عزيز تبسي يستعيد تاريخ حلب في رواية «كل الأشجار»

ميشيل سيروب
حجم الخط
0

الرواية مُهداة لذكرى آرام التونيان ولويزا خابايان ومَدرسة الحكمة في حلب الشهباء. صدرت للروائي عزيز تبسي «رواية» كل الأشجار» عن دار كنعان، عدد الصفحات 234 صفحة، الغلاف يحمل توقيع الفنان: يوسف عبدلكي.
تتكشّف الرواية على مشهد السلطنة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر، وتمتد نهاياتها حتى زمن صعود النازية والفاشية في أوروبا، من دون التوقف عند الستالينية بوصفها نمط حكم استبدادياً، كما تُلامس بعض ولايات السلطنة: سيواس، وعينتاب، والموصل، وحلب. وتقود الأقدار الطبيب الأرمني آرام التونيان إلى السكن والعمل في حلب، المدينة التي تُوصَف بأنها من أقدم الحواضر المأهولة في التاريخ، وفق ما يورده وسيم السيسي، الباحث في علوم الحضارة المصرية والمدن.
صمّم آرام، وهو في سن الطفولة، على أن يصبح طبيباً. كانت فكرة الانتقام تراوده، وقد أقسم الثأر من قتلة أبيه بعد أن نالت منه الجراثيم. راوده حلم التخصص في الجراحة وعلم الجراثيم، وهو ما حققه في شبابه.
عصفت التواءات تاريخية بولايات السلطنة العثمانية، وتركت أثراً بالغاً على شعوب البلقان وسائر شعوب المنطقة، من شركس وكرد وأرمن وعرب. والرواية تتناول مساهمة الأرمن في بناء حلب عصرية حديثة، وتقدّم صورة طبيب نبيل لم تعرف الأحقاد والمآسي طريقها إلى قلبه وفكره؛ كان مترفّعاً عن الفكر القومي وضيق الأفق المذهبي… «كان عليه حين يستعدّ لدخول غرفة الجراحة، أن يرمي كل هذه التساؤلات خلفه».
في واحد من أطول سباقات التحوّل الاجتماعي في التاريخ، اندفعت حلب للحاق بالأمم الأوروبية في زمن قصير؛ كان سباقاً غير مرئي آنذاك. استبدل أهل المدينة العمامات بالطرابيش، ثم بالقبعات مستوية الحواف، قبل أن يترك كثيرون رؤوسهم بلا غطاء. واستُعيض عن الجلابيات والشراويل بالبناطيل والجاكيتات. يتداخل العام بالخاص في رواية تراجيدية ترصد الحياة اليومية لسكان حلب، أثناء وبعد ترنّح «الرجل المريض»، ثم غدر الفرنسيين والإنكليز بالعرب وبالملك فيصل.

محور الرواية: عن حلب في نهاية القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، عن طبيب أرمني ترك بصمة بيضاء وأجرى آلاف العمليات الجراحية وعاين آلاف المرضى ليس في حلب فقط، بل في سائر الأمصار التي كانت تحتل مكانة خاصة في قلبه. أثناء إقامة الملك فيصل الأول في حلب، زار الملك مشفى الطبيب الأرمني ونال منه ثناءً وتشجيعاً على إخلاصه وتفانيه لتطوير الحياة الصحية في حلب. كما كرمته المحافظة باسم الحكومة السورية نوط الشرف السوري من الدرجة الثانية، علماً بأن سعد الله الجابري سعى لتكريمه بوسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، وتم تكريمه أيضاً بميدالية ذهبية وعضوية الشرف في مؤتمر الجراحة العالمي في نيويورك، كما تم تكريمه بميدالية فارس التاج الإيطالي الذهبية لعنايته بالإيطاليين قبل الحرب العالمية. انهالتْ عليه التكريمات بعد سنوات من العمل والصبر وهو على أعتاب شيخوخة مرهقة.

عبثاً يبني البناؤون
شيد آرام التونيان مجده بعد ستين عاماً من العمل الدؤوب والبحث العلمي مشروعاً بعد مشروع، ليعود كل ما شيده إلى رُكام، هُدم بيته وأنشئ مكانه دار سينما، وتحولت مشفاه إلى إعدادية مهجورة (مدرسة الحكمة) جرت ترتيبات إدارية لهدمها وأُتلفتْ سجلات المشفى والمرضى والصور الموثقة والفحوص المخبرية. في زيارتي الأخيرة لضريح الطبيب آرام برفقة الصديق الروائي عزيز تبسي، وقفنا بُرهة من الزمن لتأمل هذا الإهمال، كان القبر محاصراً بأجهزة التكييف من جهة ومن محول كهرباء من الجهة الأخرى، ولوحة معدنية معلقة في زاوية شارع فرعي مطلية باللون الأزرق كُتبت عليها كنية الطبيب خالية من أي تعريف.
خيبتان على الطريق
تتداخل المسارات الخمسة الأخرى، بين هموم العائلة على الصعيد المهني والموسيقى والحنين واغتيال أدوار ليفونيان الزعيم الأرمني الذي خدعته فرنسا بوعود براقة، وبين مجد السلطنة التي أخذ نجمها بالأفول أمام أطماع الدول الاستعمارية الكبرى والغدر الذي ناله العرب بالتقسيم وبزرع جسم طفيلي غريب ما زالت مفاعيله تعيق المنطقة العربية عن الاستقرار والازدهار. أول خيبة لامست حياة التونيان ولم تغادر مخيلته عدم إعلانه عن اكتشاف «حبة حلب» تحبباً يُقال «حبة الحسن»، كانت التحاليل جاهزة وتحديد الجراثيم المسؤولة عن الإصابة قد تم حصرها في الموصل وعينتاب وحلب وكركوك، كانت المستنقعات آنذاك مرتعاً ملائماً لحشرة تنقل هذه الجراثيم بشكل مؤذٍ، تتسبب بجرح في أرنبة الأنف. استعاد التونيان ألمه بمرارة يوم فشل بتحديد أعراض «حبة حلب»، وترك فرصة السبق العلمي للطبيب الألماني ليشمان. تردده حال دون تسجيل هذا الاكشاف باسمه، علماً بأن كل المعطيات كانت واضحة تحت عدسة المجهر. الخيبة الثانية التي لم يُقدر عواقبها، سعيه تزويج ابنته لفلاح بعد أن راقبها وهي تودع شباب العمر، كان اختياره ذلك الزوج الجلف خاطئاً، فسرعان ما تكشف هذا الزوج عن رجل مدمن للخمر ولاعب قمار، تراكمت الديون على هذه العائلة وبدد الزوج المستهتر كل ما بحوزتهم، اندفعت «تاكوهي» تحت تأثير الكآبة والإحباط على تناول السم القاتل «وضعت به حداً نهائياً لسيول السخرية والإهانات اليومية من زوجها».
رحل آرام التونيان في عام 1950 وشيعته المدينة كابن بار تركَ أثراً طيباً في قلوب أهل حلب ومازالت سيرته العطرة في مجالسهم تتردد في الصباحات الأولى بين مختلف فئات الشعب. تقبلت العائلة «كلمات العزاء من محافظ المدينة ورئيس البلدية وقائد الشرطة. أعضاء نقابة الأطباء، وأصدقاء العائلة، مطارنة وخوارنة، مشايخ وحاخامات، قناصل دول أوروبية، قناصل فخريين من أبناء المدينة، أصحاب جرائد وصحافيين».
الرواية التاريخية من جرجي زيدان إلى أمين معلوف تركز على القيم الإيجابية وهذا ما شرع بكتابته الأديب الروائي عزيز تبسي في رواية «كل الأشجار».

كاتب سوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية