لماذا أسس الجيش الإسباني فريق عمل لتقييم مخاطر المغرب؟

حجم الخط
17

تنهج الدول الغربية سياسة براغماتية ومنها، الاستعداد لمختلف السيناريوهات التي قد تقع فجأة ولو مع دول صديقة وحليفة، وهذا هو حال مدريد، التي رغم أن علاقاتها مع الرباط تمر بما يمكن اعتباره «شهر عسل دبلوماسي»، إلا أن القيادة العسكرية، في هذا البلد الأوروبي، تتابع التطورات العسكرية بدقة الى مستوى تشكيل مجموعة عمل لدراسة ما تعتبره «مخاطر المغرب على إسبانيا مستقبلا». والكشف عن هذا القرار يثير الكثير من التساؤلات.
وحتى بداية 2022، كانت العلاقات بين المغرب وإسبانيا متوترة جدا، فقد تغاضى المغرب عن دخول آلاف المغاربة الى سبتة المحتلة يومي 17 و18 مايو/أيار سنة 2021، وشنت إسبانيا حملة دبلوماسية ضد مصالح المغرب وسط الاتحاد الأوروبي، هذا الأخير الذي يشكل الشريك الاقتصادي والسياسي الأول لهذا البلد المغاربي. وجرى هذا التوتر على خلفية موقف إسبانيا من نزاع الصحراء، برفضها قرار ترامب في نهاية ولايته السابقة، الاعتراف بسيادة الرباط على الصحراء. وبعدها تحسنت العلاقات بين البلدين، وذلك دائما في ارتباط بملف الصحراء، أي تلك الرسالة الشهيرة التي أرسلها رئيس حكومة مدريد بيدرو سانشيز إلى الملك محمد السادس، يؤكد فيها أهمية الحكم الذاتي كحل مناسب لنزاع الصحراء.
منذ ذلك الحين، شهدت العلاقات تطوراً إيجابيا متصاعداً، في ظل اعتماد نهج استباقي لاحتواء المشاكل ومنع تفاقمها، بما يضمن الحفاظ على هدوء العلاقات الثنائية، كي لا تسقط مجددا في أزمة شائكة. ومما ساعد على تفاهم أكبر هو أن علاقات المغرب مع فرنسا كانت متوترة، ووجد في إسبانيا العوض، والسيناريو نفسه في حالة إسبانيا مع الجزائر. وفي هذا السياق، تلتزم حكومة سانشيز بعدم الاحتجاج على المغرب في ملف الهجرة، على الرغم من استمرار تدفق القوارب، مركزةً على تعزيز التعاون لمواجهة هذه الظاهرة. ومن جانبها، تفضّل الرباط الصمت تجاه بعض التصرفات، التي كانت تعتبر استفزازية الصادرة عن الجانب الإسباني، من بينها زيارات عدد من الوزراء الإسبان إلى مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين، ومنها زيارة رئيس الحكومة بيدرو سانشيز إلى مليلية الاثنين من الأسبوع الجاري. ولعل العنوان البارز لتحسن العلاقات هو ارتفاع التبادل التجاري بين البلدين، لتصبح إسبانيا أول شريك تجاري للمغرب بدل فرنسا، وهذه الأخيرة ضمن الثلاث الأوائل لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي. لكن هذا لا يمنع من تبني الحذر، خاصة من الجانب الإسباني، أو على الأقل لا تخفي إسبانيا هذا الحذر، فميزة الديمقراطية التي تعيشها تجعل الفاعلين السياسيين يتعاطون كل الملفات بكل حرية. وهذا من مميزات الدول الغربية، التي تسمح بنقاشات حقيقية حول مستقبل البلاد، ومن مظاهر ذلك الدراسات الجيوسياسية المتقدمة في الغرب وشبه المنعدمة في العالم العربي مع استثناءات قليلة.

تؤكد البراغماتية السياسية، التي يتميز بها الفكر الجيوسياسي الغربي، الذي يستعد لما قد يحمله المستقبل ويترك للسياسيين التصريحات البروتوكولية ذات الطابع التصالحي والتوافقي

في إطار هذا الحذر وحرية الدراسات الجيوسياسية، تزخر إسبانيا بتقارير حول مستقبل العلاقات بين هذا البلد الأوروبي والمغرب، وهي من نبرات مختلفة بين التشاؤم والتفاؤل والواقعية، وهذا يشمل المؤسسة العسكرية. وهكذا، فقد قررت هيئة الأركان العسكرية الإسبانية تأسيس مجموعة عمل أو فريق عمل لتدارس المخاطر التي يشكلها المغرب على إسبانيا حاليا وفي المستقبل. وكانت جريدة «آ بي ثي» المحافظة والقريبة من الجيش هي السباقة إلى الحديث عن الموضوع وتخصيص افتتاحية له خلال الأسابيع الأخيرة «مجموعة عمل مناسبة وضرورية»، واحتجت على محاولة جهة ما في وزارة الدفاع عرقلة تأسيس هذه المجموعة، بحجة أن الحكومة لم تأمر بها. هذا النوع من الدراسات يوجد دائما سواء لدى المخابرات أو الجيش في إسبانيا، لكن أن يرقى الى تأسيس فريق عمل مهمته هي الانكباب على إنجاز دراسة مفصلة، فهذا يثير التساؤل ولو نسبيا. ويتزامن قرار هيئة الأركان العسكرية وارتفاع نسبة المقالات والتحاليل العسكرية حول المغرب وانتشال الأحكام المسبقة التي تعود الى الماضي للحديث وتضخيم «الخطر المقبل من الجنوب»، أي من المغرب. ونجد ضباطا من رتبة جنرال في الاحتياط، يتهمون المغرب بشن حرب هجينية صامتة ضد إسبانيا، مثلما جاء في كتاب «طبول الحرب» للأميرال خوان رودريغيث غارات، منذ شهور، حيث كتب «يمكننا أن نرى بدايات حرب هجينة، بدءا مما حدث في جزيرة ثورة (2002)، مثل التلاعب بالهجرة أو المطالبات بشأن سبتة ومليلية». في الوقت ذاته، تثير المناورات العسكرية الإسبانية في سبتة ومليلية الكثير من التساؤلات والريبة. ونجد بعض العوامل التي تفسر هذا القلق الإسباني، لاسيما بالنسبة للعسكريين الذين لهم هواجس الأمن القومي، ولا تخضع رؤيتهم للأحداث لرؤية ومقياس السياسي والدبلوماسي نفسها. ومن ضمن هذه العوامل نجد:
في المقام الأول، تعتبر المؤسسة العسكرية الإسبانية، المغرب مصدر الخطر الدائم، على الرغم من فترات الحوار والتفاهم مثلما هي الحال الآن، إذ أن تاريخ البلدين يؤكد، أن غالبية حروب إسبانيا وطيلة القرون الأخيرة كانت مع المغرب بالدرجة الأولى.
في المقام الثاني، تتفوق إسبانيا على المغرب في التصنيف العالمي لقوة الجيوش. ووفقاً لأحدث تقرير صادر عن أحد المعاهد المتخصصة، جاءت إسبانيا في مرتبة متقدمة 17، بينما حلّ المغرب في مرتبة متأخرة نسبياً وهي 59. غير أن خبراء الشؤون العسكرية يرون أن هذا التصنيف قد يكون مضللاً إلى حد ما، نظراً للتغيرات العميقة التي طرأت على طبيعة الحروب الحديثة، وكذلك بفعل أهمية بعض أنواع الأسلحة المتطورة التي تخلق التوازن النسبي مثل المسيرات. لكن القلق الإسباني يعود الى ظاهرة تشعر بها غالبية الدول الغربية وهو تقدم دول أمم الجنوب مثل تركيا والجزائر ونيجيريا وتركيا والمغرب وباكستان في التسلح الأمر الذي يكسر الردع الذي انفرد بها الشمال طيلة القرون الأخيرة.
قرار المؤسسة العسكرية بإنشاء مجموعة عمل لتقييم المخاطر المقبلة من المغرب، على الرغم من العلاقات التي تمر بفترة حوار، تؤكد البراغماتية السياسية، التي يتميز بها الفكر الجيوسياسي الغربي، الذي يستعد لما قد يحمله المستقبل ويترك للسياسيين التصريحات البروتوكولية ذات الطابع التصالحي والتوافقي.
*كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول مسلم:

    عندما كان العرب تحث راية الاسلام وصلت جيوشهم الى حدود فرنسا و لكن عندما قرر العرب ان يتخذ كل واحد منهم رايته صاروا على ما هم عليه الان من تشرذم فكل ما في الامر ان بومدين ترك جرحا في المنطقة المغاربية و كل من اراد موقفا او بيع سلاح او ثروات بثمن بخس ما عليه سوى الضغط على ذلك الجرح حتى يتالم اما المغرب او الجزاءر و التي اغلقت جميع الابواب و صرح زعماءها ان جميع الامور مع المغرب قد وصلت الى الباب المسدود عكس الامور مع فرنسا التي رغم انها فعلت ما فعلت فيجب ان يبقى باب الحوار معها مفتوحا

    1. يقول عبدالقادر بوعلام:

      تعليق صائب و مفيد، شكرا

  2. يقول غزاوي:

    مجرد تساؤل (1)
    كيف تتصدى الجزائر لمكائد أعدائها، وما أكثرهم من الغرب والعرب !!!؟؟؟
    جاء في المقال ما نصه:
    “تنهج الدول الغربية سياسة براغماتية ومنها، الاستعداد لمختلف السيناريوهات التي قد تقع فجأة ولو مع دول صديقة وحليفة، وهذا هو حال مدريد” انتهى الاقتباس
    لكن الكاتب ينتقد الجزائر عندما تنتهج “السياسة الغربية البراغماتية” وتصدر قانون التعبئة العامة، وينتقد جيشها عندما يجري مناورات وطنية بدون مشاركة أجنبية، حيث نشرت له “القدس العربي” مقالا يوم:26/05/2025، تحت عنوان:” تفاقم الأزمات وتعدد جبهات المواجهة يدفع الجزائر إلى الإعداد للتعبئة العامة تحسبا للأسوأ”، جاء فيه ما نصه:
    “إذ من طبيعة العسكر في العالم استحضار سيناريوهات الأزمات والقلق تحسبا لوقوعها أكثر من سيناريوهات السلام. لهذا رغم فترات السلام، تستمر المؤسسات العسكرية في شراء الأسلحة وإجراء المناورات” انتهى الاقتباس
    لكل دول العالم الحق في التسلح وأجراء المناورات المشتركة حتى مع الصهاينة، ومحرم ذلك على الجزائر، حتى تبقى لقمة صائغة لخصومها، وسهلة الابتزاز.

  3. يقول ابن المغرب:

    المغرب مزال لحد هذه الساعة يواجه عواقب فتح الاندلس لوحده منذ قرون مضت حارب لوحده ومزال يحارب لحد هذه الساعة منذ سقوط الاندلس الى هذه الساعة كنا نتعرض لغزوات الاسبان والبرتغالين وجميع من كان تحت حكم البابا عوض ان يكون هناك اتحاد ومساعدة للمغرب كنا نتلقا غزوات من العثمانين وما اقرب الامس باليوم فنحن نشاهد الدولة الجارة تحاول ان تقسم المغرب الى دويلات نريد فقط ان نوضح لجميع العرب ان ما وصل له المغرب الان من تقزيم في مساحته كان بسب خوفهم من ان يرجع المغرب الى عهده وقوته في الاخير قبل ان تحكم على فقدان المغرب لبعض جزره ومدنه عليك ان تراجع التاريخ وعليك

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية