الرئيس التونسي قيس سعيد هو ثالث ثلاثة من بين رؤساء الجمهورية العرب الذين أتت بهم الصناديق في انتخابات رئاسية تنافسية تعددية بالاقتراع العام المباشر.
هذا من بعد الراحلين محمد مرسي، الذي وافته المنية بعد سنوات في الأسر على الإطاحة به على يد العسكر، والباجي قائد السبسي الذي توفي عن عمر يناهز الـ 92 عاماً، قبل أشهر من إكمال ولايته الدستورية، هو القادم أساساً من تجربة طويلة في الحكومات المتعاقبة منذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، ومن تجربة في الإعتراض والمنفى.
مقارنة بالباجي قائد السبسي، الذي كلّل مسيرته الطويلة بالمطالبة بخطوة نوعية في اتجاه إعطاء مضمون علماني أوضح لمقولة «الدولة المدنية» من خلال تحقيق المساواة في الميراث بين الذكور والإناث، فقد انتهج سعيد القادم من تدريس القانون الدستوري في الجامعة مساراً محافظاً في هذا المضمار، يجعله من هذه الناحية أقرب إلى مرسي من السبسي إذا ما التزمنا إطاراً للمقارنة، من ضمن ثلاثي رؤساء الجمهورية العرب الآتين بالاقتراع العام في انتخابات تنافسية. ويبدو أننا سننتظر وقتاً غير قليل بعد التطورات التصدعية بل الترنحية الأخيرة للتجربة التونسية، قبل أن نحظى باسم رابع تتسع له هذه الخانة.
تصادم قيس مع حَمَلة لواء العلمنة قبل أن يصطدم باسلاميي «النهضة». وذلك من خلال رفضه تحقيق المساواة في الإرث بين الجنسين، واعتباره ذلك منافياً للنص القرآني، بل أنه شدّد على أن «المساواة كما تمت بلورتها في الفكر الليبرالي هي مساواة شكلية لا تقوم على العدل بقدر ما تقوم على الإيهام». وما رآه البعض يومها مغازلة الإخوان رآه آخرون سحباً لبساط قانون الميراث من تحت عباءة الإخوان.
وفي واقع الحال كان هذا الموقف كاشفاً للقالب المحافظ في توجهات سعيد، جنباً إلى جنب مع البعد الشعبوي لمنسكه الزهدي ولشعاراته المكافحاتية للفساد ولاحزبيته.
وهذه النزعة المحافظة ذات تسويغ ذاتي «واقعي» ان صح التعبير: من نوع ان لا مصلحة لسعيد في أن يكون، حيال قانون الميراث، أكثر علمانية من الحبيب بورقيبة، الذي لم يجازف بهكذا خطوة.
من موقع الشعبوية المحافظة هذه عاد قيس سعيد واصطدم مع الإخوان. ليس لأنه مندفع بمحرّك عقائدي استئصالي للتيار الإسلامي. وليس لأنه يحمل إرث تصادم طويل بين العسكر والإخوان كما في حال مصر وعبد الفتاح السيسي. بل لأنه قادم أصلا إلى الرئاسة بتحفظات كأستاذ في القانون الدستوري على الدستور الذي أفضت اليه الجمعية التأسيسية عام 2014 بعد ثلاث سنوات من الإطاحة الشعبية بنظام زين العابدين بن علي والتجمع الدستوري الديموقراطي.
ينتمي سعيد إلى هذه الطائفة من أساتذة القانون الدستوري الذي لا يحبون بكل بساطة النظام البرلماني، أو الذين لا يرونه مناسباً لبلدهم، ويفضّلون عليه، بقدر المستطاع، النظام الرئاسي.
في السياق التونسي هو أستاذ قانون دستوري محافظ، لأنه يحنّ إلى دستور بورقيبة 1959. وفي الأيام الأخيرة جاهرَ سعيد بأن دستور 2014 يعجّ بالأقفال، ووصفه بغير المناسب وغير الملائم، معتبراً أن الوقت حان للتفكير بدستور جديد، أو بمعنى آخر بجمهورية تونسية ثالثة، تحافظ على المكتسبات التعددية للثانية، وترد الاعتبار لنظام متمحور حول مؤسسة الرئاسة، كما كان الحال في الأولى، أي زمن بورقيبة وبن علي.
النزعة المحافظة حيال قضايا مجلة الأحوال الشخصية أسفرت عن تقاطع بين قيس وبين الإخوان، فيما النزعة المحافظة حيال القانون الدستوري تقوده إلى التصادم معهم، وهو ما استهل بالخلاف على الصلاحيات بين قيس سعيد ورئيس وزرائه هشام المشيشي، وتداخل ذلك مع إخفاقات منظومة الحكم ككل وليس فقط حكومة المشيشي، وبخاصة مع الفشل الوخيم في مواجهة أعباء الموجة الحالية من جائحة كورونا وانهيار القطاع الصحي واستفحال الضائقة المعاشية والتخوف من لبنان آخر على الصعيد المالي، لتؤول الأمور إلى كباش حاد بين سعيد وبين البرلمان الذي يرأسه زعيم حركة النهضة الشيخ راشد الغنوشي، وكتلة حركة النهضة رغم أنها تتصدر الكتل النيابية من ناحية العدد الا أنها لا تشكّل اكثر من ربع مجلس نواب الشعب.
صعب للغاية تخيل أن استاذ القانون الدستوري سعيد والرئيس المنتخب سيتحول إلى دكتاتور. إلا أنه ليس صعباً البتة تخيل أن يعود الجهاز الأمني للإمساك بحيز أوسع من المعاش التونسي
المفارقة أن الموقف المتشكي من الدستور الحالي وليس فقط من البرلمان الحالي وما انبثقت عنه من حكومة هو موقف قاد الرئيس سعيد إلى الاستعانة بالفصل 80 لإعلان «الحالة الاستثنائية» إنما من خلال التجاوز على النص. فهذا الفصل لا يستقيم من دون تشكيل محكمة دستورية، مثلما أن تعديل الدستور يتطلب موافقة هذه المحكمة الدستورية، وهي لم تتشكل، إذ حالت دون قيامها الخلافات قبل وبعد وصول قيس إلى سدة الرئاسة. قامت كل معادلة دستور 2014 على أن المحكمة الدستورية هي المصفاة التي تتكفل بمعالجة أي التهاب في العلاقة بين رئيسي الجمهورية والحكومة، أو بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعلى أنها مرجعية مفصلية عند اللجوء إلى حال الاستثناء أو عند اقتضاء تعديل الدستور. أنيطت كل هذه الأدوار بها، ورغم ان البلد شهد انتخابات تشريعية ورئاسية حرة متتابعة بعد الثورة على بن علي، الا ان هذه المحكمة الضرورية للحفاظ على كل هذا النسق لم تتشكل، وقد يكون سعيد من جملة الذين يرون ان المشكلة ليست في عدم تشكلها، بل في دستور رحّل كل هذه المسائل العويصة والمصيرية إلى هذه المحكمة، فضاعف من المهام الملقاة على عاتقها بشكل مضخّم إلى درجة جعل تشكيلها غير متاح.
تعسّف سعيد حيال، ومن خلال، هذه المادة الواردة في الدستور، والتي لا تجيز له حل البرلمان فجمّده، مع انها تنص على العكس تماماً، بأنه في حالة انعقاد دائم طالما بقيت الحالة الاستثنائية. والتعسف هنا حيال المادة لا يكفي لاكتمال توصيف الانقلاب، لكنه يفتح المجال تباعاً لأحوال أكثر غلاظة، إنطلاقاً من إحالة نواب على القضاء العسكري، والسعي لحل المجلس إنطلاقاً من بت القضاء المدني في أمر التمويل الخارجي للانشطة الانتخابية. فاذا ترافق ذلك مع تضييق مساحة التعددية السياسية والحريات ولم تكن انتخابات تنافسية مبكرة في الأفق المتاح، جاز حينها القول ان التعسف في استخدام مادة من الدستور فتح الباب لكامل ممكنات علبة باندورا اللادستورية.
رغم كل شيء لم نصل في حال تونس إلى هنا بعد. إلا أن ما حصل إلى الآن كاف للشروع في إدراج قيس سعيد في ثلاثية موازية لثلاثية الرؤساء المنتخبين ديمقراطياً بالتصويت الشعبي الحر (مرسي، السبسي، سعيد).
يرتسم بالضد منها شبح ثلاثية يحاذر أن تضم قيس سعيد إلى كل من الجنرالين عبد الفتاح السيسي وخليفة حفتر. وإنه لفأل خير، رغم كل ما يوحي به المشهد الحالي من تشاؤم، ان ينتفض أكثر التوانسة حماسة لقرارات سعيد بل أكثرهم خصومة مع الإسلاميين، ضد كل مسعى لتشبيه سعيد بالسيسي وحفتر. هذا بحد ذاته جيد.
لكن العنصر الذي يشترك به سعيد مع المذكورين متوفر أيضاً: تبديد مسارات دستورية بدعوى أنها متصدعة ومترنحة. هناك في المقابل ما يختلف تماما عن السيسي وحفتر عنده: فهو أتى بشرعية شعبية منتخبة في اقتراع عام وحر، ويتواجه مع برلمان منبثق هو الآخر من صناديق الاقتراع.
في باله استعادة إناء الدستور القديم، مع مكتسبات مرحلة ما بعد الثورة، وليس إسناد السلطة للعسكر والأمن. بيد أن ما كل ما يشتهيه المرء يقترب من تحقيقه، وكثيراً ما يبعد. والسلطوية المديدة التي شهدتها تونس في ظل بورقيبة لم تكن لعسكري، بل لمدني ومحام. الديكتاتورية ليست حكراً على العسكريين فقط. أحيانا ننسى أن صدام حسين نفسه كان مدنياً، بالمعنى التقني، ولم يصعد من سلك العسكر، بل فرض عليه نفسه من فوق. مع ذلك، صعب للغاية تخيل أن استاذ القانون الدستوري سعيد والرئيس المنتخب سيتحول إلى دكتاتور. إلا أنه ليس صعباً البتة تخيل أن يعود الجهاز الأمني للامساك بحيز أوسع من المعاش التونسي، خاصة ان كان طموح قيس سعيد إلى جمهورية ثالثة تعوزه خارطة طريق.
وحتى الآن يظهر أن الطريق وعرة والرؤية ضباب.
كاتب لبناني
المقالة رائعة ?? و هي أعمق مقالة كُتبت على ما يحصل في تونس.
يسلّم الأيادي.
“… صعب للغاية تخيل أن أستاذ القانون الدستوري سعيد والرئيس المنتخب سيتحول إلى دكتاتور.”
تبريرات الديكتاتورية لاحصر لها, ” المصلحة العليا للوطن , تجنب الحرب الأهلية الخ ….” وأن الرئيس أستاذ قانون ليس الضامن. ثم لدينا ” دكتاتوريات ناعمة ” إن صح التعبير. لاداعي للقمع والقتل العلن للدكتاتورية وشبيهاتها. حالة تونس – برأيي- قد تأخد أي اتجاه , الأيام والشهور القادمة فقط تحمل الجواب. لاضمانات على الإطلاق, الضغوطات الخارجية قوية جدا ليس أقلها الإقليمية وربما الدولية التي لاهم لها إلا الاستقرار بأي وجه كان.
شكرًا أخي وسام سعادة. بالفعل الخوف ليس في أن يتحول قيس سعيد إلى دكتاتور لكن أنه لايملك خطة أو ربما لايملك الخبرة والحنكة السياسية ليضبط التطورات بعد أن أطاح عمليًا بالدستور قبل أن بكون جاهزًا لتقديم بديل. أنا أفضل النظام البرلماني على الرئاسي لكن يبدو أن أردوغان وماكرون والنظام الأمريكي كان له جاذبية خاصة على رجل القانون قيس سعيد، إلا أنه ومرة أخرى لايملك خطة واضحة للعمل وهذا يجعل فشل أستاذ القانون الضعيف الخبرة مبرمج مسبقًا. تونس لها تجربة جيدة حتى الآن وأعتقد أنها لن تذهب إلى لبنان آخر. لكن يعلم الله.