عزيز رباح وزير مغربي سابق ورئيس هيئة مدنية: المغرب في حاجة إلى عمل مدني قوي يواكب العمل الحزبي والنقابي والحقوقي

حاوره: الطاهر الطويل
حجم الخط
1

كشف عزيز رباح، الوزير المغربي السابق الذي كان من بين قياديي حزب «العدالة والتنمية» قبل أن يستقيل منه، أنه لن يعود للعمل الحزبي مجددا، بل يفضل نهج مسار في العمل الوطني من خلال المجتمع المدني، حيث يقود ما أطلق عليه «المبادرة: الوطن أولا ودائما»، نافيًا أن يكون ذلك انسحابًا من الشأن العام.
وتطرق في حواره مع «القدس العربي» إلى مُساءلة العلاقة الملتبسة بين الدولة والنخب، وما ترتّب عنها من فراغ في الوساطة المجتمعية، ليؤكد أن العمل المدني والإصلاحي يظلّ اليوم أحد أهم روافد خدمة الوطن، خصوصاً في ظل تحولات سياسية واجتماعية وإعلامية متسارعة.
واستعرض المتحدث نفسه إسهامات «المبادرة» داخل المغرب وخارجه، كما قدّم تقييمًا نقديًا للمشهد السياسي والحزبي والإعلامي المغربي، مسجلاً مظاهر تراجع الجودة وصعود التفاهة، ومشددًا على حاجة البلاد إلى نخب كفؤة قادرة على استعادة ثقة المواطنين، ولا سيما الشباب.
عزيز رباح أسندتْ له على التوالي ثلاث حقائب وزارية منذ 2012، شملت «التجهيز والنقل واللوجستيك» و«الطاقة والمعادن والتنمية المستدامة» و«الطاقة والمعادن والبيئة»، كما انتُخب سابقًا برلمانيًا عن مدينة القنيطرة ورئيسًا لمجلسها البلدي، وهو حاصل على دبلوم مهندس محلل من معهد الإحصاء والاقتصاد التطبيقي، وماجستير في هندسة البرامج من جامعة لافال في كندا.
وتدرّج في عدة مناصب بالوظيفة العمومية، منها مهندس محلل بقسم نظام المعلومات بوزارة التجارة الخارجية، ومدير قسم أنظمة المعلومات بوزارة التجارة الخارجية، ومسؤول أنظمة المعلومات ومكلف بمهمة لدى الوزير الأول، ومستشار في تكنولوجيا المعلومات والاتصال لدى وزير الشؤون الاقتصادية والعامة. وعمل عضوا ومقررا للجنة الوطنية لتكنولوجيا المعلومات، ورئيس فريق العمل لتكنولوجيا المعلومات في وزارة التجارة والصناعة، وعضو اللجنة الوطنية المشرفة على إعداد الاستراتيجية الوطنية، وعضو اللجنة الوطنية المكلفة بالتجارة الالكترونية. وكان عضوا بمجموعة العمل الوطنية لمبادرة الإدارة الرشيدة التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وعضوا بمجموعة العمل العربية حول الأعمال والتطبيقات الالكترونية التابعة للاتحاد الدولي للاتصالات، وخبيرا متعاونا مع المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين.
وفي ما يأتي نص الحوار.
○ لديكم تجربة طويلة في العمل السياسي والإداري، وانتقلتم في الآونة الأخيرة إلى المجتمع المدني من خلال ما أطلقتم عليه «المبادرة: الوطن أولا ودائما»، فكيف يتقاطع ما هو مدني مع ما هو سياسي في هذا المسار الجديد؟
• أودّ التوضيح أولا أن الأمر لا يتعلق بانسحاب من الساحة، كما قد يتصور البعض. ذلك أن كثيرين ينظرون إلى الساحة وكأن لها لونا واحدا وشكلا واحدا ومسارا وحيدا، في حين أن العمل الوطني النافع للوطن يتخذ ألوانا متعددة ومسارات وأشكالا متنوعة. إن الأمر يتعلق بتغيير مسار إلى آخر، وباختيار المسار الذي يناسب اللحظة التاريخية ومتطلباتها.
كثيرون يتصورون أن انتقال الشخص من أداء مهمة من فضاء إلى آخر هو بمثابة انسحاب، والحال أن الحياة لا تتوقف عند لون واحد من ألوان العمل، ولا تنحصر في الممارسة الحزبية أو النقابية أو الحقوقية فقط. فمسارات العمل متعددة، وقد بقيت منخرطا في العمل الوطني النافع لوطني ولمجتمعي، انطلاقا من قيم «تمغربيت» التي يؤمن بها المغاربة ويحتكمون إليها.
ثم إننا اليوم في حاجة ماسة إلى مراجعة العلاقة بين الدولة والنخب. ففي دولتنا، كما في عدد من الدول العربية، يلاحظ وجود نوع من التردد والالتباس في هذه العلاقة، حيث إن كثيرًا من النخب انسحبت من الحياة العامة ومن العمل الوطني. وقد بُنيت العلاقة بين الطرفين على قدر من الارتياب المتبادل، فالدولة تنظر إلى النخب على أنها حالمة، وذات طموحات غير واقعية، ولا تستوعب بما يكفي قضايا الدولة وإكراهاتها، فتتخذ منها موقفا سلبيا بصيغة أو بأخرى. في المقابل، ترى النخب أن الدولة سارت في مسارات مغايرة لما تحلم به من نموذج للدولة المثلى، إن صح التعبير. هذا الارتياب المتبادل بين الطرفين أفضى إلى أن يتسلل إلى مواقع التأثير ما يمكن تسميته بـ«واقع الوساطة»، علما أن الدور الطبيعي للنخب هو القيام بالوساطة بين المجتمع والدولة في مختلف المجالات.
إن انسحاب هذه الوساطة، نتيجة هذا الارتياب، خلّف فراغًا ملأه أشخاصٌ لا يمتلكون فهمًا حقيقيا لقضايا الدولة والمجتمع، ويستغلون مقدرات الدولة لأغراض لا تخدم لا الدولة ولا المجتمع. وأحيانا يصل بهم الأمر إلى صدور تصرفات لا تليق، ومنافية لمبادئ الحَوْكَمة والجودة والنفع الوطني. وحين يُترك هذا الفراغ، فإنه يمتد حتى إلى المجال الإعلامي، إذ عندما تغيب النخب الإعلامية أو تتخلى عن القضايا الوطنية والنافعة، يملأ هذا الفراغ التافهون عوض المخلصين.
لذلك، على الدولة أن تتحلى بالصبر إزاء النخب وأحلامها وطموحاتها، وفي المقابل يتعين على النخب أن تستحضر إكراهات الدولة، سواء كانت دولية أم إقليمية أم داخلية، إضافة إلى ما يرتبط بالتوازنات المختلفة، بما فيها الجوانب التقنية والمالية التي تحكمها اعتبارات دقيقة يجب أخذها بعين الاعتبار.
إن هذا التفهم المتبادل بين القطبين كفيل بردم الهوة القائمة بينهما، وإعادة كثير من النخب إلى العمل الوطني بألوانه المتعددة، ولا سيما العمل المدني والإصلاحي والتنموي، وهو المسار الذي اخترته. فبناء الثقة والتوافق لا يعني أن تفقد النخب استقلاليتها أو لونها الخاص، بل تظل حرّة في اجتهاداتها، كما لا يعني أن تستجيب الدولة لكل طموحات النخب. لا بد من تنازلات متبادلة بين الطرفين، خدمة للمستقبل ولمصلحة الدولة.
○ حسنا، حدثنا لو سمحت عن تجربتك الشخصية في هذا المجال؟
• مرجعيتي، في الأصل، هي مرجعية المجتمع المدني. ورغم كوني استدعيت إلى العمل الحزبي سنة 1996، فإنني قبل ذلك كنت منخرطا في النشاط العلمي والشبابي والطلابي والثقافي. وحتى خلال فترة دراستي في كندا، كنت عضوا في عدد من الجمعيات المغربية والمغاربية والعربية والإسلامية التي تشتغل مع فئات واسعة من المجتمع. ثم شاءت الأقدار أن أنتقل إلى العمل الحزبي، وبعد التحاق الإخوة بالدكتور عبد الكريم الخطيب، كان حزب «العدالة والتنمية» يبحث عن أطر (كوادر) تمزج بين العمل السياسي والجانب التقني، أي من يمكن تسميتهم بـ «تكنوقراط مُسَيّسين» إن صح التعبير. فالتحقت بالأمانة العامة، ومنذ ذلك الحين تحمّلت مسؤوليات متعددة.
حتى داخل الحزب، اشتغلت كثيرا في كل ما له صلة بالمجتمع، وتولّيت مسؤولية الشبيبة ودورها الأساسي في تأطير الشباب. كما أسست عددا من الهيئات والمنظمات، مثل مهندسي «العدالة والتنمية» وهيئات الأطباء والصيادلة والمحامين، واشتغلت مع جمعية خريجي المعهد الوطني للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، ومع منظمات على مستوى إفريقيا وغيرها. ولم أنقطع يوما عن العمل المدني، بل بقيت مرتبطا به ومؤمنا بدوره المهم الذي قد يكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرا من أشكال أخرى من الاشتغال.
وحين ولجت البرلمان، ثم تحملت المسؤولية الحكومية، تبيّن لي أننا تخلينا، إلى حد ما، عن المجتمع، وهذه ملاحظة أوجّهها كَنصيحة للأحزاب. فقد كانت مقراتنا في السابق تعجّ بالنساء والشباب والمهنيين، وكانت الندوات تُعقد باستمرار، والقاعات تكون دائما ممتلئة. غير أن هذا الزخم تراجع لاحقا، وانشغلت الأحزاب أكثر بالجوانب التدبيرية، سواء على مستوى الجماعات الترابية (المجالس المحلية المنتخبة) أو العمالات (المحافظات) والأقاليم أو في المجال التشريعي.
لذلك، اتخذت قراري سنة 2016 بالعودة إلى المجتمع، وأخبرت بذلك الدكتور سعد الدين العثماني حين جرى تعيينه رئيسا للحكومة، وطلبت منه صراحة ألا أكون ضمن التشكيلة الحكومية، حتى أتفرغ للعمل المجتمعي الذي أؤمن بدوره الحيوي والأساسي في خدمة الوطن.

المغرب الصاعد

○ وما الإسهامات التي قامت بها «المبادرة»، على المستوى المحلي أو من خلال فروعها خارج المغرب؟
• إذا استحضرنا الأدوار الأربعة الأساسية للمبادرة على المستوى الوطني، إلى جانب الأدوار الثلاثة التي تضطلع بها خارج الوطن، يمكن الوقوف على حجم ونوعية الإسهامات التي عملت عليها «المبادرة: الوطن أولا ودائما» منذ انطلاقتها.
يتجلى الدور الأول، في الترافع عن قضايا الوطن وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية شأن كل المغاربة المخلصين، فضلا عن الدفاع عن حضارة المغرب وتاريخه وثقافته ورصيده الممتد عبر قرون وكذا عن قضاياه المستقبلية. فنحن نترافع عن التراث المغربي وعن العِلم المغربي الغزير الذي راكمته البلاد على مدى قرون. كما نترافع عن «النموذج المغربي» في إطار تصور «المغرب الصاعد».
أما الدور الثاني، فيتمثل في العمل داخل المجتمع والدفاع عن قيم المغاربة وترسيخ هذه القيم وتعزيزها، والدفاع عن الأسرة واستقرارها. ولا يخفى أن هناك مشروعا عالميا يهدد الأسرة في مختلف أنحاء العالم، من خلال الترويج للمِثلية والفردانية وحالات الشقاق والصراع بين الرجل والمرأة والتحكم في النسل، وهي اختيارات تؤدي مجتمعات بأكملها ثمنها غاليا على المستويات الاجتماعية والإنسانية.
ويتعلق الدور الثالث في المساهمة بآرائنا ومبادراتنا ومقترحاتنا في المسار التنموي، عبر مختلف القطاعات التنموية والاقتصادية والثقافية. أما الدور الرابع، فيكمن في تأطير المواطن، ولا سيما فئة الشباب، خصوصا أولئك الموجودين خارج دوائر الاهتمام. وهنا نتحمل مسؤولية كبيرة، سواء كمسؤولين سابقين أو حاليين، فيما آلت إليه الأوضاع، إذ إن الملايين من الشباب اليوم لا يدرسون ولا يشتغلون، وهو ما يشكل قنبلة اجتماعية وأمنية حقيقية.
وعلى مستوى الفروع الإقليمية خارج الوطن، ينصبّ العمل أساسا على تأطير المواطنين وأفراد الجالية، والدفاع عن قضاياهم، والترافع عن القضايا الوطنية، وتقريب المسافات بين الخارج والمغرب، إلى جانب المساهمة في الدبلوماسية العلمية والاقتصادية والمهنية والثقافية والرياضية وغيرها. كما نشتغل على تأطير المواطنين والترويج للأقاليم ومؤهلاتها.
وفي هذا الإطار، قمنا بتنظيم أول ندوة في مدينة مراكش حول موضوع «الفن والتنمية»، لتسليط الضوء على العلاقة بين الفن والتنمية. فالفن ليس مجرد حلقات من مسلسل نتابعه للترفيه، بل هو جزء من المسار التنموي، اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. كما يشكل أداة للدفاع عن القضايا الوطنية، فضلا عن كونه قطاعا اقتصاديا متكاملا.
كما نظمنا ندوة في مدينة وجدة حول الرياضة والتنمية، انطلاقا من رؤية تعتبر الرياضة ليس فقط مسابقات ومرافق تنتهي عند حدودها، بل هي قطاعٌ اقتصادي متكامل، يشمل الصناعة الرياضية والسياحة الرياضية والدبلوماسية الرياضية، إضافة إلى دورها في تقويم السلوك. ونظمنا كذلك ندوة حول الاقتصاد الجبلي والقروي (الريفي) الذي لا يحظى بالاهتمام الكافي، رغم ما يزخر به من إمكانيات وقدرات ومؤهلات، ويحتاج إلى اجتهادات وسياسات ملائمة لخصوصيات العالم القروي والجبلي، سواء تعلق الأمر بالمقالع والمعادن، أو الغابات أو النباتات الطبية وغيرها من المؤهلات.
واشتغلنا أيضا على موضوع التراث الوطني والصناعة التقليدية، علما أن حوالي مليونين و500 ألف مغربي يعملون في هذا القطاع. وطرحنا إشكالية الحفاظ على هذا الموروث، في ظل بلوغ أغلب المْعَلْمين والحرفيين المحترفين سن الخمسين، مع البحث عن سبل خلق فرص العمل عبره. كما نظمنا أنشطة حول كيفية تنمية الأقاليم، وأنشطة أخرى حول الماء والأمن الغذائي، حيث فتحنا النقاش واستدعينا خبراء مختصين في هذه القضايا. وقد تجاوز عدد الأنشطة والمبادرات التي نظمناها عشرين نشاطا، تُرفع توصياتها إلى من يهمهم الأمر.
ونحن مقبلون على تنظيم ندوة بالغة الأهمية حول النمو والتطور الديمغرافي في المغرب وآثاره، حيث سنناقش ظواهر العزوف عن الزواج، وتراجع النسل، وارتفاع نسبة الشيخوخة، وهي مؤشرات مقلقة تستدعي نقاشا جادا حول السياسات العمومية الملائمة لهذا التطور الديمغرافي السلبي، وكيفية التعاطي مع قضايا الأسرة بمنطق حضاري، لا بمنطق مالي ضيق، حفاظًا على ديمومة الأمة المغربية.
وإلى جانب ذلك، برمجنا سلسلة من الأنشطة خارج المغرب، من بينها ثلاث ندوات حول شباب المهجر وتحدياتهم وطموحاتهم، تليها ندوة حول الأسرة المغربية في المهجر، وأخرى حول استثمارات مغاربة العالم في بلدهم.
خلاصة القول، نحرص على أن نكون مساهمين بطريقة إيجابية، حتى عندما نَنتقد فإننا نفعل ذلك بالصراحة اللازمة وبالأدب الواجب. وقد أطلقنا عملا متخصصا يهم فئة الشباب، يرتكز على إحداث مراكز متخصصة، كما نعتزم تأسيس مراكز تعنى بالأسرة، وهيئة تعنى بتراث المغرب. وشرعنا فعليا في تنظيم عدد من الأنشطة الموجهة للشباب، خاصة في مجالات التوجيه المهني والدراسي.
لقد أنهينا مرحلة التأسيس، ونحن مقبلون على الانتقال إلى سرعة أخرى في العمل، حيث سيلتحق بنا عدد من الكفاءات من مختلف المستويات والتخصصات، ليس فقط من الدبلوماسيين، بل أيضا من الممارسين في مجالات التجارة والصناعة التقليدية والفلاحة وسائر القطاعات الحيوية.
○ ما تأثير هذه البرامج والمبادرات في العلاقة مع المؤسسات المنتخبة ومع مراكز القرار، على المستويين الجهوي والوطني؟
• نحن نعتبر أنفسنا ناصحين، ونسعى إلى أن نكون مُبادرين في النصح والتقييم والاقتراح والمبادرة. نقوم بما علينا، وعلى الآخرين أن يقوموا بما عليهم. كثير من مؤسسات الدولة ومن المنتخبين يسمعون ويرون وينصتون إلى نبض المجتمع ونخبه. نحن نؤدي واجبنا، وعلى المسؤولين أن يؤدوا واجبهم بدورهم. نستدعيهم، ونتواصل معهم، ونراسلهم من خلال منشوراتنا وتوصياتنا، ونحرص على نشرها عبر وسائل الإعلام.
هناك من الفاعلين مَن يُعبّر عن قناعته بأنه يقوم بدوره ويعتبر أن الدولة لا تُنصت إليه، وهذا في تقديري غير دقيق. فالدولة تسمع وترى، وبكل الوسائل المتاحة لديها. داخل الدولة أغلبية من العقلاء الذين ينصتون ويراقبون، ويأخذون الكثير من القضايا بعين الاعتبار، ثم يعملون على تنزيلها وفق ما هو متاح، ووفق الإكراهات التي تواجه الدولة.

التنافس على الجودة

○ مارستم وتمارسون السياسة بصيغ متعددة، وتتابعون هذا التدافع السياسي في المشهد المغربي، سواء على مستوى الجهاز التنفيذي أو التشريعي، ونحن مقبلون على الانتخابات التشريعية. ما تقييمكم للمشهد ككل؟
• أعتقد أن الدولة اتخذت قرارا بمحاربة التفاهة في السياسة وفي الإعلام وفي المجتمع. لقد ضاقت الدولة ذرعا بوجود فئات لا تصلح لا للتدبير في الجماعات الترابية (المجالس المحلية) ولا للعمل البرلماني، ولا حتى للتواجد داخل الأحزاب السياسية. وهذه الرسالة وصلت منذ مدة، من خلال المتابعات القضائية المتعددة، ومن خلال رسالة الملك إلى البرلمان بخصوص الميثاق السياسي، ومن خلال الإشارات التي تصدر عن وزارة الداخلية، بالإضافة إلى بعض المراجعات التي تشهدها أحزاب سياسية بعينها. وعندما نربط هذه الخيوط ببعضها، يتبين أن هناك إرادة حقيقية، تبرز أحيانا بقوة، وتخفت أحيانا أخرى، لتنقية المشهد الحزبي والسياسي.
وينطبق الأمر نفسه على الإعلام الذي يعاني جزء منه من تكريس التفاهة، فلا يصنع فكرة، ولا يبني قيما، ولا يطور ذكاء أو فكرا نقديا، ولا يدافع عن قضية. إلى جانب ذلك، هناك مواجهة لروتين يومي قائم، ولمن يمكن تسميتهم بـ «مخرّبين غير مؤثرين». ويمكن ربط كل هذا أيضا بخطة «تسديد التبليغ» التي أطلقها الملك بشراكة مع المجلس العلمي الأعلى (المؤسسة الدينية الرسمية في المغرب) والتي تروم نشر الأخلاق والتدين الواعي والقيم داخل المجتمع، انطلاقا من المسجد، مع الالتزام والصدق ومحاربة كل أشكال الانحراف التدبيري والاجتماعي والأخلاقي، بدءًا من داخل المسجد وصولا إلى المجتمع ككل، عبر تغيير الأساليب وتحسين الأداء وتعزيز التواصل وتأطير الأطفال والشباب، حفاظًا على إمارة المؤمنين، وعلى المملكة المغربية، وعلى شبابها وأطفالها وأسرها. هناك تيار عالمي يسعى إلى تخريب منظومة إمارة المؤمنين من خلال ضرب الأسرة، واستهداف الشباب والقيم، ونشر الانحراف والفردانية. لهذا التيار امتدادات داخلية، لكنه لم يستطع اختراق أجهزة الدولة وأركانها الثابتة، فاتجه نحو الأساس، محاولا التسلل إليه والنيل منه من الداخل. ومن هنا، تبرز ضرورة أن تكون لدينا دولة قوية بأجهزتها وأركانها، ومجتمع قوي بقيمه وتماسكه.
هذا التوجه الذي تبديه الدولة في المشهد الحزبي والسياسي والثقافي والإعلامي والاجتماعي، يؤكد في نظري أن هناك عدم رضا عن الوضع القائم. وأنا أقول، وبكل حياد، إنني لست راضيا عن هذا القوس الذي بدأ سنة 2021. أقول ذلك وأنا خارج المشهد السياسي، إذ غادرته منذ مدة. فهذه ليست النخبة التي يستحقها المغرب. وأنا هنا أتحدث عن خصال عامة، حيث يبدو الخلل واضحا ومتمثلاً في السعي إلى ربح الانتخابات بكل الوسائل الممكنة، وقياديون بحثوا عن المقاعد بأي طريقة، بعيدا عن القيم والمبادئ.
ولنكن واضحين، فالذي يحكم هذا البلد هو الملك محمد السادس. والأحزاب، سواء كانت في الأغلبية أو في المعارضة، تشتغل لتدبير الشأن العام ولمساعدة الملك. المغرب دائما يبني خياراته على التوازنات، ولذلك أتساءل لماذا كل هذا الجهد، وهذه المشاحنات، من أجل نيل 120 أو 130 مقعدا، لنفاجأ في النهاية بتصرفات مخجلة تصدر عن بعض المنتخبين؟ في رأيي، كان الأجدر أن نتنافس على الجودة. فالجودة موجودة في المجتمع، لدى الرجال والنساء، الشباب والكبار، ونخب الخير والاجتهاد والإبداع حاضرة.
لو أن كل حزب اجتهد في البحث عن الجودة أولا، حتى وإن لم يفز سوى بـ 40 مقعدا، لكان البرلمان محط أنظار المواطنين والمتابعين، ولكان لتصريحات الوزراء وخطاباتهم قيمة وتأثير. لكن الحقيقة أننا لم نقدم لبلادنا ما تستحقه من حيث جودة النخب، ولذلك وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، سواء داخل البرلمان أو داخل الجماعات الترابية (المجالس المحلية المنتخبة). ومع ذلك، هناك مؤشرات توحي بأن الأمور تتجه نحو مراجعات، وينبغي أن تكون أغلبية البرلمانيين في المستقبل من ذوي الكفاءة والجودة، بعدما انسحبت كثير من النخب بسبب تفضيل اللاجودة على الجودة.
○ الحكومة الحالية رفعت شعار «الدولة الاجتماعية» وأطلقت مشاريع اجتماعية، وهي توجهات ملكية بالأساس، لكن الحكومة تحاول تقديمها كإنجازات خاصة بها. كيف تقرأون هذا المعطى؟
• أعتقد أن جزءا من هذه الأمور تحقق فعلا، ولا يمكن إنكار ذلك في مجال الرعاية الاجتماعية. فنحن نتجه نحو بلوغ حوالي 40 مليار درهم مخصصة للحماية الاجتماعية، بما فيها الدعم الاجتماعي المباشر. غير أن السؤال الجوهري هو: هل هذا الدعم مستدام؟ وهل ستتمكن الدولة من الاستمرار في توفير هذه المبالغ، ونحن مقبلون على استحقاقات كبرى في مجالات الرياضة والصحة والتشغيل والتعليم والتنمية والعدالة المجالية، إضافة إلى ملف الماء؟ كل هذه الأوراش تتطلب إمكانيات مالية ضخمة، ما يفرض تنمية الثروة وتشجيع الاستثمار.
لا يمكن أن تقوم دولة اجتماعية قادرة على الاستجابة للإكراهات الاجتماعية ومعالجتها، دون خلق الثروة، سواء عبر الاستثمار الكبير أو الصغير. وأتمنى أن تتم مراجعة مؤشرات الحَوْكَمَة في مجال الاستثمار، وأن تشهد البلاد طفرة حقيقية فيه. فالمغرب يشهد إقبالا ملحوظا، ومناخ الأعمال مشجع، لكننا في حاجة إلى مراجعات إضافية لإحداث ثورة فعلية في الاستثمار.
في المقابل، هناك ثلاثة معطيات سلبية مرتبطة بازدياد الفقر، وكنا نربط ذلك بجائحة «كوفيد»، مع أننا لسنا وحدنا في العالم، وهناك دول سارعت إلى معالجة آثار الجائحة. ثم هناك ارتفاع مقلق في نسبة البطالة، فقد كنا نتحدث سابقا عن أقل من 9 في المئة، وكان الهدف هو التراجع إلى 6 في المئة، واليوم نتحدث عن حوالي 13 في المئة. يضاف إلى ذلك موجة الغلاء، فحتى وإن تراجع ثمن المحروقات نسبيا، ربما بفعل صرامة ما أو بعد التأكد من وجود تلاعب في الأسعار، فإن أسعار المواد الغذائية ما تزال مرتفعة.
من الجيد تقديم الدعم المالي للمواطنين، لكن لا يمكن الاستمرار في هذا النهج إلى ما لا نهاية. لا بد من معالجة الأسباب الجذرية، حتى لا يتحول الدعم إلى عبء دائم ومكلف. ثم إن الحديث عن الدولة الاجتماعية يستدعي التركيز على الشباب والأسرة. ووفق أرقام رسمية صادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي، فإن أزيد من 4.3 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و34 سنة لا يدرسون ولا يشتغلون، وهو رقم مقلق للغاية. كما أن نسبة البطالة في صفوف الشباب دون 25 سنة تصل إلى حوالي 37 في المئة. وهذه معطيات خطيرة، لأن هؤلاء هم مستقبل المغرب، وهم من سيحملون قيمه وقضاياه الكبرى.
إضافة إلى ذلك، هناك حوالي 3.7 مليون امرأة تفوق أعمارهن 30 سنة غير متزوجات، إلى جانب أكثر من 4 ملايين رجل، ما يعني أننا أمام قرابة 8 ملايين شخص غير متزوج. وهذا يؤكد أن القضية الاجتماعية برمتها تحتاج إلى مراجعة عميقة جدا. وقد تحدث الملك عن بناء الإنسان إلى جانب تنمية العمران، وهذا هو التوازن المطلوب. لقد نجحنا إلى حد كبير في مجال العمران، لكننا مطالبون اليوم بالنجاح في المجال اللامادي. وأعتقد أن تجربة هذه الحكومة تشكل قوسا يجب استخلاص الدروس منه، فهي لن تفي بكل وعودها، وعليها أن تستدرك ما تبقى، وأن تتخذ قرارات جريئة. كما أن الحكومة المقبلة مطالبة بأخذ هذه المعطيات بعين الاعتبار، لأنه لم يعد لدينا هامش للخطأ.
○ والمغرب مقبلٌ على الاستحقاقات التشريعية، إلى أي حد يمكن جعل هذه المحطة منعطفا حقيقيا لاستعادة ثقة الشباب ومحاربة العزوف الانتخابي؟ وكيف يمكن للمغرب استثمار هذه اللحظة؟
• أعتقد أن حديث وزير الداخلية عن إطلاق حملة لتسجيل المواطنين في اللوائح الانتخابية مهم يعدّ خطوة أساسية في هذا السياق، خصوصًا أن الفترة السابقة عرفت ضعفًا في الإقبال في التسجيل، ربما لأسباب متعددة، من بينها انشغال الرأي العام بكأس إفريقيا وبما سُمي بـ «جيل زِد» اليوم. ومن ثم، هناك حملة تقودها الدولة ووزارة الداخلية تحديدًا، وتساندها بعض الأحزاب.
أتمنى ألا يكون العزوف رسالة إرادية موجهة ضد المشهد الحزبي والسياسي. وهناك في نظري ثلاثة مداخل أساسية، أولها السلوكيات التي سيلاحظها المواطن خلال الاستعداد للانتخابات، وهل ستكون هناك ممارسات نزيهة، أم تصرفات مسيئة للعمل الحزبي ولصورة البلاد وللمؤسسات؟ سواء صدرت هذه التصرفات عن الأحزاب أو المرشحين أو الإدارة. وأول ما يجب ضبطه هو سلوك الأحزاب والإدارة، ويجب أن يبدأ ذلك من الآن.
ثانيا، جودة الأشخاص الذين سيتم تقديمهم للترشح. فالمواطن يريد أن يرى نفسه في هؤلاء المرشحين، وأن يشعر بأنهم ينتمون إليه ويمثلونه ويدافعون عن مشاكله ويخدمون قضاياه داخل البرلمان أو المؤسسات المنتخبة. وثالثا، واقعية البرامج الانتخابية، وأتمنى أن تقدم الأحزاب المتنافسة برامج واضحة الأولويات، تهم فعلا المواطنين والدولة. فالشاب الفقير في الأحياء الشعبية أو في العالم القروي (الأرياف)، كما الفئات المتوسطة والميسورة، يجب أن يجدوا أنفسهم في خطاب الأحزاب وبرامجها.
وإلى جانب ذلك، نحتاج إلى خطاب إعلامي إيجابي، لأن بعض الإعلاميين يكرّسون التشاؤم واليأس، في حين أن كثيرا من النخب تكتفي بالجلوس في المقاهي من دون المساهمة بالاقتراح والمبادرة. عمل الدولة وحده لا يكفي، بل يجب أن يكون مسنودا بالنخب وبالمجتمع، وبجودة ما تقدمه الأحزاب والنقابات والهيئات من برامج واقعية. كما يجب مواجهة خطاب التشويش والتبخيس والتيئيس، مع الاحتفاظ بحق النقد، لكن دون الانزلاق إلى الهدم المجاني.
○ ألا تفكر في العودة إلى العمل السياسي المباشر؟ وهل يمكن أن تتحول «المبادرة» من إطار مدني إلى صيغة حزبية؟
• نجاح «المبادرة» يكمن في أن تبقى كما هي. فالمغرب في حاجة إلى عمل مدني قوي يواكب العمل الحزبي والنقابي والحقوقي. وقد نصحت عددا من الأصدقاء بتأسيس مبادرات محلية أو قطاعية أو جهوية أو نخبوية، وأن نتنافس في خدمة الوطن عوض الانسحاب إلى الخلف. فمن غير المقبول أن يقضي شخص عقودا في المعارضة أو في تدبير الشأن العام داخل الوزارات والمؤسسات العمومية، ثم يتوارى عن الساحة.
في تقديري، وهذه نصيحتي لأعضاء «المبادرة»، يجب الحفاظ عليها كما هي، لأنها تؤدي دورا مهما، والمغرب في حاجة إليها وإلى غيرها من المبادرات الجادة. وهذا أمر محسوم قانونيا وداخليا. لا يمنع ذلك أن ينخرط أعضاء المبادرة، بشكل فردي، في أحزاب مختلفة، وقد شجعتهم على ذلك حين تواصلَتْ معهم بعض الأحزاب لتقديمهم في الانتخابات، شريطة ألا يتحدثوا باسم «المبادرة» التي تظل إطارا مستقلا ومحايدا.
أجد نفسي قادرا على العطاء بشكل أكبر من داخل “المبادرة”، وفي خدمة وطني عبر العمل المدني. فمنذ سنة 1974 وأنا منخرط في العمل الحركي، بدأت بالعمل السري في الشبيبة، ثم العمل الحركي العلني، ثم الانخراط في العمل الحزبي، ومنذ صغري وأنا في العمل المدني. وأعتقد أنني أستطيع أن أكون أنفع لوطني من هذا الموقع.
لكن هذا لا يعني الفصل التام بين العمل المدني والعمل السياسي. فـ”المبادرة” ليست إطارا بلا موقف أو بلا لون قيمي. سننتقد القطاعات التي تحتاج إلى النقد، وسنقدم آراءنا بأدب ومسؤولية، كما فعلنا في قضايا النخب والماء والأمن الغذائي والرياضة، حيث دعونا إلى تقييم السلبيات والإيجابيات، وإلى جعل الرياضة قطاعا محكوما بحَوْكَمَة جيدة وبإعلام مساند، لتكون رافعة للتنمية.
سأستمر في العطاء من موقع “المبادرة”. أما العمل الحزبي، فقد قررت اعتزاله، لكن إذا نادى مُنادٍ لخدمة الوطن من موقع آخر فأنا رهن الإشارة، كما كنت دائما. فالغالبية الساحقة من المغاربة مستعدون لخدمة وطنهم من أي موقع يُطلب منهم ذلك.

الحاجة إلى النزاهة

○ أخيرًا، كيف تنظر اليوم إلى مرحلة تدبيرك للشأن العام، محليا في مدينة القنيطرة حينما كنت رئيسًا للمجلس البلدي أو وطنيا حينما كنت برلمانيًا ووزيرًا؟
• أحمد الله وأشكره. فالحقيقة أن الفرق كبير بين الطموح الذي نحمله عند تحمل المسؤولية، وبين ما يمكن إنجازه فعليا. فبين الطموح والإنجاز مسافة، تحكمها الإمكانيات البشرية والمالية واللوجستية والتحالفات السياسية والإكراهات المختلفة، ومدى القدرة على تجاوزها، والاستجابة لتعدد المطالب.
أي وزير سابق أو رئيس جماعة (بلدية) يخبرك بأنه أنجز كل ما كان يطمح إليه بدون نقصان، فهو لا يقول الحقيقة. نحن أنجزنا بعض الأمور، وسبقنا في إنجاز أخرى، وكنا قريبين من المجتمع المدني، ومن الفئات الشعبية، ومن الأحياء، وكان المواطنون يتواصلون معنا بسلاسة وبدون عوائق. حرصنا على توزيع المشاريع بعدالة بين الأحياء والفئات والأقاليم والجهات، وفي الوقت نفسه دعّمنا المستثمرين وحاملي المشاريع الكبرى والمتوسطة، دون إغفال الصغار والضعفاء والأرامل والأيتام والطلبة، مع الانتباه الدائم إلى القضايا الاجتماعية والإنسانية.
صحيح أن هناك فرقا بين الوعود والطموحات وبين الإنجازات، لأن الطريق بينهما مليء بالإكراهات والمطالب المتعددة. لكن الأهم هو الإخلاص والنزاهة. فالمرحوم عبد الله باها، (وزير دولة وقيادي سابق في حزب “العدالة والتنمية”)، كان يقول إن المغرب لا يحتاج إلى موارد إضافية، لا بشرية ولا مادية، بقدر ما يحتاج إلى الجدية والنزاهة.
إذا توفرت النزاهة سترتفع المداخيل الجبائية، وسيتم ترشيد الإنفاق، وتوزيع المشاريع بعدالة، ولن يُعذَّب المستثمر، بل سيفرَح بإنجاز استثماره في أقرب الآجال. كما ستتم مراجعة التشريعات وإطلاق إصلاحات في صالح الوطن، وستدار الصفقات بما يخدم المصلحة العامة، مع التقليل من سلبياتها، واستقبال المستثمرين والبحث عنهم.
النزاهة، مقرونة بالوعي والفهم والاستشارة مع من يستحق، ومع الإحاطة بأشخاص أكفاء، فهي قادرة على تحقيق ما يشبه المعجزات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول السعدية الهبطي:

    بالتوفيق إن شاء الله دكتور عزيز

اشترك في قائمتنا البريدية