فاتورة باهظة للانقسام الفلسطيني

حجم الخط
2

يدفع الفلسطينيون ثمناً باهظاً كفاتورة للانقسام الداخلي المستمر منذ عام 2006، الذي بات واضحاً بأن إسرائيل هي المستفيد الوحيد منه، وأنها ومعها دولٌ عربية تقوم بتغذيته وتأجيجه، وهي الدول التي وافقت على تطبيع علاقاتها مع دولة الاحتلال ووافقت على فكرة القفز على الفلسطينيين وتجاهلهم في التعامل مع المحتل الإسرائيلي.
خلال سنوات الانقسام العجاف الماضية (16 عاماً حتى الآن) تكبَّد الفلسطينيون خسائر كبيرة، سواء على المستوى الشعبي أو الرسمي أو الفصائلي، وبدا أن المشروع الإسرائيلي لتفتيت الأرض والإنسان في فلسطين، نجح إلى حد بعيد، واليوم لا يُمكن إفشال هذا المشروع الإسرائيلي، ولا يُمكن مواجهة موجة التطبيع المشبوهة، إلا بإنهاء الانقسام والتفكير في مخرج من الوضع الفلسطيني الراهن.
ومن يتفحَّص ويتأمل مسار الأحداث قبل حدوث الانقسام، لا بُد أن ينتهي إلى نتيجة مفادها أن هذا كان مشروعاً إسرائيلياً معداً له سلفاً، وكان قد تم التخطيط له، ويهدف إلى خلق حالة من الشلل في الحياة السياسية والفصائلية الفلسطينية، وقد تجلى هذا المشروع الإسرائيلي بوضوح عندما بدأت إسرائيل باغتيال ما يُمكن أن نسميهم «شخصيات الإجماع الوطني»، أي الشخصيات التي كانت تتولى إنهاء أي خلاف داخلي، وكانت تحظى باحترام الشارع واحترام الفصائل، وتجلى ذلك في اغتيال الشيخ أحمد ياسين، وبعده بأسابيع الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وبعد شهور قليلة تمت تصفية الرئيس ياسر عرفات، وسرعان ما وجد الفلسطينيون صفَّهم الأول خالياً من الرموز الكبرى. وفي العام التالي أي في 2005 انسحبت إسرائيل من قطاع غزة، بينما أحكمت سيطرتها على الضفة الغربية، وكانت قد اجتاحت المناطق (أ)، ما جعل اتفاق أوسلو في نهاية المطاف مجرد حبرٍ على ورق، ولا وجود له على الأرض، ما كان يعني حينها أن الأرض الفلسطينية تم تقسيمها أصلاً بقوة الدبابات الإسرائيلية، ولم يبقَ لإسرائيل سوى إحداثُ الانقسام السياسي، وهو ما حدث بالفعل في العام التالي، بعد الانتخابات العامة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، والتي كانت نتيجتها الفعلية الانقسام الذي ما زلنا ندفع ثمنه حتى الآن. ثمة تكلفة كبيرة لهذا الانقسام، وهذه حقيقة يجب على القيادة الفلسطينية وقيادات الفصائل أن تفهمها جيداً، وعليها أن تبحث عن مخرج لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، أما التكاليف والخسائر التي تكبدناها حتى الان، فيمكن إيجاز بعضها في ما يلي:

لا يُمكن إفشال المشاريع الإسرائيلية، ولا يُمكن مواجهة موجة التطبيع المشبوهة، إلا بإنهاء الانقسام والتفكير في مخرج من الوضع الفلسطيني الراهن

أولاً: استغلت قوات الاحتلال الانقسام الفلسطيني وقامت بالتهام مساحات واسعة من الأرض الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وهو ما انتهى إلى أن تُسجّل حركة الاستيطان أعلى معدل لها على الإطلاق، وأصبح يعيش اليوم في الضفة الغربية أكثر من 480 ألف مستوطن، وهو أعلى رقم منذ احتلال الضفة في عام 1967.
ثانياً: نفذت دولة الاحتلال أسوأ عملية تغيير ديمغرافي تشهدها مدينة القدس منذ عام 1967، ويكفي هنا الاشارة إلى أن 30% من عمليات الهدم الإسرائيلية التي تم تنفيذها خلال 2020 كانت في مدينة القدس، كما أنَّ عمليات الهدم واقتلاع الفلسطينيين من المدينة المقدسة ارتفعت بنسبة 45% خلال عام 2020، مقارنة بما كانت عليه في عام 2019، وثمة الكثير غير ذلك في هذا السياق.
ثالثاً: اتخذت بعض الدول العربية والأطراف الدولية الانقسام الداخلي ذريعة حتى تتوقف عن دعم الفلسطينيين، أو تقلل من ذلك، خاصة على المستوى السياسي، وصار لسان حالهم يقول: «من يُمثل الفلسطينيين؟»، و»مع من نتفق؟»، وهذا الانقسام كان أيضاً ذريعة للدول المطبعة، التي قررت أنظمتها السياسية الارتماء في الحضن الصهيوني، وإن كان الجميع يعلم أن تلك الدول تريد التحالف مع الاحتلال، وما تسوقه من مبررات ليس سوى ذرائع للتلبيس على الناس، وتبرير ما تذهب إليه ليس إلا.
رابعاً: وجدت حركة حماس نفسها بعد الانقسام متورطة في «السلطة»، وهي السلطة التي كانت أصلاً فخاً نصبه الاحتلال للفلسطينيين ووقعت فيه حركة فتح عام 1996، وإذا بحركة حماس تقع في الفخ ذاته، وتنشغل بحكم قطاع غزة، بكل ما فيه من أعباء وتكاليف كبيرة، وهي التكاليف التي يتوجب على الاحتلال الوفاء بها، أو على الدول المانحة التي رعت اتفاق أوسلو وقامت بتمويله.
خامساً: تسبب الانقسام الداخلي، خاصة خلال سنواته الأخيرة، بأسوأ موجة إحباط تضرب الفلسطينيين، وهذه الحالة من الإحباط واليأس والتخبط نتجت عن وجود سلطتين واحتلال فوق رأس الشعب الفلسطيني، إضافة إلى تدهور مستمر في الأحوال المعيشية، فضلاً عن تعطيل حالة الاشتباك المباشر مع الاحتلال، بسبب أن المقاومة في غزة محاصرة، وفي الضفة ملاحقة ومراقبة ومرصودة، وفي كلتا الحالتين أصبحت تعاني من حالة شلل.
والخلاصة هو أنَّ على الفلسطينيين، سواء قيادة منظمة التحرير، أو قيادات الفصائل أن يبحثوا عن حل للمأزق الراهن الذي يتمثل في هذا الانقسام الكبير، الذي كلف الشعب الفلسطيني وقضيته فاتورة باهظة. ثمة حاجة لمؤتمر إنقاذ وطني شامل ينعقد خارج الأراضي الفلسطينية بمشاركة الداخل والخارج والفصائل والمستقلين، وينتهي إلى خطة لإنهاء الانقسام، وبغير ذلك فنحن أمام مستقبل أسوأ.
كاتب فلسطيني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول Rafeek Kamel:

    كلام معروف ومفهوم للطفل الفلسطيني قبل العجوز….ولكنك اخى الكاتب تصرخ فى الصحراء

  2. يقول سامح //الأردن:

    *للأسف معظم الفصائل الفلسطينية تبحث
    عن مصالحها فقط.. بل قدمتها على مصالح
    الوطن.
    حسبنا الله ونعم الوكيل في كل فاسد.

اشترك في قائمتنا البريدية