سيتمتعون أكثر بالسلطات التي تخولهم الحُكم المطلق، ليس هذا فحسب بل حاولوا جمع السلطات الفعلية في المجلس بشكل رسمي عن طريق إجبار الإمبراطورة الجديدة التوقيع على وثيقة سُميت “وثيقة الشروط” تنتقل بموجبها السلطة الفعلية رسميًّا إلى المجلس السري الأعلى، وتكون هي مجرد ممثل للسلطة.
وبالفعل وقعت آنا على وثيقة الشروط في عام 1730م، إلا أنها لم تلبث أن خرقتها بعد شهر واحد فقط لتستعيد كامل سلطات القيصر التي تمتع بها بطرس الأكبر، ولتبدأ بذلك فعليًّا سلطة النساء في روسيا.
عهدت آنا من بعدها بالحكم للطفل إيفان أنتونوفيتش (حكم 1740-1741م) حفيد شقيقتها الكبرى كاترينا إيفانوفا، والذي تعتبر فترة حكمه البالغة عامًا واحدًا فقط فاصل قصير آخر تولت بعده العرش امرأة أخرى، هي إليزافيتا بيتروفنا، ابنة كل من بطرس الأكبر وكاترين الأولى، التي تربعت على عرش القياصرة لنحو عشرين عامًا، لترسخ أكثر لحكم النساء في البلاط الروسي، ولتمهد لذروة حكمهن في عهد خليفتها كاترين الثانية أو العظمى التي قبضت على مقاليد السلطة بيد حديدية لأكثر من ثلاثين عامًا ضارعت خلالها إن لم تتفوق على جدها بطرس الأكبر مع ختام القرن الثامن عشر، حتى عدها المؤرخون الفترة الذهبية للإمبراطورية الروسية.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، قويت في ذلك العقد الذي حكمت فيه آنا إيفانوفا وشائج التحالف الذي عقدته كاترين الأولى مع النمسا، بسبب تفاقم الخلافات مع فرنسا التي استطاعت آنذاك بناء تكتل من الدول الحليفة لها على طول حدود روسيا الغربية يتكون من الاتحاد البولندي اللتواني والسويد والإمبراطورية العثمانية، وهو ما جعل فرنسا تدفع من الناحية الدبلوماسية لتجدد الخلافات الروسية العثمانية وإشعال فتيل الصراع العسكري بين الفريقين من جديد لإضعاف النفوذ الروسي في الغرب؛ خاصة مع التوترات الحادثة آنذاك على جبهة القوقاز مع تأجج الحرب العثمانية الفارسية (1730-1735م).
تقارب بين الروس وفارس
وقد أدت الاختلافات الروسية مع العثمانيين من جهة، والحرب القائمة بين العثمانيين والأفشار، الأسرة الحاكمة الجديدة لفارس بزعامة نادر شاه، من جهة أخرى، إلى تقارب بين الروس وفارس، انتهى بتنازل روسيا عن معظم الأراضي الإيرانية التي احتلها بطرس الأكبر شمالي بلاد فارس في حملته السابقة على بحر قزوين، ومن ضمنها دربند وباكو، وذلك في معاهدة غنجة التي وُقعت في أذربيجان بين الفريقين عام 1735م، إلا أن أهم نتائج هذه المعاهدة كان ذلك الحلف الدفاعي الذي أنشأته لمواجهة العثمانيين.
كان هدف نادر شاه منذ أن استولى على السلطة الفعلية في إيران عام 1732م هو استعادة الأراضي الذي فقدها الصفويون في أواخر عهدهم الضعيف لصالح العثمانيين، وهذا على الأرجح كان من الأسباب المباشرة لتقاربه مع الروس الذين استعان بهم في هجومه على القوقاز، حيث استولى على شروان وداغستان بعد عام تقريبًا، حتى إذا حل صيف عام 1735م كان قد أخذ من العثمانيين كل ما يريد بما في ذلك جورجيا وأرمينية وكذلك كركوك وداران وشهرزور، ثم اقترح السلام فقبل العثمانيون على مضض بسبب شبح الحرب مع الروس الذي بدأ يلوح في الأفق، تلك الحرب التي ستمتد لنحو أربع سنوات (1735-1739م)، والتي من شأنها أن تثبت بما لا يدع مجالاً للشك مواصلة الروس للسياسة البطرسية في محاولة بلوغ البحر الأسود عن طريق الاستيلاء على آزوف، النفوذ نفسه الذي طالما خسروه سابقًا لصالح العثمانيين، إلا أنه ما يلبث أن يشترك في تلك الحرب قوة ثالثة هي النمسا بجانب حليفتها الروسية ضد العثمانيين، لتتحول إلى ما يشبه الحرب العامة تهدف إلى ضعضعة النفوذ العثماني في تلك المنطقة الحيوية بين قارتي آسيا وأوروبا، ولتتضح معالمها وأثرها أكثر فأكثر في خضم الأحداث المتواترة.
كاتب مصري
فعلا والله إن التاريخ يستنسخ نفسه ?
بسم الله الرحمن الرحيم
القيصر الروسي دوما داهيةْ
والقيصرات عقولهن العاليةْ
عن كاترين ،اليزافيتا الساميةْ
وكذاك آنا، كاترين الثانيةْ
جميع القيصرات الروسيات في بيت شعر عربي واحد