منظمة «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل»، CUFI، هي أكبر المنظمات الأمريكية الموالية لدولة الاحتلال الإسرائيلي من حيث العدد (قرابة 10 ملايين منتسب حسب أحدث احصائياتها)، وحجم التبرعات المرسلة إلى مختلف المؤسسات الإسرائيلية الحكومية والمستقلة (الأرقام بمئات الملايين من الدولارات)، والانفراد عن غالبية مجموعات الضغط اليهودية والصهيونية الأمريكية في إعلان التأييد الصريح للاستيطان وتوسيع المستوطنات. ولأنها لا تفوّت فرصة من دون الإعراب عن التأييد المطلق لدولة الاحتلال، على نحو أعمى وعشوائي وغير مشروط، فقد أصدرت مؤخراً بياناً يستنكر القرار الذي أعلنه مكتب التحقيقات الفدرالي الأمريكي بصدد إجراء تحقيق مستقل في مقتل الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، حاملة الجنسية الأمريكية.
لا جديد في محتوى البيان ونبرته العامة ومفرداته، وبعضها يسير هكذا على سبيل المثال الأول: «صادم بقدر ما هو مريع أنّ وزارة العدل سمحت لبعض أعضاء الكونغرس المعادين لإسرائيل بالضغط على فرع من السلطة التنفيذية يُفترض أنه مستقلّ لإقرار هذا التحقيق. إسرائيل ديمقراطية وهي حليف أمريكي، والإسرائيليون قد حققوا في هذه الحادثة بطريقة تليق بالتوصيفين». وأيضاً، في مثال ثانٍ: «بدل أن يواجه الخصوم ويقف مع حلفائنا، فإنّ الرئيس بايدن يقوم بالعكس تماماً. بدل أن يسمح لوزارة عدله أن يستأسد عليها أعضاء في حزبه راديكاليون معادون لإسرائيل، على الرئيس بايدن أن يركز على وضع حدّ لبرنامج السلطة الفلسطينية في تمويل القتل، وعلى مساندة الدولة اليهودية لمواجهة الإرهاب الفلسطيني».
ولا جديد، كذلك، على صعيد مسارعة المنظمة إلى اعتناق الرواية الإسرائيلية المبكرة حول مقتل أبو عاقلة، في أنها قُتلت برصاص مسلحين فلسطينيين وليس بأيّ رصاص إسرائيلي؛ ثمّ استمرار المنظمة في تبنّي تلك الرواية حتى بعد اضطرار سلطات الاحتلال إلى سحبها من التداول، أو حتى بعد الحقائق الدامغة التي وفرتها تحقيقات أمريكية مستقلة أجرتها محطة CNN أو صحيفة «نيويورك تايمز»؛ وكلاهما لا يُعرف عنه العداء لدولة الاحتلال، بل العكس هو الثابت الشائع. وهذه سطور لا تتوخى إبداء أيّ عجب إزاء سلوك «مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل»، لأنّ أيّ موقف مختلف ليس في الأصل منتظَراً منها في مقام أوّل؛ ولأنّ مواقف المنظمة منذ الركائز الأولى لتأسيسها مطلع ثمانينيات القرن المنصرم لا يستقيم أن تكون عجيبة، في مقام ثانٍ.
ما تتوخاه هذه السطور، في المقابل، هو التذكير مجدداً بالأبعاد السياسية والدينية (المسيحية، الإنجيلية، البروتستانتية…) والثقافية التي شكلت وتواصيل تشكيل مثاقيل كبرى تُحمل عليها شعبية المنظمة ونفوذها؛ وتلك، استطراداً، هي الدلالات الأهمّ التي يتوجب أن تُستعاد في كلّ حديث معمق عن الـ CUFI، أبعد من مجرّد تسجيل انحيازها إلى دولة الاحتلال، وأخطر ربما، وعلى نطاق أوسع يعبر المحيط الأطلسي إلى حيث تصنع أية إدارة أمريكية فارقاً نوعياً كونياً. ويكفي، ابتداء، التذكير بأنّ هذه المنظمة كانت إحدى أبرز الركائز (شعبياً وشعبوياً ومالياً، إنجيلياً ثمّ توراتياً…) وراء تصعيد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وتثبيت أركانه في قلب الحزب الجمهوري، وصولاً إلى انتخابه واستيلاد المزيد فالمزيد من أركان الترامبية كما تعرفها أمريكا اليوم، ويتابعها العالم بأسره معها.
بين العقيدة المذهبية الجَمْعية وعقائد تفوّق العرق الأبيض وفقه الهستيريا بصدد ارتباط عودة يسوع وخلاص «المجيء الثاني» بانتصار دولة إسرائيل… تتكاثر الوقائع والمناسبات والمظاهر التي بموجبها تتجذر أفكار مسيحية صهيونية لا تنأى إلا قليلاً عن العنصرية الصريحة والفاشية المقنّعة
نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على المستوطنات ومرتفعات الجولان السوري المحتل، والضغط على الأنظمة الخليجية التابعة لإبرام ما باتت تُعرف باسم «اتفاقيات أبراهام»… ليست سوى غيض ظاهر، من فيض في مساندة دولة الاحتلال وفير وغامر، بعضه لم يتكشف تماماً كما تبشرنا مذكرات جاريد كوشنر صهر ترامب وأحد كبار مهندسي التطبيع. بذلك فإنّ الترامبية، من زاوية تاريخ نشوئها الحديث نسبياً وليس لجهة شعبيتها وتأصّلها الحثيث، ليست وحدها المسؤولة عن انتشار تيارات المسيحية/ الصهيونية؛ وهنا الجذور الأجدر بالمتابعة لظواهر تنغل وتتغلغل في الكتلة الصلبة من العقائد والنظريات والأعراف، فضلاً عن الفِرَق والأقليات الدينية والمذهبية المسيحية. وبهذا فإنّ المرء قد لا يكون بحاجة إلى بيانات الـCUFI كي يتلمّس التوغّل الباطني الجارف للسرديات الدينية، في تأويلاتها التوراتية خاصة، التي تسمح لهذا التبشير الإنجيلي بالتماهي الأقصى مع سردية مركزية أولى ناظمة ارتكز عليها أحد أبرز الإنشاءات الرمزية لنشوء الولايات المتحدة الأمريكية، في أنها «صهيون الجديدة»، أو «كنعان الثانية».
تلك كانت صيغة ميتافيزيقية ـ أدبية، لا تخلو مع ذلك من روح تبشيرية إمبريالية، تكمل النظرية الشعبية الأعمّ التي سادت منذ القرن الثامن عشر في مختلف المنظمات المسيحية ـ الأصولية الأمريكية، والبروتستانتية الإنجيلية بصفة خاصة. وفي اختصارها، غير المخلّ في الواقع، تقول هذه النظرة بعودة يسوع إلى عالمنا، لتخليصه من الشرور، حين تكتمل جملة شروط: قيام دولة إسرائيل، أوّلاً؛ ونجاحها في احتلال كامل أرض التوراة، أي معظم المشرق، ثانياً؛ وإعادة بناء الهيكل الثالث في موقع، وعلى أنقاض، قبّة الصخرة والمسجد الأقصى، ثالثاً؛ ورابعاً وأخيراً، اصطفاف الكفرة أجمعين ضدّ إسرائيل، في موقعة ختامية سوف يشهدها وادي أرماغيدون، حيث سيكون أمام اليهود واحد من خيارين: إمّا الاحتراق والفناء، أو الاهتداء إلى المسيحية، الأمر الذي سيمهّد لعودة المسيح المخلّص!
هنا، للمفارقة، صفة تناقضية لا ترضي غالبية اليهود من حيث أنها في نهاية المطاف تُلزمهم بالاهتداء إلى المسيحية كشرط للخلاص، وهذا ما يدفع عدداً من الحاخامات إلى رفض «الهدايا المسمومة» التي تقدمها منظمة الـ CUFI، أو حتى استعداء الجموع عليها لأنها في الحصيلة لا تخدم الديانة اليهودية إلا على أساس تقويضها وعن طريق ترسيخ الديانة المسيحية. غالبية غير ضئيلة من اليهود، في أمريكا وداخل دولة الاحتلال، لهم رأي آخر يتجاوز هذا التناقض، التأويلي في منتهاه والفقهي في الحساب الأخير؛ فيفضّلون ترجيح المكاسب الجمّة التي تجلبها منظمة الـCUFI على أصعدة سياسية ومالية واجتماعية، والمثال القياسي هنا هو القمّة التي عقدتها المنظمة في واشنطن، تموز (يوليو) 2019، وحضرها كلّ من رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، إلى جانب نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس.
وكان «معهد المشروع الأمريكي» قد نشر إحصائية تؤكد أنّ غالبية الإنجيليين البروتستانت صوّتوا لصالح ترامب في سنة 2020، بمعدّلات تجاوزت 81٪ في صفوف الناخبين البيض؛ على خلفية جديرة بالانتباه تشير إلى أنّ هؤلاء هم المجموعة الدينية الأكبر في الولايات المتحدة، وأنّ 26٪ من الناخبين في صفوفهم يعلنون انتماءهم إلى المسيحيين الإنجيليين. وبين العقيدة المذهبية الجَمْعية وعقائد تفوّق العرق الأبيض وفقه الهستيريا بصدد ارتباط عودة يسوع وخلاص «المجيء الثاني» بانتصار دولة إسرائيل… تتكاثر الوقائع والمناسبات والمظاهر التي بموجبها تتجذر أفكار مسيحية صهيونية لا تنأى إلا قليلاً عن العنصرية الصريحة والفاشية المقنّعة.
غير بعيدة في الزمن تلك الواقعة التي شهدت اضطرار الكنيسة البروتستانتية الأمريكية إلى سحب كرّاس كانت قد وضعته على موقعها الرسمي، لأنّ بضع منظمات يهودية أمريكية اعتبرته معادياً للعقيدة الصهيونية، ولدولة الاحتلال استطراداً، رغم أنه لا ينطوي على أيّ عداء للديانة اليهودية ذاتها. وكان الكرّاس بعنوان «صهيونية غير مستقرّة: دليل دراسة للرعايا»، وقد تمّ إعداده لأغراض تعليمية تسهّل عمل أعضاء هذه الكنيسة العاملين في الشرق الأوسط عموماً، والأراضي الفلسطينية بصفة خاصة. وشخص الشهيدة أبو عاقلة، حين يقترن بمكتب التحقيقات الفدرالي، كفيل بإثارة غضبة أشدّ وأعنف وأشرس من جانب الـCUFI، وفاءً لموقعها الأثير كمخفر أمامي، سياسي ومالي وعقائدي وإعلامي، يحرس تبييض الصفحة الصهيونية وتغذية فقه الانحياز الأعمى، سواء بسواء.
كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
لو وُجِدت مجموعه من المسلمين بعُشر هذا العدد وربع هذه الأفكار:
تُرى ماذا كان سيكون عليه الحال؟
وللتذكير ههنا يا أبا صُبَيْحٍ، ليز تراس، أم الـ 44 يوما في منصب رئيسة وزراء بريطانيا، كانت تفخر فخارا شديدا بأن لها أصدقاءً أمريكيين حميمين كثرا في منظمة الـ CUFI هذه. ولهذا السبب، فقد صرَّحت أكثر من مرة قبيل “استقالتها” من هذا المنصب بأنها Huge Zionist، هذه العبارة التي ترجمها أحد المقررين الصحافيين الحرفيين الفطاحل إلى “صهيونية كبيرة” !!؟
وعلى فكرة في هذه المناسبة أيضا، هناك من المتحمسين المسيحيين العرب المؤمركين والمتأمركين في أمريكا من يرتجمون وفاءً وإخلاصا عبارة كلمات منظمة الـ CUFI هذه إلى “مسيحيون متحدون فداءً لإسرائيل”، فلك أن تصوَّر وأن تتخيَّل يا عزيزي !!؟
* من يرتجمون >> من يترجمون
* أن تصوَّر >> أن تتصوَّر
اعتقد ان الرئيس بايدن عندما زار إسرائيل قال إنه ليس يهودي لكنه صهيوني، ونسبه لأنه رجل كبير السن فهو حكيم يسترسل الكلمات والإكرام المواقف المؤلمه له عندما زار المستشفي في القدس الشرقيه.. فقال إن والدته كانت تعاني من السرطان مثلهم، في لحظه دراميه تراجيديه للغايه،فتبرع للمستشفي بملايين الدولارات…
شكرًا أخي صبحي حديدي. المسيحيين البروتستانت في أوربا، (وهم يمثلون الغالبية في شمال أوربا بينما يتركز الكاثوليك في جنوبها) ينتخبون غالبًا الأحزاب الإشتراكية والتي يقابلها عادة الحزب المسيحي الديمقراطي في أمريكا وليس الجمهوري!. هذا يبين بشكل واضح بأن الدافع وراء الصهيونية المسيحية كال CUFI أو غيرها لاعلاقة له بالدين المسيحي، بل ايديولوجي سياسي أغلب الظن.
والمنظمة الصهيونية المسيحية فيها عشرة ملايين.ومعلوم أن يهود امريكا لا يزيدون على نصف العدد.اي النصف الآخر من الامريكان الانجليين.فاين المسلمون والعرب في المهاجر من تكوين مثل هذا التجمع؟ هناك العديد منهم في ايرلندا وبريطانيا وعموم أوربا وامريكا.. ايخشون ظلهم لمقارعة الصهاينة؟
أولا، ليس صحيحا القول إنها “منظمة صهيونية مسيحية” بل “منظمة أمريكية مسيحية” تساند إسرائيل، والفارق كبير إيديولوجيا: المسيحيون الصهاينة الحقيقيون لا يُخفون صهيونيتهم بل يفتخرون بالإعلان عنها، ولدينا في بايدن وتراس خير مثال. ثانيا، ليس صحيحا بالمطلق أيضا القول إن عدد يهود أمريكا لا يزيد على خمسة ملايين (آخر المصادر العلمية تبين أن عددهم حتى أكثر من ثمانية ملايين)، والفارق كبير هنا أيضا
أيخشون ظلهم لمقارعة الصهاينة ! المشكلة هنا ليست في المسلمين المهاجرين ؛ المشكلة هي في المتأسلمين اللاجئين وخاصة المتاجرين بقضية فلسطين – لقد خبرنا من هذا الجُفاء كثيرا !؟