الخرطوم ـ «القدس العربي»: طالب القيادي في «الحرية والتغيير»، شهاب إبراهيم، القاهرة بالتعامل مع قضايا السودان بندية وعلى أساس المصالح الحقيقية المشتركة، مشددا على رفضهم لأي شكل من أشكال الحوار مع واجهات تعبر عن نظام الرئيس المخلوع عمر البشير.
ولفت لـ«القدس العربي» إلى أن «الجارة الشمالية للبلاد، يجب أن تدرك أن الثورة السودانية جاءت لتغيير إرث الأنظمة الشمولية القديم، والعمل على تحقيق مصالح البلاد العليا ومصالحها المشتركة مع المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي».
وأكد على «استقلالية القرار السوداني»، مشيرا إلى إدراكهم لـ«محيط البلاد الإقليمي ودول جواره العديدة، التي يجب بناء علاقات متوازنة بينها، بما يخدم المصالح المشتركة»، داعيا «المؤسسة الرسمية في القاهرة للنظر للأوضاع في السودان وفق هذه المعطيات».
وأشار إلى إدراكهم في الحرية والتغيير لـ«عمق العلاقة الاستراتيجية» بين البلدين، وتطلعهم إلى «حوار مباشر يناقش المصالح المشتركة بشكل واضح، بمعزل عن الورشة التي تزمع القاهرة عقدها بين الأطراف السودانية»، والتي يرى أنها «تضم مجموعات موالية للنظام السابق وبعض مكونات مجموعة التوافق الوطني والكتلة الديمقراطية».
والأربعاء، أعلن المجلس المركزي لـ«الحرية والتغيير»، رفض دعوة مقدمة من الحكومة المصرية عبر قنصلها العام في الخرطوم، تامر منير للمشاركة في ورشة عمل في القاهرة في الفترة من 1 وحتى 8 فبراير/ شباط المقبل تحت عنوان: «آفاق التحول الديمقراطي نحو سودان يسع الجميع». وقد عرّفت الدعوة الهدف من الورشة بأن تكون «منبراً لحوار جاد يؤدي لتوافق سوداني ـ سوداني».
وأشارت في بيان إلى أن «الاتفاق الإطاري قد وضع أساساً جيداً لعملية يقودها ويمتلكها السودانيون، وقد شكل اختراقاً في مسار استرداد التحول المدني الديمقراطي، مما يجعل الورشة متأخرة عن هذا السياق، وقد تجاوزها الزمن فعلياً».
في المقابل، رحبت مجموعة «التوافق الوطني» الرافضة للاتفاق الإطاري، بالدعوة المصرية.
وتتهم الحرية والتغيير هذه المجموعة بأنها تضم بين مكوناتها واجهات للنظام السابق وموالين للانقلاب العسكري.
وأشار المتحدث الرسمي باسم مجموعة التوافق الوطني، محمد زكريا في حديثه لـ«القدس العربي» إلى تلقيهم دعوة من الحكومة المصرية مطلع الشهر الحالي، خلال زيارة الوفد المصري الأخيرة للخرطوم، للمشاركة في ورشة تجمع الأطراف المدنية السودانية في القاهرة.
وحسب قوله، فإن الخطوة المصرية تأتي في «إطار مساعي الجانب المصري لتوفير منصة تتلاقى فيها الأطراف السودانية في حوار سوداني سوداني وطني يهدف إلى تجاوز التحديات الراهنة في البلاد».
ورأى أن «رفض مجموعة الموقعين على الاتفاق الإطاري الأخير يتنافى مع المبادئ الديمقراطية»، مؤكدا على «ضرورة فتح الباب للحوار، والعمل على التوافق على برنامج حد أدنى تستطيع الأطراف السودانية عبره استكمال فترة الانتقال».
ووضع إشارة «الحرية والتغيير» لمشاركة قوى مضادة للثورة في أعمال ورشة القاهرة، في إطار «الادعاءات والاتهامات التي تأتي في إطار المماحكات السياسية».
تجاوز الأجندة الحزبية
وبين أنهم سبق وأن «دعوا المجلس المركزي للحرية والتغيير لتجاوز الأجندة الحزبية والخصومات السياسية التي لن تزيد فترة الانتقال إلا مزيدا من التعقيد».
وطالب الحرية والتغيير بـ«الانتقال من مربع الحساسية السياسية ورفض الآخر إلى مربع العمل على برنامج وطني مشترك»، على حد قوله.
وفي 2 يناير/ كانون الثاني الماضي، بدأ مدير المخابرات المصرية، عباس كامل، زيارة للخرطوم، سلم خلالها القائد العام للجيش السوداني عبد الفتاح البرهان رسالة شفهية من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، «ناقشت الأوضاع الراهنة في البلاد والعلاقات بين البلدين»، حسب إعلام المجلس السيادي السوداني.
بعد اعتزام القاهرة عقد اجتماع يضم عناصر من «الثورة المضادة»
وطرح عباس خلال عدد من اللقاءات التي عقدها مع الأطراف السودانية، مبادرة مصرية للتوافق بين الأطراف السودانية.
وجاءت المبادرة المصرية عقب توقيع مجموعة من الأطراف المدينة بينها مكونات في «الحرية والتغيير» اتفاقا إطاريا مع العسكر، في 4 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، يؤسس لاتفاق نهائي يعيد السلطة للمدنيين في فترة انتقالية مدتها عامين تنتهي بالانتخابات.
وجاء الاتفاق بين الأطراف المدنية والعسكرية، والذي تقوم بتيسيره الآلية الدولية الثلاثية المكونة من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيغاد ووساطة رباعية تقودها واشنطن والرياض، بعد أكثر من 13 شهرا على انقلاب الجيش على الحكومة الانتقالية في السودان.
وفي 9 يناير/ كانون الثاني الحالي، أعلنت الأطراف الموقعة على الاتفاق الإطاري المرحلة النهائية من العملية السياسية، والتي ينتظر أن تحسم خمس قضايا، تتضمن العدالة والعدالة الانتقالية والإصلاح الأمني والعسكري وتعديل اتفاق السلام الموقع في 2020 بالإضافة إلى حل قضايا شرق السودان وتفكيك النظام السابق.
والخميس الماضي، انتهت أعمال مؤتمر تفكيك النظام السابق، وينتظر أن تنتظم خلال الأسابيع المقبلة بقية أعمال المجموعات والمؤتمرات الخاصة بالقضايا الخمس، وصولا لتوقيع اتفاق نهائي الشهر المقبل.
وترغب القاهرة في لعب دور في العملية السياسية في السودان، حسب أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخرطوم مصعب محمد علي، الذي تحدث لـ«القدس العربي» مشيرا إلى أن تنظيم القاهرة للورشة ودعوتها للأطراف السياسية في السودان للمشاركة فيها ومحاولة تقريب وجهات النظر بشأن الأزمة في السودان، يأتيان في هذا الصدد.
وأشار إلى أن القاهرة «تحاول أن يكون لها تأثير، خارج إطار عمل الوساطة الرباعية التي ترعى الاتفاق الإطاري، وبالتالي تريد أن تعمل على أن تكون الورشة جزءا من العملية السياسية وضمان رعايتها لاتفاق سوداني ـ سوداني».
وأشار إلى أن «الجارة الشمالية للسودان ترى أنها بعيدة عن الاتفاق السوداني وتريد أن تكون جزءا منه سواء كان ذلك بمبادرة ترعاها أو محاولة منها لإقناع المجلس المركزي وبقية الكتل بالتوافق السياسي».
وبين ان «رفض الحرية والتغيير للمشاركة سيضعف الورشة، وأن ذهاب الأطراف من دونها للقاهرة يعني أن الورشة لن تضم كل الفاعلين السياسيين»، مشيرا إلى أهمية الحرية والتغيير «كفاعل سياسي في البلاد، وأن غيابها سيؤثر على نجاح الورشة».
عدم إضعاف الاتفاق
ورأى أن الحرية والتغيير «رفضت المشاركة في الورشة لأنها لا تريد إضعاف الاتفاق الإطاري الذي قطعت أشواطاً بعيدة فيه، والذي تتمسك به لإنهاء الأزمة الراهنة في البلاد»، مضيفا أنها أيضا «تستند على دعم دولي واسع للاتفاق الإطاري مما يجعل موقفها أفضل في العملية السياسية».
وأشار إلى أن الحرية والتغيير «ترى أيضا أن ورشة القاهرة تضم أطرافا ترفضها من النظام السابق وتعتبر وجودها في العملية السياسية تقويضا للانتقال الديمقراطي في البلاد».
وفي الاتجاه ذاته، ذهب المحلل السياسي ماجد محمد علي، الذي رأى في حديثه لـ«القدس العربي» الى أن موقف الحرية والتغيير «ينم عن اعتداد وثقة في الدعم الدولي والأمريكي على وجه التحديد للاتفاق الإطاري»، مؤكدا أنه «لا يمكن أن يصدر بيان بهذه العبارات إلا على أرضية مشاورات مسبقة مع المجتمع الدولي وأركانه في السودان».
وأوضح أن مصر «تسعى لضمان ما تعتقده مصالح لها في السودان، وترى أن المدخل لذلك هو تشكيل كتلة تضم كل الأطراف المتصارعة حول الاتفاق الإطاري، الحرية والتغيير والكتلة الديمقراطية، دون التفات لتورط بعض تلك القوى في دعم ومشاركة النظام السابق».
موقع لمصر
وأشار إلى أن «الهدف من تنظيم القاهرة للورشة هو إيجاد موقع لمصر داخل الاتفاق، والعمل من قرب على ضمان أن لا تمضي المرحلة الانتقالية في اتجاه يضر بمصالحها، بجانب ضمان وصول الأطراف السياسية التي تدعمها للسلطة في الانتخابات المقبلة».
ورأى أن «فشل القاهرة في إقناع الحرية والتغيير بالمشاركة في الورشة المعنية بتوحيد هذه الأطراف التي من المنتظر أن تعمل على تشكيل مؤسسات المرحلة الانتقالية، لن يوقف المساعي المصرية، وربما سيدفعها لجذب قوى أخرى ودعوتها للمشاركة. ربما تنجح القاهرة في تفكيك موقف الحرية والتغيير من خلال التأثير على موقف حزب الأمة القومي».
وتتسم مواقف قيادات «الحرية والتغيير» بشأن المبادرة المصرية، وفق ماجد بـ«التباين والحذر»، مشيرا إلى أن ذلك «يكشف عن قلق حقيقي من التحركات المصرية، وإدراكها لأهمية الوصول لتفاهمات مع القاهرة، لتأمين عملية الانتقال وضمان نجاح الدعم الإقليمي للاتفاق السياسي».
ولفت إلى ان «إشارة عدد من قادة الحرية والتغيير للتحضير لزيارة القاهرة لمناقشة العملية السياسية في السودان تعكس هذا الواقع داخل الحرية والتغيير».
في النهاية كل ما يدور عن الدور المصري والإقليمي، حسب ماجد، «يعكس مدى تأثيره على مستقبل البلاد، بينما تظل غالبية الشعب السوداني معزولة عن العملية السياسية».