في العنف معكوساً على الاتجاهين

حجم الخط
0

«دون دولة» مسلسل استرالي يحكي عن العنف وعن ممارسة العنف في معسكرات اللجوء في استراليا وعن التشوه البشري الناجم عنه في الاتجاهين. «العسكري الأسود» قصة للكاتب المصري يوسف إدريس يحكي العنف وممارسة في السجون المصرية، وعن التشوه البشري الناجم عنه في الاتجاهين، «تفاهة الشر» كتاب للكاتبة الأمريكية حنة أردنت يحكي عن العنف وممارسة العنف في معسكرات الاعتقال النازية وعن التشوه البشري الذي خلقته آلة العنف الرهيبة على البشر عندما تحولوا إلى أدوات العنف البشرية.
التشوه في الاتجاهين، أي التشوه البشري الذي يقع على شخصية الممارس للعنف كما يقع على شخصية الممارس عليه العنف في الوقت ذاته، أي العنف الذي يسبب التشوه البشري معكوسا على الفاعل.

حقوق الإنسان

حسمت فكريا فكرة مناهضة العنف وآثاره المدمرة على البشر الذي يمارس عليه من قبل أخيه الإنسان منذ أواخر القرن التاسع عشر. وحسمت قانونيا منذ الستينيات من القرن العشرين في الكثير من بلدان العالم التي وقعت على اتفاقيات حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب ومناهضة العنف ضد المرأة والطفل…. الخ فقد ناضل البشر ضد عنف الإنسان لأخيه الإنسان منذ زمن بعيد، وأنتج هذا النضال في أماكن متعددة وخلال تواريخ متعددة تلك الاتفاقيات التي أصبح التوقيع عليها والالتزام بها هو شرط بناء أي مجتمع صحي مناسب لنشأة مواطنين أحرار ومتوازنين نفسيا واجتماعيا واقتصاديا. فما الذي يحصل في العالم؟
ولماذا تتم العودة دائما إلى طرح هذا الموضوع وإلى ضرورة النضال ضده حتى في البلدان التي انتصرت فيها حقوق الإنسان؟ مع أننا كنا نظن أنه حسم منذ زمن طويل دون رجعة.
أعتقد أن ما ينقص العالم الآن هو دراسة وتطوير العنف معكوسا على ممارسه. مع أن هناك الكثير من الدراسات حول ذلك في النصف الثاني من القرن العشرين وكذلك الكثير من الأعمال الأدبية والفكرية التي تناولت هذا الجانب وسأتكلم عن ثلاثة منها هنا.
لفتت الفيلسوفة حنه أرنت النظر إلى أنه من الضرورة العودة إلى مسألة الشر والعنف الممارس ضد البشر لصياغة فكرةٍ فلسفية واضحة ولتطوير بعض الأفكار حول هذا الموضوع. وركزت على تأثير العنف السياسي على البشر وخاصة على الأدوات البشرية التي تستخدمها الأنظمة الشمولية والمستبدة لممارسة العنف. رصدت أرندت في كتابها «تقرير حول تفاهة الشر» ثلاثة مفاهيم فلسفية متصلة بهذه المشكلة وهي: الفكر، والإرادة والحكم؛ فالشر لم يكن ناتجًا عن البلادة والغباء عند أدوات العنف وإنما هو تعبير عن غياب الفكر، فقر في الفكر. هو تعبير عن التفاهة، تفاهة الشر كما أطلقت عليه.
انطلقت حنة أرندت من أن البشر عندما يفقدون النشاط الذاتي للفكر بما هو فكر، أي القدرة على الفحص والتحليل والتمييز، هذه القدرة، هي وحدها قادرة على أن تجنِّبنا الشر والعنف. وفقدان هذه القدرة هي التي تجعل البشر يكفون عن أن يكونوا بشرا بتحولهم إلى آلة تنفذ ما أراده غيرهم.
في الأنظمة الشمولية والمستبدة يختلط فيها العنف بالفعل السياسي، وتتلاشى فيها الحدود بين المجال العام والمجال الخاص، سواء كان هذا المجال الخاص دينيا أم غيره من المجالات الخاصة، مما أدى إلى نتائج كارثية لم يكن ثمنها دماء هدرت بغير حق فحسب، لا بل تركت بصماتها على مجال التربية وتكوين الأجيال الجديدة التي نشأت في هذه الأجواء. وفي المقابل رأينا في سوريا كيف تحولت الاندفاعة الثورية مع استمرار العنف إلى نزاعات على أهداف خاصة لا تخص ما أجمع عليه الشعب السوري بثورته، والتي تتلخص باستعادة الحرية والكرامة. كما شهدنا كيف تلاشت الحدود في بعض الأحيان بين الأطراف المتصارعة، فلم يكن تنظيم الدولة إلا الوجه الآخر لنظام الاستبداد. وكذلك عملية خطف الأربعة ناشطين الهاربين من بطش النظام التي ارتكبتها جهة تدعي معارضتها للنظام. ولكنها قامت تماما بمهمة النظام الاستبدادي وصبت في طواحينه. فالاستبداد يناصر الاستبداد دائما حتى ولو تهيأ له أنه يعارضه. وذلك عندما يصبح «العنف أمرًا عاديًّا جدًّا على نحو لا يطاق» على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي بورديو.
من أجل كل ذلك أعتقد أن علينا مراجعة مفاهيمنا ودراسة مدى تأثير ممارسة العنف الطويل علينا، ومراجعة تصورنا لفعل الحرية والسلطة وأدواتها، وكل المفاهيم التي تؤطر وعينا السياسي، وسأركز هنا على ضرورة وعي خطورة ممارسة العنف التي تقتلنا كبشر ونحن نحاول انتهاك المختلفين عنا، وأنه علينا أن نؤمن أنه لا يوجد أي ذريعة يمكنها أن تبرر ممارسة الانتهاك بحق أعدائنا ليس رحمة بهم فحسب بل رحمة بنا أيضا، لأنها تقتل فينا حلمنا ببناء بلد حر وكريم.
يوسف إدريس في قصته «العسكري الأسود» عبر عن العنف معكوسا على نحو مبدع، عن التشوه البشري الناتج عن العنف في الاتجاهين. التعذيب في السجون السياسية الذي نتج عنه مخلوقات شوهاء في الاتجاهين. فالخاضع للتعذيب وصفه بجملة «ما أغربه من كائن فقد أمنه البشري» ولكن ريادته كانت بتوصيف التشوه البشري الذي ينال الجلاد، العسكري الأسود. «حين كان العسكري الأسود يضرب كان من يراه لا يظن أبداً أنه يمت إلى الإنسان أو الحيوان بصلة، ولا حتى للآلة فالآلة لا تبدو على وجهها المتعة المتوحشة وهي تضرب، ويا لخسة ضربه لأن المضروب لا يملك حرية الرد».

حماية الصفات البشرية

يتربع الإنسان، الكائن البشري، بما هو قيمة في حد ذاتها بمعزل عن توجهاته وأفكاره في أول سلم الأولويات عند يوسف إدريس. هذه القيمة الثمينة التي نرتعب عندما نراها تنتهك بهذه الطريقة. ويدفعنا الكاتب دفعا إلى حقيقة مفادها أن رعاية الإنسان في الإنسان وحماية صفاته البشرية الثمينة هي أهم من كل الأفكار والأيديولوجيات والمصالح التي وجدت أصلا من أجل الإنسان واغترب كثير عنها وعن أساسها الجوهري هذا.
يقول يوسف إدريس «يتحول الضارب إلى أنقاض إنسان من نوع آخر، وكأنه إنسان يتهدم إلى أعلى، ويسعده الألم الذي يحدثه في ابن جنسه، ويستمتع بإرادة، وبإرادة أيضاً يقتل استجابة البشرية للألم في نفسه، فلا يكف إلا ببلوغ ضحيته أبشع درجات التهدم والتقوض وبلوغه هو أخس مراحل النشوة المجرمة التي لا يستطيعها من المخلوقات جميعها ولا يستمتع بها غير الإنسان المنحط في الإنسان». وفي نهاية القصة نرى ونسمع أنقاض الجلاد وهي تعوي ونشاهد كيف يبدأ بأكل ذاته مبتدئا بيده.
في فيلم «دون دولة» يفرح، كام بوظيفته الجديدة كحارس في مخيم اللجوء فهو استطاع الحصول على أجر أفضل مما كان عليه في عمله السابق مما يؤمن لزوجته وأولاده الصغار حياة لائقة. وسرعان ما يجد نفسه ممزقًا بين شعوره الطبيعي في رفض العنف المفرط الذي مارسته الشرطية أمامه وبلغ عنها للإدارة في المرة الأولى، وبين الحفاظ على راحة عائلته وحرصه على عدم خسارة وظيفته، حاول التأقلم مع الحياة الجهنمية في المخيم. صدمته بعنفها ولا إنسانيتها في البداية، ولكنه خضع لها بتشجيع من زوجته التي لم تدر أنها بذلك ستخسره عندما يفقد إنسانيته.
بدأ تشوه شخصية كام منذ أول تنازل له على ممارسة العنف ثم تغول العنف في وظيفته حتى انقلبت حياته، وفقد صفاته البشرية واحدة وراء الأخرى، وعائلته التي كانت هدف عمله هذا صارت ضحية لتحوله وفقدانه لبشريته، فتعامله مع أولاده صار عنيفا ويرميهم على الأرض كما تعود أن يرمي اللاجئين على الأرض.
وجاء المشهد الأخير في الفيلم ليلخص الدلالات العميقة التي يرمي لها الفيلم. نراه في هذا المشهد يمارس الجنس مع زميلته الشرطية على نحو عنيف أشبه بالحيوان. عندما فقد احترامه لنفسه فقد إنسانيته، وعندما خسر نفسه من أجل أن يوفر حياة كريمة لعائلته، خسر حبه لعائلته، خسر الحب الذي يميز الإنسان، وصارت ممارسة أي سلوك مشين أو جريمة قضية بسيطة بالنسبة له. رسالة الفيلم واضحة ولا تدافع عن اللاجئين فحسب بل تدافع عن استراليا. قيمها الإنسانية فعندما تنتهك إنسانية اللاجئين سوف يترافق معها انتهاك حقوق المواطنين أنفسهم وانتهاك صفاتهم الإنسانية أيضا.
إذن علينا ألا نكتفي بمسلمات الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو حول العنف المشروع الذي يتمثل في عنف الدولة التي تكتسب شرعيته من العقد الاجتماعي الذي يعقده المواطنون فيما بينهم. بل من الضروري المراقبة الدائمة لهذا العنف ومدى تأثيره على ممارسيه الشرعيين، فالشرعية لا تلغي حقيقة تعرضهم للتشوه البشري، الأمر الذي سوف يجعله يخرج عن الشرعية التي أعطاها له الدستور. وهذا ما رأيناه في تصاعد عنف البوليس في أمريكا وفرنسا ونزول الناس إلى الشارع ضده في الفترة الأخيرة.
أجواؤنا السورية تحكي أيضا عن العنف وعن ممارسة العنف منذ عشر سنوات، وعن التشوه البشري الناتج عنه في الاتجاهين. فبعد عقود طويلة من تلقينا للعنف في النظام الديكتاتوري انتفض الشعب السوري ضده وضد كل أشكال العنف التي كان يمارسها عبر آلة العنف الرهيبة التي بناها على مدى عقود، والتي اعتمدت على نحو أساسي على الأداة البشرية الرهيبة، انتفض الشعب السوري واستخدم العنف الثوري المشروع في الدفاع عن النفس، ولكن عدم مناقشة موضوع العنف من حيث المبدأ والتشوهات التي تترتب على ممارسته في الاتجاهين أدى مع الزمن إلى إعادة انتاج استبداد من نوع آخر، لأن الأفكار التي لا تتم مراجعتها ونقدها تتم إعادة انتاجها على النحو ذاته الذي تربينا عليه. أعتقد أننا جميعا نحتاج لنقاش موضوع العنف والتشوه البشري الناجم عنه ليس بكلا الاتجاهين، وانما بالاتجاه المعكوس على أداة العنف بعد أن خبرنا طويلا تأثـيره على الإنسـان الذي يقع عـليه العنف.

كاتبة من سوريا

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية