ssد. عماد عبد الرازقssspp رأينا كيف يتطوع الفنانون والنجوم لتبني قضايا المهمشين والفقراء والأقليات، فهذا يتولى جمعية لمساعدة الأطفال المصابين بالسرطان، وذاك يكرس جزءا من وقته لجمع التبرعات لصالح مرضى التوحد، أو ضحايا الحروب الأهلية في مناطق النزاعات، أو مساعدة قرى إفريقية نائية للحصول على مياه صالحة للشرب، أو تعليم أطفال الشوارع وانتشالهم من التشرد. ومن لا يهتمون بقضايا البشر، قد يختارون الدفاع عن قضايا بيئية، مثل بناء محميات طبيعية لحيوانات مهددة بالانقراض، أو العمل على وقف ظاهرة التصحر، او حماية الغابات الاستوائية، أو التوعية بخطورة ظاهرة الاحتباس الحراري أو حتى بناء ملاجئ للقطط والكلاب الضالة. وغيرها كثير من قضايا حقوق بني الانسان والحيوان والشجر والحجر (كالمدافعين عن الاثار) والمناخ. pppلكن عادل إمام، مضحك الجماهير الملقب بالزعيم، لم يجد بين كل هذه القضايا ما يستحق الاهتمام، أو يستثير غرائزه السياسية سوى الهجوم على واحدة من آخر حركات المقاومة في العالم العربي المنكفئ على خيباته وهزائمه المتتالية.عادل إمام هو صاحب المقولة التي اطلقها في إحدى مسرحياته أن ‘الفن لا يكال بالباذنجان’. ومن حقنا الآن أن نرد إليه عبارته الساخرة مع تعديل بسيط فنقول له إن ‘السياسة أيضا لا تكال بالباذنجان’. أقول هذا بسبب تلك المعارك الغريبة التي اندلعت في الوسط الفني العربي بسبب تصريحات عادل إمام (العبيطة) رغم استفزازيتها. فهذه التصريحات لم تصدر مثلا عن أمين عام الأمم المتحدة (اللي لا بيحل ولا بيربط) ولا عن قطب من أقطاب السياسة أو صناع القرار او حاكم عربي أو أجنبي، حتى تستحق كل هذه الردود. لقد صدرت عن فنان ليس له (في الطور ولا في الطحين)، حينما يتعلق الأمر بالسياسة. ولست هنا بصدد تكرار نفس العبارات الممجوجة عن قيمة عادل امام وقامته الفنية ومكانته في قلوب الجماهير العربية إلى آخر مفردات اللغة الخشبية المستهلكة، فنحن لا نتحدث هنا عنه بوصفه ممثلا كوميديا، لكن بوصفه مواطنا مصريا، من حقه التعبير عن آرائه مهما كانت غريبة أو اختلفنا معها. والرد على الرأي يكون على قدر صاحبه لا أكثر ولا أقل. حتى على الرغم من صعوبة الفصل بين الفنان والمواطن كما قد يزعم البعض. لكن لا يجب الخلط هنا بين الاثنين. ودليلي في ذلك أن تصريحات تصدر عن عادل إمام كان يمكن ان تكون ذات قيمة كبرى وتثير ردود أفعال عديدة لو أنها كانت مثلا عن أحوال الكوميديا المصرية حاليا، أو عن رأيه في نجوم الكوميديا الصاعدين الذين يهددون ‘عرش’ الزعيم المزعوم. كانت تصريحاته عن شأن سياسي، وهو الذي لم يعرف عنه اهتماما يذكر بالسياسة في يوم من الأيام، ولم يكن مسيسا في أي اتجاه، سوى الاتجاه الرائج والذي عادة ما يكون في أحضان النظام. فلم نسمع ولا أعرف أحدا سمع أن عادل إمام مارس أي نشاط سياسي في أي فترة من حياته. هذا رجل كان دائما ‘قاعدا على حجر النظام’ من السادات الى مبارك، ونستثني عبد الناصر لأنه لم يكن قد ظهر ولا سمع باسمه أحد آنذاك، علما بأنه عبر أكثر من مرة عن كرهه للأفكار اليسارية، كان آخرها بمناسبة صدور قانون جديد لضرائب العقارات، من شأنه أن يضير إمام وأمثاله من الموسرين- ولا نقول الأثرياء. يومها لم يجد إمام ما يقوله في برنامج ‘ البيت بيتك’ سوى ‘ مش هو دا الكلام بتاع الاشتراكية اللي بيقولوا إن احنا خلصنا منه من زمان’، تصريحات كهذه تكشف عن ضحالة وجهل عظيم بالبديهيات. ففي اعتى النظم الرأسمالية في العالم ،في الولايات المتحدة عقر دار النظام الرأسمالي، تفرض ضرائب تصاعدية على العقارات تبعا لقيمتها السوقية. فمن الذي ‘ ضحك’ على عادل إمام وأفهمه ان ضرائب العقارات اختراع اشتراكي أو يساري؟ واذكر أن الرئيس أنور السادات كان من أشد المعجبين بعادل إمام ، إلى حد أنه طلب منه ذات يوم ان يقدم عرضا خاصا في قصر الرئاسة لمسرحيته ‘شاهد ما شافش حاجة’ في أوج نجاحها. لكنه اعتذر خشية من أن ذلك قد يجعل منه أقرب الى مضحك الملك! أما في عهد مبارك فلم يخف عادل إمام يوما إعجابه بالرئيس والوريث، وهو الذي صرح مؤخرا لمجلة ألمانية قائلا ‘ياريت جمال مبارك ييجي رئيس، لأن مصر محتاجة لرجل قوي’ (هل هذا يعني أن مبارك الأب ليس قويا بدرجة كافية في نظر عادل إمام)؟أما إذا حاول المرء ان يتجشم عناء مناقشة بعضا مما قال به عادل إمام، فهو لا يصمد أمام تمحيص تلميذ ابتدائي. ردد إمام نفس أراجيف السلطة الفلسطينية ورئيسها عن ‘عبثية’ صواريخ حماس. (نفس هذا الهراء سبق أن صرح به صحافي لبناني اسمه هشام ملحم لقناة أمريكية إبان حرب 2006 التي تجرعت فيها إسرائيل هزيمة نكراء بصواريخ حزب الله التي لاشك أنها تبدو ‘ عبثية’ جدا إذا ما قورنت بترسانة إسرائيل المدججة بكل أنواع الصواريخ الطويلة والقصيرة، وكل المقاسات). وهل كان سلاح الجزائريين ندا بأي درجة لترسانة سلاح المستعمر الفرنسي؟ فهل سمعتم ان أحدا طالب الجزائريين بالكف عن مقاومة المستعمر، أو من صاح فيهم غاضبا: والله حرام عليكم.. لقد سقط منكم مليون شهيد بسبب هذه المقاومة ‘العبثية’. وهل عاب أحد على المصريين لجوءهم الى أكثر الأسلحة بدائية كالسكاكين والحلل النحاسية والعصي والنبابيت في تصديهم للعدوان الثلاثي 1956؟ هل خرج علينا أحد يتهمهم بالتهور لاستخدامهم اسلحة ‘ عبثية’؟ وهل نسى المتنطعون التافهون الذين يشنون هجومهم المقزز على المقاومة أن الشعوب العربية كلها خرجت آنذاك في مظاهرات تأييد واضرابات ومقاطعات احتجاحا على العدوان وتأييدا لمصر وشعبها وزعيمها. وهل كان انتصار مصر السياسي في تلك الحرب سوى نتيجة لصمود المصريين ورفضهم الاستسلام رغم التفوق الكاسح لآلة الحرب الأنكلو فرنسو- إسرائيلية؟ وماذا كان لدى المصريين من أسلحة فتاكة حين تصدوا لقوات نابليون بونابرت في ثورة القاهرة الأولى والثانية؟ هل كان المجاهد الليبي عمر المختار يقود المقاومة ضد المستعمر الإيطالي بطائرات ‘F16’ أو ‘تورنادو’ او ‘بي52’، أم بالبنادق البدائية. متى كانت مقاومة المستعمر او المحتل في أي زمان ومكان مرهونة بنوعية السلاح ومدى قوته النارية او مداه او دقة التصويب؟ خلاصة هذه المحاججة العقيمة التافهة أن هؤلاء يعيبون على المقاومة ضعف سلاحها، وهو على وجه التحديد ما ينبغي ان يستدعي عكس ذلك تماما، أي أن المقاومة جديرة بالمديح والاجلال والإكبار والتشجيع والدعم والمساندة بسبب بسالتها وتصديها بأسلحة بدائية لآلة حرب غاشمة ذات قوة تدميرية هائلة.إذا كان يمكن أن يعاب على الفقير طموحه بسبب فقره؟ هل يعاب على من يقاوم المستعمر ضعف سلاحه في مواجهة أسلحة العدو؟ وإلا ماذا تعني بالله عليكم الحكمة القرآنية ‘واعدوا لهم ما استطعتم من قوة’؟لا هي بمحكمة.. ولا هي دولية أوشك مذيع نشرة ‘بي بي سي’ ان يفقد أعصابه وقد استشاط غضبا من ردود ضيفه البريطاني المتخصص في الشؤون السودانية دافيد هويل، تعليقا على قرار محكمة الجزاء الدولية بتوجيه تهم لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية الى الرئيس السوداني محمد عمر البشير.لكن قبل أن أخوض في تفاصيل اللقاء المثير، أحب أن أؤكد بصريح العبارة وعلى الملأ موقفي الذي لا تخالجني ذرة شك بشأنه، وهو أنني لا أشعر بقيد أنملة من التعاطف مع أي رئيس أو زعيم عربي من الخليج النائم على نفطه (اللي بقى بتراب الفلوس) الى المحيط الطافح بجثث غرقى مراكب المهاجرين البائسين الهاربين من جحيم الفقروالقهر، وفي مقدمتهم الرئيس السوداني.أما الضيف البريطاني فقد بدأ تعليقه واصفا جلسة المحكمة التي نقلتها ‘بي بي سي’ وعشرات القنوات حول العالم على الهواء بأنها لم تكن سوى عرض من عروض المسرح السياسي (وأقول الدعائي، الفج، والمقزز). ثم إن هذه المحكمة- اضاف السيد هويل- ليست دولية بأي مقياس من المقاييس، فلا الصين ولا الهند ولا روسيا ممثلة فيها، وهؤلاء يشكلون قرابة ثلث سكان العالم إن لم يكن أكثر. فكيف تكون دولية؟ وكيف تكون دولية، والولايات المتحدة، القوة العظمى الأكبر والأقوى في العالم- لا تعترف لها بسلطة قضائية على مواطنيها او جنودها ومن ثم ترفض رفضا باتا مثول اى منهم أمامها. هي إذن محكمة أوروبية أولا وقبل كل شيء كما اشارالرجل، وأحكامها هي في الواقع ‘عدالة الرجل الأبيض’ يوزعها على من يشاء من البشر ويغض الطرف عمن يروقون له. فالجرائم المتهم بها البشير- والكلام لايزال للخبير البريطاني- ترتكب يوميا في انحاء كثيرة من العالم، ومع ذلك اختارت المحكمة ان تركز كل جهودها على السودان حصريا. فلم نسمع لها صوتا مثلا حول الجرائم التي ارتكبت وترتكب في العراق أو افغانستان، او في أحداث غزة الأخيرة (وكان فيها من جرائم الحرب ما من شأنه ان يجلل رأس المحكمة الدولية بالعار والشنار). هذه الانتقائية التي تعرف في قول آخر بازدواجية المعايير، تجعل من المحكمة مهزلة دولية، وتهبط بمصداقيتها الى الحضيض. السيد أوكامبو الذي وهب نفسه تماما وكرس جل جهوده لجلب الرئيس السوداني امام العدالة (تماما كما وهب محمد البرادعي نفسه لقضية الملف النووي الايراني، ووهب عمرو موسى نفسه للملف اللبناني، وقد استفاق أخيرا للدفاع عن البشير بعد خراب مالطة) قال ذات مرة ردا على سؤال بشأن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، بأنه ما من طرف تقدم الى المحكمة بتهم محددة تستدعي التحقيق وجمع الأدلة. هل رأيتم صفاقة أشد وقاحة من ذلك؟ وماذا عن بضعة ملايين من القنابل العنقودية نشرتها اسرائيل في جنوب لبنان في حرب 2006، وهي احصائية قالت بها منظمات الأمم المتحدة التي تتبعه محكمة أوكامبو وشركاه. وماذا عن قصف مقار الأمم المتحدة أكثر من مرة في حرب اسرائيل على غزة، والتي جعلت مندوب الأونروا هناك يخرج صارخا امام الكاميرات مكذبا المزاعم الاسرائيلية بأن الملاجئ كانت مخابئ لمقاتلي حزب الله. ترى هل ينتظر أوكامبو أن تقصف إسرائيل مقر محكمته في لاهاي حتى يفكر في تقديمها للمحاكمة.؟وأخيرا قال الرجل ان هذا الحكم لن يكون له اي تأثير يذكر على الأرض، ويكفي النظر الى القمة الافريقية الاخيرة والتأييد الذي حظي به البشير (طبعا فالطغاة يتعاطفون مع بعضهم البعض ويتداعون سريعا في الملمات إذا نزلت بأحدهم). الاهم من ذلك ان المحكمة ليست لديها آلية ولا قوة فعلية لتنفيذ احكامها، وما يعني ان الحكم لن يفعل سوى تعميق الصراع الدائر حاليا على ارض السودان، على حد قول السيد هويل. كل هذا يجعل المحكمة كلمة حق يراد بها باطل.ناقد من مصر80