دمشق ـ «القدس العربي»: تشهد مناطق الجزيرة السورية، ولا سيما الحسكة وريفها الجنوبي، أوضاعا خدمية وإنسانية هي الأشد منذ سنوات، عقب انسحاب «قوات سوريا الديمقراطية» من عدد من المناطق تنفيذا لاتفاق وقف إطلاق النار، في ظل أزمات متفاقمة تطال الخبز والبنية التحتية والكهرباء والمياه، وسط شكاوى واسعة من تهميش مزمن وطرقات متهالكة وانقطاع شبه كامل للخدمات الأساسية شرق وشمال شرقي البلاد. وبالتوازي، تتصاعد مخاوف قانونية وحقوقية من انتهاكات طالت المدنيين، شملت تدمير منشآت مدنية كالجسور في الرقة، وممارسات تجنيد أطفال وفرض قيود على عائلاتهم، في ظل تحذيرات من تداعيات إنسانية وقانونية واسعة النطاق.
«الرغيف المر»
تتصدر أزمة الخبز المشهد، حيث تشهد الأفران ازدحاما عند صباح كل يوم في مدينة الشدادي، وطوابير اعتاد الناس عليها منذ سنوات، ورغم ذلك يضطر الكثيرون للعودة إلى منازلهم خالين الوفاض بعد ساعات من الانتظار.
ويقول الأهالي إن النقص الحاد في مادة الطحين والمحروقات المخصصة للأفران جعل من الحصول على ربطة خبز «حلما» يصعب تحقيقه في كثير من الأحيان.
وتروي الممرضة بشرى الحاج أم جاسم وهي شابة ثلاثينية، عن رحلة خروجها من منزلها قبل الفجر لتقف في الطابور، وتقول: أحيانا يغلق الفرن أبوابه قبل أن يصلنا الدور، ونضطر لشراء الخبز السياحي بأسعار لا نطيقها، أو نكتفي بوجبة واحدة في اليوم.
وتكتمل المأساة، حسب أم جاسم، مع انقطاع التيار الكهربائي، بينما يربطه المسؤولون المحليون بحقول الغاز المتوقفة.
كما أثر انقطاع التيار الكهربائي على توقف ضخ المياه وشلل المحال التجارية، وانقطاع شبكات الاتصال والإنترنت، حيث باتت المدينة معزولة تماما عن العالم الخارجي، بينما يناشد أهالي الشدادي المنظمات الإنسانية والجهات المعنية للتدخل لتأهيل الطرقات وفرشها بالحصى كحل إسعافي، وزيادة مخصصات الطحين وتفعيل الرقابة على الأفران، وإعادة تشغيل حقول الغاز لضمان عودة التيار الكهربائي.
المسؤول المكلف بتسيير أمور مدينة الشدادي، عدنان الدرويش، قال لـ «القدس العربي» إن حزمة إجراءات إسعافية تزامنت مع تسلم الإدارة الجديدة مهامها، وشملت الخطة دعوة فورية لموظفي المؤسسات الخدمية للعودة إلى رأس عملهم، تمهيدا لاجتماع موسع لوضع خريطة طريق تقنية تنهي حالة الترهل الخدمي.
شكاوى واسعة من تهميش مزمن وطرقات متهالكة
وكشف عن استجابة سريعة لتأمين مادة الطحين، مؤكدا صدور توجيهات بتشغيل أفران المنطقة بطاقتها القصوى على مدار الساعة، بما في ذلك أيام العطل، لسد الفجوة الكبيرة في الإنتاج.
وحسب المصدر، فقد وضعت إدارة المنطقة خطة ثلاثية المحاور لتوزيع إنتاج الخبز بما يضمن العدالة بين السكان والنازحين، تضمنت «تخصيص مخبز محدد لتموين مخيم الهول حصريا، منعا لأي تداخل في الحصص يؤثر على السكان المحليين»، مشيرا إلى تشغيل فرن ناحية الهول بنظام الورديات الدائمة لتغطية احتياجات الأهالي، بينما أبقت الإدارة على بعض الأفران كخيار «تدخل إستراتيجي» يفعل فور رصد أي نقص ميداني.
عمليات نهب
لم تقتصر التحديات على نقص الموارد، بل امتدت لتطال البنية التحتية، حيث كشف رئيس وردية مخبز الشدادي عدنان العمر لـ «القدس العربي» عن تعرض المنشأة لعمليات نهب طالت معدات حيوية ومحركات تكييف. وأكد نجاح الكوادر في استعادة المنهوبات بجهود ذاتية وتنسيق أمني، مشددا على أن عجلة الإنتاج لم تتوقف رغم هذه العوائق.
وعلى صعيد الأرقام، بدأت شحنات الدقيق بالتدفق من دير الزور بواقع 193 كيسا في الدفعة الأخيرة، جرى استهلاك جزء منها لتوزيع 4000 ربطة خبز كدفعة أولى للمخيم، مع استقرار الإنتاج اليومي عند حاجز 7 إلى 8 أطنان.
ويسعى المسؤولون في الحسكة، عبر التنسيق المباشر مع الوزارات المعنية إلى تأمين مخزون إستراتيجي من الطحين، لتجنيب المنطقة موجات نزوح أو اضطرابات اجتماعية قد يسببها فقدان المواد الأساسية، وهو ما اعتبره المتحدث «اختبارا حقيقيا» للإدارة الجديدة في ريف الحسكة الجنوبي.
طرقات غارقة بالوحل
وترزح مدينة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي تحت وطأة أوضاع خدمية «كارثية» حسب وصف ناشطين لـ «القدس العربي». وبينما تعوم المدينة فوق بحار من الغاز والنفط، يعيش أهلها في ظلام دامس وعزلة خانقة، ما حوّل حياة سكانها إلى رحلة يومية من المعاناة لتأمين أدنى مقومات البقاء.
ويقول محمد بطح 42 عاما، أحد سكان المدينة لـ «القدس العربي»: لم تعد سيارات الإسعاف أو حتى صهاريج المياه قادرة على الدخول إلى الحواري والأزقة، يذهب أطفالنا إلى المدارس بملابس ملطخة، وكثيرا ما يتعثرون ويسقطون في هذه الحفر الطينية التي تشبه المصائد.
وتتحول شوارع الشدادي الرئيسية والفرعية، حسب المتحدث مع حلول الشتاء، إلى مساحات من الأوحال والطين نتيجة تهالك البنية التحتية وغياب التعبيد منذ سنوات، إذ تعيق هذه الأوضاع حركة المارة والسيارات، بل وتسببت في عزل أحياء كاملة.
هدم الجسور
يثير هدم «قوات سوريا الديمقراطية» للجسور في الرقة مخاوف قانونية وإنسانية بالغة، فبموجب القانون الدولي الإنساني، تعتبر الجسور منشآت مدنية مبدئيا، لا يجوز استهدافها إلا إذا كانت تشكل هدفا عسكريا مشروعا، وكان الهجوم يراعي الضرورة والتناسب والاحتياطات الممكنة.
واعتبرت «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، في بيان، أن تدمير الجسور أثناء الانسحاب ليس تكتيكا محايدا، بل يلحق ضررا بالغا بالمدنيين، إذ يقطع الوصول إلى المستشفيات والخدمات الأساسية، ويعرقل الحركة الآمنة، ويطيل أمد النزوح. وفي غياب الضرورة العسكرية المُلحة والتناسب، قد تُعدّ هذه الأعمال تدميراً غير مشروع للممتلكات المدنية، وتُرتب مسؤولية جنائية فردية.
تأتي» قوات سوريا الديمقراطية» ضمن أبرز الأطراف التي وُثّقت بحقها ممارسات تجنيد للأطفال، اتسمت في كثير من الحالات بسمات تنظيمية متكررة.