كان القذافي على حق… إكرام الجامعة العربية دفنها!

حجم الخط
23

رغم عيوبه الشخصية والسياسية الكثيرة، كان العقيد معمر القذافي صاحب نظرة صائبة عندما يتعلق بالمنظمات الدولية والإقليمية المخوَّلة حفظ أمن العالم واستقراره.
موقفه السلبي من الأمم المتحدة وإصراره الدائم على وجوب إصلاحها فيهما الكثير من الصواب، على الرغم من طريقته الفلكلورية في التعبير عن ذلك.
تمسكه ببناء اتحاد إفريقي يحمي بشكل ما حقوق الأفارقة وخيراتهم ينمُّ عن إدراك مبكر لحقيقة أن إفريقيا هي المستقبل والهدف المقبل. والدليل أن القوى الكبرى، أوروبا، الصين، أمريكا، روسيا وتركيا، تخوض حروبا شرسة صامتة من أجل موطئ قدم في هذه القارة اليافعة والغنية.
هجومه اللاذع على الجامعة العربية خلال العقد الأخير من حكمه وحياته يتأكد يوما بعد يوم أنه كان جرس إنذار مبكر وصريح، على الرغم (مرة أخرى) من «فلكلوريته» وغموض أهدافه في آنذاك.
اليوم يتأكد أن مطالبة القذافي بإصلاح الجامعة العربية تارة، وتهديده بالانسحاب منها تارة أخرى، كان أضعف الإيمان. كان الرجل يقول بصوت مرفوع ما يفكر فيه الآخرون في صمت وهمس.
احتاج هذا الكيان الكسيح إلى عشر سنوات فقط ليراكم هزائم وانتكاسات هائلة فاقت ما راكم منذ تأسيسه في ربيع سنة 1945.
في السنوات العشر الأخيرة أخفقت الجامعة العربية في كل الامتحانات. صمتت حيث ما كان يجب أن تصمت، أو أخذت القرارات والمواقف التي كان يجب أن تتخذ عكسها.
في العقدين الأخيرين أصبحت الجامعة العربية أداة في يد الأغنياء من أعضائها. والأغنياء ليسوا بالضرورة الأكثر حكمة وتبصرا. تواطأت وشجعت انتقال مركز الثقل العربي من مصر والدول الأعضاء الكبرى والمتوازنة، إلى دول صغرى لكن غنية، الثراء رصيدها ورأسمالها الوحيد.
هذا الانتقال كان مرفوقا بانحدار أوصل الجامعة العربية إلى ما هي فيه اليوم: مجرد نادٍ للدبلوماسيين المصريين العليلين والفاشلين، ومرتعا للبيروقراطيين اللاهثين وراء الريع والغنائم بلا جهد مقابل.
سياسيا، أصبحت مجرد هيكل بلا روح تحت التصرف المطلق للأثرياء من أعضائها، عاجزة عن الإدلاء بموقف علني من قرار بحجم إقامة دولتين عربيتين علاقات كاملة مع إسرائيل في تجاوز واضح للجامعة وتراثها السياسي.
لا شيء يفسر صمت الجامعة، القريب من التواطؤ، سوى كون أحد الأعضاء الأغنياء ضالع في هذا التطبيع. قريبا سيعلن السودان عن تطبيع مع إسرائيل، وستصمت جامعة الدول العربية، لكن السؤال سيكون: هل كانت الجامعة ستصمت لو أن الحكومة السودانية قررت إقامة علاقات مع إسرائيل من تلقاء نفسها ومن دون تشجيع ورعاية رسمية إماراتية وسعودية؟
أطالع صحف العالم بشكل يومي ومكثف. لا أذكر أنني قرأت خلال السنوات الخمس الأخيرة شيئا ذي بال عن الجامعة العربية. لا بالسلب ولا بالإيجاب. كأنها غير موجودة. أليس هذا دليلا على أن العالم نسيها أو أسقطها من اهتماماته؟

في السنوات العشر الأخيرة أخفقت الجامعة العربية في كل الامتحانات. صمتت حيث ما كان يجب أن تصمت، أو أخذت القرارات والمواقف التي كان يجب أن تتخذ عكسها

قبل أن ينساها العالم ويسقطها من حساباته، يجدر البحث في رأي الذي يُفترض أنها وُجدت من أجلهم، وموقفهم منها.
المغرب لا يشعر أنه معني بها، بدليل أن ملكه اشتهر بغيابه الدائم عن اجتماعات القمة التي تعقدها. الجزائر لا تعبّر بصراحة، لكنها لا ترتاح لأداء الجامعة ولكون مصر تحتكر قيادتها وحوّلتها إلى ملحقة بوزارة خارجيتها. ليبيا، بشطريها، لا تشعر أن الجامعة تقدّم لها شيئا. طرابلس لا تثق في الجامعة لمجرد أن مقرها القاهرة، وبنغازي تشعر بأن الجامعة لم تفدها في فرض مخططاتها السياسية والعسكرية. الأردن مجبر على الحفاظ على بعض التوازنات، ولولا ذلك لأقرَّ علنا بعدم جدوى الجامعة. سوريا تشعر بغدر الجامعة لها. السلطة الفلسطينية تخلت عن تحفظها وعن الحرج الذي لطالما كبّلها، ومواقفها في الأيام الماضية تقول الكثير عن رأيها في الجامعة. قطر لا تنتظر شيئا من الجامعة، ولم تتكلف عناء مخاطبتها عندما فرضت عليها أربع دول عربية حصارا محكما. الكويت تجبرها حكمتها المألوفة على الصمت. دول الخليج الأخرى، خصوصا السعودية والإمارات، مستفيدتان من شلل الجامعة الذي يخدم أطماعهما وسياساتهما، ومستفيدتان من كون الجامعة اليوم في قبضتهما.
كل شيء من حول الجامعة العربية تغيّر، إلا هي. صحيح أن هذه التغييرات فُرضت عليها، وبعضها فاجأها كما فاجأ غيرها، لكن أليس من المدهش أن كل ما شهدته المنطقة العربية في السنوات العشرين الأخيرة من أزمات وحروب وانقلابات وانقسامات، لم يحرك القائمين على الجامعة إلى لحظة تفكير أو تغيير؟
الأخطر في الأمر أنها لا تعي، أو ترفض أن تعي، أنها لا يمكن أن تواصل كما لو أن شيئا لم يحدث، وأنها أصبحت عبئا ثقيلا على نفسها وعلى الكل.
والآن، هل حقا لا يزال هناك متسع لاستدراك ما فات؟ لقد تأخر الوقت كثيرا وجرت مياه كثيرة من تحت الجسر. هذه الجامعة لم يعد ينفع معها إصلاح، بل مطلوب لها آخر العلاج: الكيّ. أصبح حلّها وتصفيتها ككيان مادي ومعنويا واجبا أخلاقيا وسياسيا في مصلحة الجميع.
الوضع الآن يتطلب التفكير في صيغة جديدة لكيان بديل عن جامعة الدول العربية. هناك تجارب ونماذج عبر العالم يمكن أن تكون مفيدة. من الأفضل أن يكون تحالفا اقتصاديا تتفرع عنه قضايا أمنية واستراتيجية، ويكون في مقدوره إدراك اشتراطات الواقع والتغييرات العميقة التي عاشتها وتعيشها المنطقة ومجتمعاتها. المسؤولية على عاتق مَن ساءهم ما آلت إليه أحوال الجامعة العربية. نجاح مسعاهم مشروط بألا يكون المبادرون إلى هذه الصيغة هم ذاتهم الذين يتحكمون اليوم في قرارات الجامعة ومصيرها، وإلَّا بقينا في المستنقع نفسه ولم نفعل شيئا.
العرب بحاجة إلى «قذافي جديد» يعلّق الجرس!

كاتب صحافي جزائري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول هيثم:

    الزعيم الليبي بدأ ناصريا قوميا لفترة قصيرة جدا ،مثل السوداني جعفر النميري. لم يعاصر عبد الناصر وهو في الحكم إلا سنة واحدة. لكن سرعان ما أخذ يخبط بأفكاره و ممارساته السياسية خبط عشواء. لنتذكر الحرب مع مصر في بداية عهد السادات و حماقات الكتاب الأخضر و الجماهيرية العظمى و حادثة لوكربي و اختطاف الإمام الصدر الشيعي و المواقف السلبية من المقاومة الفلسطينية و دعوة قادتها إلى الانتحار إبان اجتياح اسرائيل للبنان صيف 1982 و فكرة إسراطين و تسليح البوليساريو و الاتحاد الافريقي مع مغرب الحسن الثاني و الحروب في تشاد و قصص ملك ملوك إفريقيا…. الرجل أساء لكل القضايا التي خاض فيها.أخيرا لو كان يملك ضميرا حيا و عمليا لما وجدنا ليبيا الشقيقة تعيش في المآسي بعد وفاته.

    1. يقول المغربي_المغرب.:

      ليس دفاعا عن القذافي …اخي هيثم …ولكن من باب الانصاف فقط…حيث أنه اقفل نهائيا في منتصف الثمانينات ملف مايسمى بالبوليس اريو…وقال إن خلق كيان جديد في الخريطة العربية هو إضافة عنصر ضعف جديد… لأمة أساس ضعفها وتخلفها هو الانقسام وكثرة الكيانات…التي خلقها الإستعمار…والراجح ان تأييد القذافي في السبعينيات لربيبة العسكر..سببه تحايل بوخروبة وبوتفليقة…اللذان اقنعاه بأن ذلك سيفتح المجال للوحدة بعد الانتصار على النظام المغربي….وهو ماصدقه بسبب عاطفيته ونرجسيته المفرطة…ولعل موقفه الاخير الرافض لاستمرارية العبث الانفصالي …هو الذي جعل النظام الجزائري يقفل الحدود في وجهه..ويساهم في تسليمه لمخابرات ساركوزي…سنة 2011.

    2. يقول ليبي:

      يا استاذ هيثم. القذافي رجل وحدوي يعرف جيدا ان الدول القطرية لاتجدي في ضل توحد العدو و تغولهم و حاول ان يدخل في اتحادات مع الدولالعربية على مدى ثلاث عقود ولكن للاسف كان مصيرها الفشل لذلك اتجه الى الانحاد الافريقي. اما بخصوص الكتاب الاخضر فهو نظام حكم وضعي كاي نظام حكم اخر في العالم، اما بخصوص اسراطين وحل المشكلة الفلسطينة وتكوين دولة واحدة كان القذافي يعول على الزمن الذي سيكون في صالح الفلسطينيين ان شاء الله لانهم مع الزمن سيكونون هم الاغلبية واليهود اقلية واختياره لاسم اسراطين قد يتبادر الى عقول بعض الناس انه اسم مركب من اسرائيل وفلسطين ولكن الحقيقة ان الاسم من ( الاسراء) و ( الطين) اي ارض الاسراء لان فلسطين الارض التي اسرى لها صلوات الله وسلامه عليه. مع فائق تحياتي

    3. يقول ليبي:

      اضف الى ذلك يا اخي هيثم القذافي لم يكن يوما له مواقف سلبية مع المقاومة الفلسطينة بل بالعكس كان رحمه الله من اكثر الزعماء الداعمين للقضية الفلسطينة والشواهد كثيرة، فقد كان رحمه الله لايخاف في الحق لومة لائم ولايتبع الطرق الدبلوماسية او الكلمات والخطب الرنانة التي تخفي الكثير من الكذب التزييف ، بل كان صريح و يتكلم بالللغة التي يفهما المواطن العربي

  2. يقول المغربي_المغرب.:

    كثير من كلمات المرحوم معمر القذافي…اتسمت بالجراة والوضوح والصراحة…ومنها ..ان الجنس العربي سينقرض بسبب خنوعه…وحبه للكيد لبني جنسه….وكذلك قوله في مؤتمر القاهرة الذي خصص لشرعنة تدمير العراق….بان نهاية العرب يسطرها العرب بايديهم وهم فرحون…وقوله وهو على منبر الامم المتحدة….بان الاستعمار…ينتج الأوبئة…ويصنع الأدوية التي يبتز بها الشعوب…..!!!

  3. يقول السلطان المتمرد:

    كان الراحل معمر القدافي على حق رحمه الله جامعة الدول العربية لا قيمة لها لدى الشعوب العربية يجب تغير إسمها و تسميتها جامعة الدل والعار و التطبيع أصبح لزاما أن تطالب الشعوب العربية بحلها و تفكيكها عن بكرة أبيها لأنها تخدم الكيان الصهيوأمريكي في الدرجة الاولى عبر بيادقها من بطاريق الدول الخليجية العفنة

  4. يقول Kamal:

    لايوجد في العالم انسان سوي ولكن معمر القذافي وصدام حسين لا يوجد مثلهم في هذا العالم رحمهم الله

  5. يقول Ahmed Borzeiza:

    من لا يعرف حقيقة الأشياء الجميع يعرف فالعالم كتاب مفتوح خاصة لأهل السياسة وليست للقذافي أي ميزه بل هو العار كل العار انة لم يتصرف ويحدت تغيير بل رغم ثروات ليبيا و موقعها الجغرافي المهم لم يستطيع أن ينسي دولة بمعني الكلمة فلا اقتصاد قوي ولا تعليم متميز ولا قوة إقليمية يحسب لها ألف حساب ناهيك عن البترول الذي لم يجد لو بديل واستنزفة لا لشعبة بل ليقال انة موجود هذا المقال انبطاح من كاتبه والعودة للوراء رغم ما فيا من بعض تحجيم سالف الذكر المعتوه

  6. يقول دريد:

    الجامعة العربية عاجزة عن توحيد الارقام العربية حيث انها مختلفة في المشرق العربي غير التي يستخدمها المغرب العربي…انها جامعة عربية فاشلة بامتياز

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية