من الإشكاليات التي تتعلّق بمقاربة العوالم السردية أو الرواية محدودية القدرة على تكوين ما يمكن نعته بالاستغراق السردي، وعلى الرغم من أن المصطلح قد يتماثل، أو يتغاير من ناحية تقاطعه مع بعض الأسس أو المرجعيات النقدية ضمن العلوم السردية، إلّا أنه يمكن أن نستجلبه أو نستحدثه لنضعه في سياق محدد، ولا سيما في تتبّع بعض الإشكاليات التي عانت منها الرواية العربية أو الرواية بصورة عامة، وذلك من حيث التباين في موقف القارئ من الرواية، ونواتج هذا من ناحية الإقبال على الرواية، أو التخلي عنها.
وإذا كان التفكير ينصرف مباشرة إلى دور القارئ، أو المتلقي، فإن هذا قد يصدق بشكل كبير ضمن مرجعيات نظريات التلقي التي تتوجه إلى بيان أهمية المعرفة والخبرة كما القدرة على التعامل مع الرواية تبعاً لثقافة المتلقي، والنماذج السابقة التي تكونت بفعل القراءة المستمرة، بالتوازي مع القدرة على التمييز بين الأساليب والرؤى التي قد تنطوي عليها الرواية، بيد أن الأمر الأهم يبقى معنياً بإحساسه أو شغفه بالنص، وفي ذلك يتمايز القراء بصورة كبيرة، كما أن الأمر يتصل في جزء كبير منه بقدرة الرواية على خلق هذا الوعي في النص لينتج عنه الاستغراق الذي يمكن النظر إليه على أنه فعل يتجاوز باقي المصطلحات الأخرى بداعي إضافات يمكن أن نختبرها.
ثمة مصطلحات كثيرة أتت عليها مدارس النقد أو علم السرد لبحث فاعلية الاندماج بين القارئ والنص وآلياته، بدءاً من فكرة الإيهام بالواقعية، أو وهم الحقيقة، الذي يتميّز بقدرة النص على إقناع القارئ بواقعية ما يرويه كما بين رولان بارت، وآخرون، في حين أن ثمة مصطلحاً أنغلو-ساكسونياً يقترب من فكرة الاستغراق من حيث إحالته إلى الانغماس السردي أو الاندماج التخييلي كما بيّنته مونيكا فلوديرنيك. أما في إطار نظرية التلقي فيظهر مفهوم «اندماج القارئ» أو «انخراط المتلقي» كما أشار له وولفغانغ إيزر، ولا سيما نظرية القارئ الضمني، في حين أن الدراسات الظاهراتية تستخدم مفهوم «التقمص السردي» أو «الانغماس التخييلي».
وعلى الرغم من مشروعية هذه المصطلحات في التعبير عن آلية ذلك التوافق بين القارئ والرواية، ومدى قدرة كل مصطلح على أن يعكس غاية أو مرجعية الظاهرة النقدية أو توجهاتها، غير أننا بحاجة إلى تبسيط الفكرة من ناحية أن فعل القراءة من لدن القارئ يبقى عفوياً، ويتصل في جزء منه بسؤال قوامه: هل تمكنت هذه الرواية من تفعيل خاصة استغراق القارئ بعالم الرواية، وتوليد حساسية التلقي، أو جاذبية الاستمرارية؟
وعلى الرغم من قيمة المرجعية الثقافية، والتكوينية للمتلقي، تبعاً للمعرفة، والتجربة، كما الخبرة، والسن، وهي عوامل تسهم في تحقيق فاعلية الاستغراق، ولكن ثمة دائماً نوع من التوافق بين عدد كبير من القراءة من ناحية قدرة بعض الأعمال على تكريس هذا الاستغراق أكثر من غيرها، ولا سيما من لدن الروائيين الجماهيريين مثل هاروكي موراكامي على سبيل المثال، في حين يمكن أن نرى أن الأعمال التي تنتمي إلى الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية تمكنت من تحقيق هذه المعادلة بصورة ربما أكبر من الأدب الأنغلو-ساكسوني من وجهة نظري، في حين أن بعض الروايات قد تفشل في هذه المهمة على الرغم من أن بعض الروائيين يمتلكون الحضور، والشهرة، ولكن ثمة وعياً جماهيرياً مشتركاً يتمثل في أن بعض أعمال هؤلاء الروائيين لا تنال علامة الاستغراق الكاملة، وقد يُستشعر أنها ثقيلة، أو غير جاذبة للمتلقي، فالأمر قد يبقى في جزء منه عصياً على التصنيف، ومن هنا فإن بعض الدراسات والبحوث ذات الطابع القياسي قد تسهم في تحقيق خلاصات، مما يفتح الباب لاتجاه بحثي جديد.
تكمن معضلة الاستغراق السردي في كيفية تحديد العناصر التي يمكن أن تؤدي إلى ذلك، وهي أقرب إلى تجربة ذهنية وجمالية تستهدف تحقيق التدفق من ناحية فاعلية التماهي من لدن المتلقي مع نشاط القراءة. ولعل أهم ما يحقق ذلك البنية الزمنية التي تنهض على تتابع منطقي يوهم بالواقع، كما الشخصيات، ومجمل البنية السردية، في حين قد يعطّل هذه الإمكانيات فقدان الموهبة، أو محدودية الوعي بهذه العناصر من لدن الروائي، أو بداعي المحاولة التجريبية أو النزوع نحو تبني الشكل الحداثي الذي قد يحول دون تحقق الإيهام؛ ولهذا نرى أن الرواية المعاصرة في جملتها بدأت تنحو هذا التشكل الآمن من ناحية تراجع الرغبة في التجريب، ولكن الاستغراق السردي مع ذلك قد لا يتحقق، ويمكن إحالة ذلك إلى معضلة التشكيل اللغوي، كما البناء النصي على مستوى الجمل، والنواحي الأسلوبية، بالتوازي مع تعطل الرؤية الكلية للمقاصد الفكرية، وهو أمر يصعب على بعض الروائيين الذين لا ينطلقون من وعي أو استراتيجية كتابية واضحة، ومن شأن ذلك أن يفصل القارئ عن الوعي بالحكاية كما الحدث.
يبدو مصطلح الاستغراق السردي طارئاً مقارنة بالمصطلحات الشائعة والراسخة في معجم المصطلحات السردية، ولكنه يبقى جزءاً يتجاوز مفهوم الانخراط أو الاندماج إلى قيمة أكبر، ونعني الامتداد بالبنية الكلية للحكاية من خلال اللغة تحديداً التي ينبغي أن تنشئ العالم السردي، بمعنى الوعي، أو بكلمة أخرى توليد اليقظة التي تنهض على المزج بين الروحي والفكري في آنٍ واحد.
وعلى الرغم من ذلك، فإن الرواية الحداثية أو التجريبية قد تعي قيمة الاستغراق السردي، فإنها في الوقت عينه قد تسعى إلى تقويضه من أجل تحقيق غايات أخرى ترتبط بالكاتب، وفلسفته، أو ربما بالقارئ من ناحية تشكيل يقظة أخرى عبر بناء وعي نقدي موازٍ للعمل عينه، ونقصد تقدّم الخيال على الواقع، أو خلخلة الأخير، والتشكيك فيه، بالتوازي مع تأملات بحدود كل منهما لتكوين دلالات جديدة تتقاطع مع منظور جديد للعالم.
إن الاستغراق السردي يتجاوز ثنائية القارئ والنص إلى معنى العالم السردي، وبنيته الداخلية التي ينبغي أن تتشكل من ذات النص وذات المتلقي، ولكن بتكاملهما معاً، وقد يقترب الأمر من إحالة صوفية وفلسفية من ناحية الفناء في التجربة، وتلمّس الوجود في البنية النصية التي قد تختزل معنى الإنسان والعالم من ناحية معايشة النص، وتلمّس حدود المتخيل، ورغبات القارئ في الاستجابة لتوقعاته الجمالية والفكرية، والإحساسية بداعي وجود معضلة تتعلق بالكتابة السردية، والمنطلقات التي ينطلق منها الروائي الذي يعاني في الأصل من اضطراب في فهم هذه العناصر، وإدراكها، وذلك بداعي نقص في الأفكار، والخيال، والمهارة. فالرواية لا تعني في كل الأحوال حكاية تُصطنع أو تروى… إنما يجب أن تخلق الرؤية التي ينبغي أن تتكون في الذات عبر اللغة، وينبغي ألا تنتهي هذه الرؤية بمجرد الانتهاء من قراءة الرواية، بل يجب أن تستمر في توليد الدلالات، واستنهاض الوعي، والأهم إثارة الأسئلة التي قد تُستدعى في بعض الأحيان من أجل إدراك غايات العالم، وحدوده، وما يكمن فيه من اضطراب، وحيرة.
كاتب أردني فلسطيني