سيرة آخر بني هلال لصالح السنوسي: العربي المهاجر و الاخر في سرد جريء متداخل

حجم الخط
0

سيرة آخر بني هلال لصالح السنوسي: العربي المهاجر و الاخر في سرد جريء متداخل

محمد الاصفر سيرة آخر بني هلال لصالح السنوسي: العربي المهاجر و الاخر في سرد جريء متداخللم أكن أعرف الروائي الليبي د صالح السنوسي شخصيا .. بيد أنني أجد بعض رواياته علي أرفف مكتبة البستان بسيدي حسين .. (عندما يفيض الوادي) .. (غدا تزورنا الخيول) .. (لقاء علي الجسر القديم) 1990 م .. اتصفحها ولا اشتريها .. وذات مرّة نظمت رابطة الأدباء في بنغازي ندوة احتفائية بأعماله في دار الكتب الوطنية وأيضا لم أحضرها وحدثني بعض النقاد الشباب طارق الشرع واحمد التهامي عنها وكيف ان هذا الروائي يهمه رأي الشباب في كتاباته وانه انسان رائع وطيب وبسيط ومن هذا المدخل أحببت أن أتعرف علي هذا الروائي. والتقينا مرّة في مكاتب مؤسسة الصحافة ببنغازي تبادلنا بعض الكلمات والتحايا وأعطيته مسودة إحدي قصصي التي تدور اجواؤها في فندق تيبستي خمس نجوم وأذكر أننا التقينا بعدها أكثر من مرة في شوارع رباية الذايح وفي كل مرة نلتقي نجلس في اول مقهي قريب نحتسي الشاي ونتحدث في اي موضوع. وحتي تلك اللحظة لم أقرأ له أي عمل لكن قرأت دراسات ومقالات حول اعماله فهمت منها ان الكاتب درس في فرنسا ونقل تلك الاجواء الفرنسية الينا وان اهتماماته سياسية ويشغله كثيرا الهم القومي وروايته حول حرب اكتوبر كتب عنها وأشاد بها الناقد الكبير المرحوم غالي شكري ..ذات عشية كان في جيبي نقود وارتدت مكتبة قريبة من القنصلية الايطالية في بنغازي تبيع بعض الكتب والجرائد المجلوبة من مصر ووجدت من ضمن المعروضات رواية لصالح السنوسي بعنوان حلق الريح واشتريتها وفي غرفتي ببيوت شباب شحات قرأتها في ليلة واحدة .. حلق الريح رواية جميلة ممتعة عرضت الهم العربي بكل تداعياته وربطته بالهم الانساني .. اشتغل فيها الروائي علي أجواء الواقعية السحرية خاصة رواية ماركيز مائة عام من العزلة من حيث خلق مكان غير معروف اسميا لكن واقعيا تحسه امامك وبجانبك وداخلك وايضا توالد الاجيال وانتقال الاحداث زمنيا من جيل الي جيل بسلاسة واختزال .. والذي اعجبني في رواية حلق الريح الأجواء البدوية الليبية التي وظفها في الرواية وأيضا اجادته بناء شخصية الفقيه في الرواية بأن جعل للفقيه مشاعر وأحاسيس ورؤية عميقة للحياة اكتسبها من خلال عيشه وسط النجوع ومعايشة مشاكل الانسان اليومية وهذا البناء المغاير لم يحدث في الروايات والقصص الليبية السابقة حيث نجد الفقيه في كتابات صادق النيهوم واحمد يوسف عقيلة وغيرهما شخصية سالبة مستهجنة جاهلة لا دور لها سوي تكريس الظلامية والتحايل علي العباد .. وأعتقد أن هذه الرواية لو تحولت إلي شريط خيالة أو مسلسل درامي فستجلب الكثير من الإعجاب والاحترام.وأعرت هذه الرواية لأكثر من صديق من خارج الوسط الثقافي وكل من قرأها من هؤلاء أثني عليها .. أي أن هذه الرواية نالت إعجاب القاريء العادي وهذا نجاح كبير يتمناه كل كاتب .. لم تبق لدي الرواية ولا أدري الآن أين هي .. والأكيد أنها تنتقل من قاريء إلي آخر هاربة بجلدها الغض من ارفف المكتبات وأدراج المكاتب .. نسيت هذه الرواية ومصيرها وفي صباح خريفي التقيت الدكتور صالح في مقهي انترنيت ودعاني إلي وليمة عرسه، وبعد تناول الأرز واللحم والمصيّر ومشروب البيتر الصودا دعوت له بالهناء والسعادة وقلت له: اريد روايتك الجديدة سيرة آخر بني هلال .. وقال لي: يا أصفر اليوم عرسي والبيت مزدحم بالنساء ومانيش فاضي خليها فرصة أخري اعطيك نسخة من الرواية. لكنني عنـّّـزتْ (أي أصررت) وقلت له ستذهب في شهر العسل ولن أجدك .. أريد الرواية الآن .. وقال لي: شهر العسل هنا في بنغازي وسأحضرها لك في المقهي أو في المنتدي الإذاعي .. وكان مزاجي أن أقرأ الرواية تلك الليلة فقلت له: ان لم تحضر الرواية الآن فسوف أزعل منك زعلة شرمولية .. غاب دقائق وعاد بنسخة رائحتها بخور العرس مدها لي فقلت له اكتب لي اهداء. وكان يرتدي اللباس الليبي التقليدي سورية وفرملة قبل إن يصيح في وجهي لأغادر وأتركه وشأنه.ہہہذات شتاء عندما كنت ابيع الملابس لدكاكين البدو في طبرق والبيضاء والمرج وأمر عليهم لتحصيل المبيعات او مدهم بالبضاعة الجديدة وكان البرد قارصا والمطر ينهمر بغزارة والريح عاصفة وكنت قد انطلقت من بنغازي فجرا حتي طبرق وعدت في نفس اليوم، ويبدو انني قد اخذت بردا وأصبت بالحمي فتوقفت حين العودة في مدينة المرج واستضافني صديق تاجر .. قدّم لي الشاي الساخن وحضّرت لنا الحاجة امه قصعة مقطع بالزبدة الوطنية واللبن وكنت محموما وجائعا وبردانا فتحاملت علي شهيتي وأكلت كثيرا من هذا المقطع الساخن الدسم واسترخيت علي نطع صوف و ظننت انني ساقوم بعد ساعة لأواصل طريقي الي بنغازي لكن الحمي اشتدت وزادت حالتي سوءا ومرضت كثيرا وبت ليلتي في مربوعة الصديق .. ومرت الأيام والشهور ولم ازر مدينة المرج ثانية .. وفي يوم من الأيام التقيت بهذا الصديق في بنغازي وقال لي الحاجة أمي مشغولة عليك سألتني عنك وقالت وين صاحبك محمد من يوم المقطّع قطّع .. وأنت يا زوجتي العزيزة لو آكل هذا المقطّع الحار فسأقطع جري (هنا كلمة أقطع تعطي معني أركض بأقصي سرعة) صوب درنة أو طرابلس أو مراكش وإجري بعدها في وراء الأصفر ان وجدتيه .. وصرخت فيها شيلي المقطع من قدامي وإلا كببته علي رأسك .. أععععععععع أنا البطل .. أنا رجل البيت .. المقود في يدي .. ديريلي الشاي وحطيله بردقوش درناوي .. اللعنة علي العالم .. اتركوني وحدي .. وبدأت أقرأ الرواية غير عابئ بما يحدث أمامي أو جواري .. رواية سيرة آخر بني هلال تشتمل علي حكاية بسيطة لرجل عربي اسمه عدنان (لاحظوا دلالة الاسم) يهرب من وطنه لأسباب سياسية إلي بلد عربي آخر (هارب من الغولة طايح في سلال القلوب) يمنحه ذاك البلد حق اللجوء السياسي .. لكنه لا يوفر له الامان ويعتقله ويعذبه ويوجه له تهما باطلة دون ادلة .. وكلما تحدث اي مشكلة في البلد يتم التحفظ عليه والتحقيق معه بوحشية .. وفي النهاية تستقيم علاقة هذا البلد مع وطن عدنان فيطلب منه المغادرة إلي أي مكان أو تسليمه إلي وطنه .. فيختار بالطبع المغادرة إلي أي مكان وتتكفل مخابرات البلد تهريبه بواسطة باخرة تجارية إلي فرنسا .. وفي فرنسا يتصل بمنظمة حقوق الإنسان فتسجله لاجئا سياسيا .. في باريس يعمل في شركة دعاية وملصقات وفي أوقات فراغه يرتاد مقهي .. يجلس فيها يوميا يكتب الشعر واليوميات ويراقب الحياة اليومية داخل المقهي وفي الشوارع المحيطة مبرزا عبر تداعياته كافة التناقضات والطرف والحكايات الجانبية الحادثة قربه وايضا يعود دائما بذاكرته مستحضرا ما عاني من عذاب السجن في بلده وايضا في البلد العربي الذي استضافه مدة قبل ان يعقد صفقة تفاهم مع وطنه .. كل مساء يعود الي غرفته التي يشاركه فيها فأر صغير فيتحدث للفأر ويناجيه وذات يوم وضعت السلطات الصحية مبيدا للقوارض في كافة أرجاء العمارة فاختفي الفأر أو أنه طلب لجوءاً إلي مكان آخر .. وصار عدنان يتحدث مع جدار الغرفة .. بعد سنوات من المعاناة أنجز ديوان شعر سماه الفضيحة يحكي فيه قصته ويدين فيه دولة وطنه والدولة العربية الأخري التي التجأ اليها فعاملته بريبة وعذبته وسجنته عدة مرات .. ديوان الفضيحة يحكي عن حياته ايضا في فرنسا .. طبع هذا الديوان بواسطة دار نشر عربية في فرنسا ووزعته علي المكتبات والاكشاك فاختفي من الارفف بسرعة .. ظن ان له قراء كثيرين اشتروا هذا الديوان لكن الحقيقة التي اكتشفها ان مخابرات البلاد العربية هي التي اشترت كل النسخ المعروضة لتمارس دورها الرقابي حتي خارج بلدانها وازداد عناده فقام بطبع الديوان طبعة ثانية وزعها علي المكتبات والاكشاك بنفسه .. لكن النتيجة التي تحصل عليها من هذا العناد هي رصاصتان غادرتان من قاتل مأجور مر به علي دراجة نارية فأرداه قتيلا.هذا هو ملخص مختصر لأحداث رواية سيرة آخر بني هلال .. لكن الأحداث في العمل الإبداعي ليس كل شيء فهناك شخصيات وزمن ومكان وكيمياء معقدة تتمركز داخل النص وتمنحه الحياة وسبب الوجود .. في سيرة آخر بني هلال عدّة مزايا أهمها التكثيف في اللغة والصور فكل سطر مكتوب أدي وظيفته التصويرية أو الايحائية علي أكمل وجه .. العنوان أيضا سيرة آخر بني هلال عنوان معبر ويحمل دلالات كبيرة خاصة عندما نقرنه باسم عدنان وهو اسم لجد العرب .. ومعروف جدا ان شمال افريقيا والمغرب العربي ساهمت في تعميره وسكنه وتفعيل الحياة فيه قبائل بني هلال ذات الحكاية الشعبية والاسطورية المعروفة والتي جاءت للمنطقة منذ الف عام تقريبا لتنصهر مع البربر وبقايا الرومان والقرطاجيين والفراعنة وسكان الصحراء والواحات في صهير واحد مكونة التجمعات الحضرية والبدوية الحديثة .. اي أن عدنان ليس غريبا انما هو مواطن عربي يعيش بيننا جاء من ارض عربية واستوطن ارض عربية اخري أي هاجر داخل الوطن ولم يجتز البحر كعدنان العصر الراهن. هذه الرواية السياسية نستطيع ان نقول انها من الروايات العربية القليلة التي تناولت هموم الانسان السياسية بصورة مباشرة .. فشخصية عدنان المضطر للهجرة للشمال تختلف كليا عن شخصية بطل الطيب صالح في موسم الهجرة للشمال وتختلف ايضا عن شخصية بطل عبد الرحمن منيف في شرق المتوسط .. فهذا العدنان المستجير من الرمضاء بالنار يرمي به في ثلج اوروبا الذي لم يمنحه الدفء الانساني الذي تصوره وكافأه برصاصتين غادرتين أعادتاه إلي وطنه جثة خرجت تتألم وهي حيّة وعادت تتألم وهي ميتة .. فبطل صالح السنوسي يوضح لنا أن العالم الآن متواطيء مع بعض .. ولا يوجد أي مكان آمن يمكن للإنسان أن يلتجئ إليه ويعيش بكرامة .. فأدوات القمع والمخابرات تستطيع الوصول إلي أي مكان .. والغرب المتشدق بالديمقراطية وحقوق الإنسان ما هو الا محض زيف وهذه الحقوق الانسانية وضعت من اجل الغرب فقط وليس كل الغرب بل النخبة الغنية منه اما بقية العالم فهم مخلوقات تباع وتشتري وتستبدل .. وبالطبع التهم جاهزة : في الوطن خيانة وخارج الوطن ارهاب.الرواية رغم ان لغتها ليست شعرية .. اي كما تذوقتها هي لغة اكاديمية جديّة قوية رصينة واضحة المفردات والمعني مثل لغة البحوث والرسائل العلمية الا ان الشعر يكمن في الصور الجميلة التي بني بها الدكتور صالح الشخصيات فمعظم الاحداث تقع في المقهي وقليل منها في الشارع العام او الغرفة مع بعض الاسترجاعات داخل غرف التحقيق والزنزانات في الوطن او الدولة العربية التي منحت عدنان حق اللجوء السياسي عندما كانت متشاجرة مع وطنه .. شخصية عدنان هي المحور وهي التي تحرك لنا عبر سرد الوقائع ووصف المكان بقية الشخصيات وتمنحها حضورها حسب الحاجة اليها وحسب علاقة عدنان بها .. شخصية عدنان شخصية شاعر فنراه يتفاعل جدا مع شخصية المتسولة العجوز فرانسواز حتي انه يحفظ اغنيتها التي تغنيها عازفة لحنها علي الة الكرديون ويضمنها سرده اكثر من مرة .. هذه الاغنية هي معبرة عن حالته وغربته تتحدث عن الحرمان والرجاء والأمل الأغنية تقول: انتظرته عمرا ولم يأت بعدولو لا شوق انتظاره لكان قاسيا ما فات من الزمن حتي اليومانتظره وليس بيننا موعدولكنه قد يأتي بعد رحيلي فيكون حقا قد جاء في موعدهفقط انا التي انتظرته قبل الأوان!أيضا يتفاعل جدا مع شخصية الهامشي جان كلود الذي لقبته امه وسيم باريس وهذا الكهل امضي عمره في السفر والمتعة واحتساء النبيذ المعتق وشخصيته بها من زوربا نيكوس كانتزاكي غير ان جان كلود مثقف ومتعلم واقل جنونا .. يتعرف علي عدنان وعن طريق محاورته يسرد لنا الراوي كثيرا من عادات و تاريخ باريس وفرنسا وجان كلود ايضا حكيم وشاعر عندما ينتشي من النبيذ يدندن بكلمات نستطيع ان نصنفها انها قصيدة نثر نستمع اليه:تاهت قدماي بين سفر وسفراغراني شعاع الشرق فاختلست بواكيرهوصنعت منها قلادة لجيد لم تشرق علي مثيله شمسأغواني شعاع الأصيل فأدركته قبل أن يصير ارجوانيا واقتطف منه باقة بنفسجيةربطتها بقوس قزحيداي مثقلتان وقدماي تاهتا بين سفر وسفرولكنني بين الشعاعين لم التق شيئا اخر غير هذا العالمفما اروعه لو لم يكن سيئا ..وجان كلود الذي ابدعه صالح السنوسي هو عجوز فرنسي يمثل الانسان الأممي المنفتح علي الجميع يحتسي النبيذ ويعبر عن افكاره بكل حرية ويخالط الغرباء ويصاحبهم .. هو لا يملك بيتا ولا ثروة .. عمره قضاه في السفر ومخالطة الناس من كافة الاعراق والتعرف عليهم والتفاعل معهم. شخصيته تمثل العالم المتسامح الذي يجب ان يسود.بقية الشخصيات المطروحة في الرواية شخصيات ثانوية مساعدة تصور الصراع علي المال والجنس وعلي كسب القوت اليومي بأي وسيلة .. تصور العنصرية خاصة ان رأي بعضهم عربيا مع فتاة فرنسية .. أغلب الأحداث تدور داخل المقهي .. ولم يفت الراوي ان يبرز لنا المعركة التي قامت بين كلب صاحب المقهي وقط زوجته بسبب كنبة نوم عرجاء بثلاث ارجل .. في الرواية ثلاثة حيوانات فأر يهرب من المبيدات وقط يتشاجر مع كلب كل ليلة .. داخل المقهي ومع السجائر والقهوة والعالم الصاخب تغزوالتجليات الاسترجاعية ذاكرة عدنان فتذكره بما قاساه في الوطن العربي فيسرد لنا حادثة معاناة أو انتهاك وحشي لجسده أثناء وصلة تعذيب .. يعيش الكابوس وهو مستيقظ ولا يغادره هذا الكابوس الا بفضل ضحكة احدي الجميلات أو دخول المتسولة المطربة فرانسواز او الحكيم جان كلود .. خارج المقهي بالنسبة لعدنان جحيم لا يطاق فطريقه الي غرفته في العمارة تمر عبر شوارع مظلمة خطرة وفي طريق عودته دائما يلتقي بشخص أحول يحملق فيه كلما مرّ بجانبه وهو دون شرح يعبر عن رجل المخابرات المرسول من وطنه لمتابعته وتصفيته ان سنحت الفرصة .. في العمارة لا يعرف احد ولا يرحب به احد من السكان أي العمارة مثل هذا العالم حتي الفأر الذي يحكي معه ويؤانسه وضعوا له المبيد فجاف او هاجر ويصير يحكي للجدار اي ممنوع الحكي مع اي كائن حي. فقط الخادمة البرتغالية عند مدخل العمارة يتبادل معها بعض كلمات المجاملة ويداعب طفلتها التي يري في عينيها بعض البراءة. في الميادين العامة يجلس عدنان قليلا ليصور لنا حياة المهاجرين العرب فيتحدث لنا السرد بلهجة شامية ولهجة جزائرية او مغربية ومصرية ويشاهد كيف يتحرش العرب ببعضهم بسبب العاهرات او يحدثون مشاجرة وهمية لينشلوا المحافظ من فضاضة النزاعات .. يري الجميلات ويعيش حرمانه علي الطبيعة .. عدنان هو شخصية العربي المغلوب علي امره الذي لم يجد فردوسه .. عبر عن رأيه في بلاده فسجن. خرج لاجئا نفس الشيء سجن .. عبر الي اوروبا وجد المساومات وشراء الذمم .. انضمّ في اوروبا الي منظمة خيرية انسانية فوجد ان لها اهدافا مشبوهة ولا تتظاهر الا وفق خطة سياسية لنصرة طرف علي طرف .. اشتغل في جريدة فطلب منه التمجيد والتطبيل للدولة الراعية .. كتب الشعر كما يريد هو ونشره فتمت تصفيته .. هذه الشخصية العدنانية رغم استدعائها من ارث عربي قديم عبر هجرات بني سليم وبني هلال قبل الف سنة الا انك تشعر انها تعيش الان وفي المستقبل ايضا فالعالم منذ القدم لم ينعم بلحظة حرية حقيقية .. فالحرية التي تقدمها لك الدولة حرية تخدم سياستها واستمراريتها في السلطة .. حرية تحولك الي رقم تضعك حيثما تريد .. وتبرمجك وفق مشيئتها .. وان كان قد قدم لنا صالح السنوسي سيرة اخر بني هلال .. فواجب علينا ان نسأله عن سيرة بقية الرهط من الهلاليين .. هل نستطيع القول ان سيرهم ضاعت ؟! .. وان انسانيتهم لا قيمة لها .. هل نستطيع ان نقول انهم ماتوا بصورة او بأخري ؟! .. هذه الرواية السياسية تطرح علينا الكثير من الاسئلة وتتركنا نتخبط بين الاجابات التي نراها متاحة امامنا بينما هي عصية بعيدة المنال .. الحقيقة ـ وهذا تقصير مني ـ لم اقرأ كثيرا من الروايات الليبية. قرأت بعض روايات ابراهيم الكوني والجزء الاول من ثلاثية احمد ابراهيم الفقيه ومن مكة الي هنا لصادق النيهوم وقليل من ليالي نجمة للاستاذ خليفة حسين مصطفي ورواية سريب لأحمد الفيتوري ورواية دردانين لعاشور الطويبي والتابوت لعبد الله الغزال .. واستطيع القول ان كل الروايات المذكورة لم تطرح الأسئلة التي طرحتها رواية سيرة آخر بني هلال ولم تتناول الهموم السياسية التي تناولتها رواية سيرة آخر بني هلال والذي اعتقده جدا ان الكاتب الحقيقي هو من يعبر عن زمنه الذي عاش فيه حتي وان تم استدعاء فترات زمنية قديمة او استخدم اساطير او جلب المستقبل اليه وسيسجل التاريخ هذا الامر للروائي صالح السنوسي .. والملاحظ جدا لو تتبعنا سيل الروايات العربية التي تناولت علاقة الشرق بالغرب او الجنوب بالشمال مثل رواية الطيب صالح موسم الهجرة الي الشمال ورواية توفيق الحكيم عصفور الشرق و الحي اللاتيني لسهيل ادريس وثلاثية احمد ابراهيم الفقيه وروايات اخري لكتاب جزائريين ومغاربة وتوانسة ومصريين وسوريين لا تحضرني عناوينها الان .. الا ان اغلب الروايات المذكورة سابقا تطرقت لهموم الذات والعاطفة والانبهار بالغرب ولم تلامس بشكل أصيل هموم المواطن العربي الحقيقية وهي السياسة .. وللأسف الشديد قد قامت معظم الدول العربية بتمجيد هذه الروايات ومنحها جبالا من الثناء والجوائز والاحتفاء تثمينا لها لأنها لم تمس السياسة وتغنت بأشياء غير مؤثرة اطلاقا علي شاكلة: ترف أدبي .. نظريات أدبية .. نقلة نوعية في عالم الرواية .. إلي آخر هذه القائمة من العناوين ورؤوس الاقلام الطنانة.والواضح جدا لدي ان رواية صالح السنوسي سيرة اخر بني هلال (وكلمة آخر مهمة جدا ولها عمق غير عادي) رواية مهمة صادمة جريئة قدمت خطابا واضحا بأسلوب حكائي سلس نابع من تبحر الروائي في دراسة الادب العربي والعالمي حديثه وقديمه ونابع ايضا من معاناة شخصية في السجن ومن تجربة ثرية عاشها اثناء دراسته في فرنسا، اضافة لتخصصه وتدريسه الجامعي لمادة العلوم السياسية والاقتصاد .. من خلال هذه الرواية استطاع ان يجعل شخصية عدنان وطنا وليس فردا .. وسفره الي فرنسا منفيا هاربا هو هجرة اضطرارية تنشد الامان .. في فرنسا عاني الكبت والحرمان ومتابعة الشرطة والفقر والوحدة والبرد والتفرقة العنصرية والاضطهاد ومخافة الابعاد او عقد الصفقات التي تمس كرامته .. هجرة اضطرارية جلبت له مزيدا من البؤس والشقاء واخيرا السقوط صريعا علي اسفلت مثلج.هذه الرواية الصادرة عن دار الهلال رغم قصرها (135 صفحة) الا انها تقدم لنا بانوراما كاملة عن الانسان العربي المهاجر مبرزة حالته النفسية في المهجر ومعاناته من الكبت الجنسي رغم الاباحية المفرطة .. تقدم لنا نماذج من صورة الاخر عبر شخصيات كثيرة ترتاد المقهي وتتفاعل فيما بينها خائضة في النميمة والخيانة والصراع علي الشهرة والمال والجنس .. طيلة سطور الرواية نحس بهاجس الخوف من البوح الصادق فنجد الراوي يدين الحكام بسطور قصيرة ماكرة ثم يقفز بعيدا كما في لعبة القط والفأر .. نجده يستحدث اسماء رمزية وهمية لأمكنة عربية معروفة .. في هذه الرواية يناقش الراوي باسلوب تخييلي قضايا الاستبداد والدكتاتورية والقهر التي يعيشها العالم وللوهلة الاولي يظن القاريء ان الرواي يمارس اسقاطاته المجنونة قاصدا بها الانظمة العربية فقط، لكن النص الفني للرواية يدين ايضا الدكتاتوريات الديمقراطية الغربية التي لا تتواني ابدا في سبيل مصالحها خاصة المادية عن بيع اي انسان ومقايضته ببرميل نفط حتي وان كان هذا الانسان من بني جلدتهم ومواطنا من دولتهم، وحوداث التاريخ اثبتت ذلك اكثر من مرة .. فالدكتاتوريات العربية جحيم يفهمه المواطن العربي ويتعايش معه لكن للدكتاتوريات الغربية في امريكا واوروبا جحيما لم يفهمه بعد وإن فهمته بعض الاعمال الابداعية النادرة والتي بالطبع من ضمنها رواية سيرة آخر بني هلال ..كاتب ليبي0

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية