الناصرة – “القدس العربي”:
الحكم الجائر ضد محمد بكري وفيلمه “جنين جنين” يعكس اختلال ميزان العدل في المحاكم الإسرائيلية بعدما صارت تتساوق مع الموقف الرسمي في كل مسألة ترتبط بالصراع مع الفلسطينيين حتى لو كان المطروح عملا سينمائيا، فتسقط حرية التعبير ويتم تجاهل الوقائع على الأرض وتصبح الضحية معتدية.
وقتها شاهدت الفيلم وكنت على قناعة أن الفنان محمد بكري روى قصة حقيقية في فيلمه “جنين جنين” وربما اختصر. ببساطة حضرت هذا الفيلم مباشرة. وقتها شن جيش الاحتلال حملة “السور الواقي” على الضفة الغربية في 28.03.2002 ردا على العمليات التفجيرية التي نفذتها حماس داخل المدن الإسرائيلية وطالت مدنيين أيضا آخرها عملية تفجير داخل فندق “بارك” في نتانيا.
هاجم جنود الاحتلال المخيم في 03.04.2002 لكنه تورط داخله في حرب غير متكافئة حتى 19.04.2002 استشهد خلالها 56 فلسطينيا معظمهم مدنيون وأصيب 120 شخصا وهدم 600 بيت بالكامل داخل مخيم لا تتعدى مساحته 330 مترا مربعا وتعداده 16000 نسمة قاتل من شبابهم نحو 300 حامل سلاح بشراسة مقابل آلاف الجنود الإسرائيليين في المخيم وجنين ومحيطها. مقاومة هؤلاء بقيادة أبو جندل (ترك تسعة أطفال أيتاما) أدهشت الفلسطينيين أنفسهم والعالم ودفعت قائد الجيش شاؤول موفاز لعزل قائد الحملة على جنين، ولاحقا اعترفت إسرائيل بمقتل 23 جنديا وإصابة 150 جنديا خلال احتلال المخيم. طيلة شهر وأكثر مكثت في جنين ومنطقتها خلال “فتح المخيم واستباحة طفولته” وغطيت حملة “السور الواقي” لعدة وسائل إعلام في ذاك الربيع الأسود عام 2002.
خلال كتابة شهادة مع شخص من المخيم يدعى أبو إياد مر فتى بالرابعة عشرة من عمره فسارع أبو إياد لسؤاله: وين أبوك يا سمير؟ فأجاب دون أن يتوقف مكتفيا بإدارة رأسه نحونا: “لا أعرف.. سمعت أنه استشهد” ثم مضى في خطاه. هكذا بدت صورة الحياة بالنسبة لفتى في عمر الورد نتيجة الدمار والرماد الذي يغطي كل ما هو حوله. هو واقع الاحتلال الذي جعل الموت والحياة في تلك الأيام سيان.
عنقاء الرماد
أمام مشاهد تدمير المخيم وتحويله لركام بعد قصفه برا وجوا 24 ساعة في اليوم طيلة 23 يوما وثقت مأساته وملحمته في كتاب (عنقاء الرماد من جنين) قدم له الشاعر الراحل أحمد دحبور حينما كان في غزة بعنوان “الحديد والمغناطيس”. وأوردت في الكتاب فصلا عن أطفال المخيم الذين روعتهم المروحيات الإسرائيلية وهي تمطر مخيمهم بالصواريخ فعبروا بالكلمة والرسومات عن فاجعتهم.. وكنت ألتقي محمد بكري هناك وهو ينتج فيلمه ويوثق قصة مخيم جنين الذي يسكنه لاجئون من نحو 50 بلدة فلسطينية دمرت في نكبة 1948 في منطقتي حيفا والروحة.

احترت في اختيار أي مقطع من أي شهادة من شهادات أهالي المخيم فكافتها تروي الحكاية المبللة بالدمع وبعرق جهد شبابهم البطولي وهم يدافعون عن مخيمهم ببسالة لكن من سدد الثمن الموجع هم الناس العاديون المدنيون العزل. في شهادتها (02.04.2002 عند بقايا مدخل بيتها) ضمن الكتاب تقول السيدة هند علي حسين عويس (أم علي) من مخيم جنين وسابقا من بلدة السنديانة المهجرة في منطقة الروحة تحت عنوان “هددونا بطخ الولد إذا لم نترك البيت”.
وتعليقا على سؤال حول ما شاهدته عيونها خلال احتلال المخيم هزت أم علي برأسها وهي تقول بالعامية: “بدك دفترين تتخلص معي..” ثم تابعت: “لم أبرح المخيم منذ أن دخلوه فجر يوم الأربعاء وسيطروا على حي الساحة الذي يقع فيه بيتي. لقد دخلوا بيتنا بعد أن اقتحمه عدد كبير -أقدره بالعشرات- من الجنود المسلحين. في تلك الساعة كنت أنا وأطفالي وبناتي وأبنائي – 14 نفرا. بداية استيقظنا على دوي انفجار وتبين لاحقا أنهم حطموا قفل بوابة البيت بواسطته وفور اقتحامهم له أمروني بالعربية وبلكنة خواجات: “اطلع من البيت.. كلكو بطلع من هون..” ولما كان زوجي المقعد خارج البيت توجهت إليهم وأبلغتهم أننا غير مستعدين لمغادرته كي لا نصاب بقذائف الطائرات والدبابات التي سمعنا دويها في الخارج. لكنهم واصلوا صراخهم علينا ثم قام أحدهم بانتزاع حفيدي راتب عبد الكريم عويس ابن بنتي أميرة ابن العامين من أمه وصوب مسدسا نحو رأسه مهددا: “إذا لا تخرجي بطخ الولد..”.
وتابعت: “وعندها اندفعت إليه يشكل تلقائي لأخلص الولد منه فضربني بعقب المسدس في رأسي وقد امتزج صراخ الجنود ببكاء الأطفال الذين أصابهم الفزع فبكوا بصوت عال وسوية.. ومنهم من بحث عن الأمن بالهرب إلى تحت الأسرة.. وعندما دفعنا الجنود خرجنا عنوة وكنا نسمع أحدهم يصرخ: “برة… برة”. واصلت أم علي سرد روايتها وهي متوخية الدقة في تفاصيل ما رأته عيناها وسمعته بأذنيها: “دخلنا بيت جمال فارس أحد الجيران وعبر النوافذ كنت أراقب قيام الجنود باعتقال الشباب والرجال وهم يرفعون أياديهم فوق رؤوسهم لكن أفظع ما شاهدته في اليوم الثالث (يوم الجمعة) عندما قتل الشاب جمال محمود الصباغ الذي أطلقوا النار عليه هناك”، قالت مشيرة إلى نقطة تبعد عشرة أمتار من مدخل بيتها المحاذي للشارع، الزقاق المؤدي إلى الجهة الغربية من حي الساحة.
وأضافت: “عبر النافذة سمعت الجنود – أربعة أو خمسة – يطلبون منه خلع سترته لكنهم أردوه قتيلا برصاصهم لأنه يبدو أنه تأخر في تنفيذ أوامرهم. الرصاص أصاب وجهه وعنقه فسقط أرضا فقام أحد الجنود بأخذ غطاء من بيتنا ووضعه على جثة جمال وبعد ساعات من ذات اليوم انهارت واجهة بيت حسين الحاج راجح من الجهة الشمالية فطمرت الجثة تحت الردم وظلت هناك عدة أيام حتى انتشلها الشباب وقد كانت أشلاء حيث أن الجرافة الكبيرة داستها وقطعتها وكان صعبا التعرف عليه لولا بعض ملامح وجهه إضافة لتعرفي عليه وعلى الغطاء الذي كان الجنود أخرجوه من بيتي وغطوه به”.
وتعود أم علي للتحدث عن بيتها الذي بدا وكأن ديناصورا قد أطبق فكيه عليه فنهش نصفه فيما سلم نصفه الآخر وتقول: “بعد خمسة أيام لاحظت أن الدخان يتصاعد من إحدى غرف بيتي فخرجت من بيت جيراني وهممت بدخوله وأنا أصرخ نحوهم لكنهم زجروني وقالوا بالعبرية: “شيكت.. شيكت…” وغداة ذلك تركوا البيت بعد أن هدموه بالتفجيرات كما ترى بالرغم من عدم وجود مقاومة طبعا فزوجي كما قلت إنسان مقعد وكان خارج المخيم”.
إعدام قائد المخيم أبو جندل
وعن إعدام الجنود الإسرائيليين لقائد المخيم حسام كبها المدعو أبو محمد ومعروف بكنيته “أبو جندل” قالت أم علي التي كانت شاهدة عيان على الحدث: “فيما كان المخيم محتلا وأرجح أن ذلك تم في اليوم العاشر للاجتياح، كنت قد خرجت من بيت جيراني (الذي لجأت إليه) وتقدمت ببطء وحذر من بيت لبيت كي أجلب القليل من حليب الأطفال لابن ابنتي راتب من بيت أبو هزاع السعدي المجاور وهو صاحب دكان صغير. فجأة سمعت جلبة وتعالت أصوات الجنود ولما استرقت النظر إليهم كانوا نحو خمسين جنديا يقتادون شابا يلبس سترة سوداء وبنطال جيش وينتعل حذاء أسود رافعا يديه فوق رأسه والبنادق مصوبة نحوه. رأيتهم يضربونه بأعقاب بنادقهم ثم وثقوا يديه خلف ظهره وأعصبوا عينيه بشريط أبيض وأجلسوه على كومة من الردم الناتج عن هم بيت الحداء موسى الحافظ القديم وأطلقوا الرصاص عليه فعدت أدراجي خوفا. بعد ثلاثة أيام خفت حركة الجنود في محيط البيت فخرجت من جديد تمكنت من الاقتراب إلى جثة الشاب المذكور فشاهدت رصاصتين قد اخترقتا وجهه. وهناك أيقنت أنه أبو جندل فعدت مسرعة وأبلغت من كان في بيت جيراني لكنهم لم يصدقوا أقوالي في البداية غير أن رجلا يدعى سعيد حمدان وهو أحد جيراننا وكان معنا في البيت.. نجح بالاتصال بأهله في يعبد وأبلغهم بالأمر. في ذاك اليوم شاع نبأ استشهاد أبو محمد (أبو جندل) – حضرت دبابة وتوقفت بجانب جثمانه لمدة يومين”.

اختلاط بكاء الأطفال وصراخ الجنود
وتتابع أم علي قصة اغتيال أبو جندل الذي عرفته من قبل: “في 17.04.2002 في اليوم الذي حضر أحد أشقاء أبو جندل للمخيم لمكان استشهاده فوجدنا خصلة من شعره وقميصا مضمخا بالدم ثم رافقته لمستشفى جنين حيث جثمت شاحنة محملة بالجثث فشاهدت جثة قد أودعت في كيس قماش أبيض كتب عليه: “استشهد قرب “صالون أريج”. ولما كشفوا عن وجهه بدا محروقا ولم أصدق أن هذا أبو جندل. وفي هذه اللحظة وقبل أن يكملوا فتح الكيس طلبوا مني أن أتذكر تفاصيل الثياب التي كان يرتديها عندما شاهدته مقتولا في المخيم فأوضحت لهم ذلك ولما فتحوا الكيس وجدوا ثيابه مطابقة لما وصفت وعندها انحنى شقيقه على جثمانه وأخذ يقبله وهو يجهش بالبكاء”. وأضافت أم علي أنها شاهدت مصورا صحافيا أجنبيا يصور جثمان أبو جندل فوق ردم بيت الحداء، شاهدته (المصور) لاحقا على شاشة أبو ظبي.
وتعود أم علي بعد ذلك لتروي هول الحصار والجوع وأصوات الانفجارات التي اختلطت ببكاء الأطفال وعويل النساء الذين احتشدوا كلهم، 56 شخصا، في بيت جارها جمال فارس: “لو كانت هذه حرب دولة ضد دولة لما حصل الذي حصل هنا.. هذه أكبر من حرب عالمية.. قصف متواصل ليل نهار من الدبابات والطائرات حتى كاد الأولاد أن يصابوا بالجنون من الخوف والعتمة المطبقة فكنا لا نرى بعضنا إلا مع اللمعان الناتج عن انفجار الصواريخ وعندها كانوا يسارعون لصم آذانهم بأيديهم لتحاشي نفاذ دوي القنابل إلى مسامعهم.. أفعال الجنود تخلو من رحمة إنسانية.. قطعوا عنا الماء والكهرباء فكنت أخرج حاملة بيدي قنينة فارغة ألوح بها كي يفهم الجنود أنني أبحث عن الماء لكنهم أعادوني في أكثر المرات بها فارغة وهم يصرخون ويطلقون الرصاص من فوق رأسي لإرهابي. طيلة أيام الحصار كنا نعجل القليل من الطحين ونصنع بضعة أرغفة ونأكلها مع الزيت. هذا كل قوتنا مع قليل من الماء. أما بالنسبة للنوم فبعضنا ينامون على أرضية الدار والبعض الآخر ينامون جلوسا.. جوع وخوف ومرارة لم نتذوقها من قبل. الله ينتقم من شارون ومن زعماء العرب اللي تفرجوا علينا”.
وختمت أم علي بالقول: “لا تنس أن تكتب عن بطولة الشباب في مقاومة الجنود الإسرائيليين داخل المخيم”.
