أحمد منصور في الذكرى الخمسين لثورة تموز/يوليو المجيدة عام 2002 كرمتني أرض الكنانة بدعوتي للمشاركة في هذه المناسبة العامرة ..كنت أتمشى بالصدفة أمام نادي الجزيرة في الزمالك فإذا بي أمام شاب في الثلاثين أو أكثر فاستوقفته قائلاً: أتسمح لي بسؤال؟ أجاب: تفضل قلت: هل برأيك مسح الرمل والنسيان عبد الناصر في هذا البلد؟ أجاب: اسمع يا أستاذ: ‘إن زعيماً حسابه كان جنيهاً يتيماً في دفتر التوفير عندما مات، سيبقى يقيم في الأحداق والأسماع بمصر مليون سنة على الأقل’. عبد الناصر أمةٌ تجسدت في رجل حملها حمل سيزيف صخرته التي فصلته عن الدنيا وما انفصل عنها. حوالي أربعة عقود رسم فيها بضوء عينيه وبكده وعــــرقه ودمهِ، نهجاً عملانياً استخلصه من روح مصر والعرب التي تسري في حنايا التاريخ والأرض ومن التجربة التي قد تصبح نظريةً فيتبعها أو خطأ يرتد عنه .لقد مات الجسد إنما فلسفة الرجل مسيرة على الأرض ما زالت حية ولئن عراها بعض الغبار وغشيها الصدأ مع الزمن. فأي زعيمٍ عربي ماردٍ قادم لن يخرج عنها بل سيجلوها لتصبح أشد ضياءً وسطوعاً مع مراعاتهِ المستجدات. من هنا سيظل عبد الناصر بين كبار الكبار ممن حكموا في هذا العالم، رغم التعتيم الخبيث المدروس من زعماء آخر زمان. إني من الذين شرفهم القدر بإحياء تراث هذا الرجل الذي لم ولن يترمد منذُ أربعين عاماً. لقد كنتُ أُقنِعُ حتى خصومه في الدولةِ المصرية للاحتفاء بذكراه. وهذه المرة خشيتُ من تناسيه في ذكراه الأربعين فطرحت الفكرة على المستشارة الثقافية الدكتورة كاميليا صبحي والدكتور محمود اسماعيل مدير المركز الثقافي في سفارة جمهورية مصر العربية بمدينة النور (باريس)، فما كان منهما إلا أن فعلا المستحيل، ولم يكتفيا باحتفال مسائي واحد بل خصصا عشرة أيام: من معرض لصور الزعيم، إلى افتتاح شعري لأحمد منصور مؤلف ملحمة ‘السمفونية الخالدة جمال عبد الناصر’، إلى محاضرةٍ لابنة القائد البارة الدكتورة هدى، إلى أفلام عن حياة الرئيس وتشييعه، وأفلام عن الثورة، ومحاولة استقدام ثلاث شخصيات مصرية معروفة لتقييم دور الزعيم حالت البيروقراطية والسياسة دون وصولهم، ناهيكَ عن مشاركة صحافيين فرنسيين عايشوا الزعيم، كذلك إلى استقدام فرقة موسيقى لعزف وغناء أغنيات الثورة والوحدة العربية وتلك المرحلة الحافلة. أعطى حضور الدكتورة هدى زخماً ملحوظاً للعشرية فأظهرت للجمهور (الذي غطى المكان والذي كان فيه عرب من معظم الأقطار العربية وكذلك عدد كبير من الفرنسيين) تفانيها في خدمة والدها وذلك بطبعِ خطبه وتوثيق رسائله ومقابلاتهِ في التلفزيون منجزةً أفلاماً تختصرُ في ساعةٍ مئات الساعات وكذلك صفحات الجرائد مركزةً على تفرغها الممتع بهذا العمل الأكاديمي وهي لم تستسغ العمل السياسي الذي يستلزمُ المسؤوليةَ والتضحية والتي عرفتهُ سنةً بجانب والدها قبل استشهاده. إنها لم ترد ما ارادتهُ ابنة نهرو أو ابنة جان ماري لوبين وما أرادت أن توجه أية رسالة كابنة عبد الناصر إلى محبي عبد الناصر، فأي إنسان يريد أي شيء عن عبد الناصر بإمكانهِ أن يجده في الحاسوب: موقع ناصر فعبد الناصر ليس من أهل الخفاء بل من أهل العلانية. إن غايتها التي لا تحيد عنها هي حصر تراث والدها بالكامل في معهدٍ أو بيتٍ باسمه، وهذا قيد الإنشاء حالياً في العاصمة. كانت مداخلتها بعنوان: ‘أربعون عاماً على الرحيل’ جسدت فيها كل ما فعلتهُ وكل ما عانتهُ بغياب والدها العملاق. لقد كشفت عن بعض ما كان والدها يفكر فيه وينفذهُ فبالنسبة للقضية الفلسطينية كان حريصاً عليها أكثر من أهلها فمنها انطلق وفيها لفظ آخر أنفاسه وهو الذي شرع التعليم المجاني لأهل غزة في مصر وكذلك التملك والعمل.. وهو الذي رفض الوحدة المتسرعة مع دمشق مرتئياً تأجيلها إلى خمس سنوات إلا أن خلافات السوريين بين بعضهم البعض ورطته في القبول بها والذين وصلوا هم الذين فصلوا وزعزعوا وضع عبد الناصر ولم يـرد ضرب الانفصال عـن طريـق الجيش، ‘فالوحدةُ هي إرادةٌ شعبية لن أرضى أن أحول الوحدة إلى عمليةٍ عسكرية ‘ هذا الكلام قاله إثرَ الانفصال في 28/9/1961. وفي رده على المثقفين قال متهكماً: المثقفون يفكرون … أستطيع استرجاع سيناء ولكن هل يدرون الثمن؟ كمرور إسرائيل في قناة السويس والاستقالة من دورنا العربي ونسيان القدس والقضية الفلسطينية .كان يطلب منا ان نعيش كسائر المصريين وأن ندرسَ في المدارس المصرية وأن نحافظ على محتويات البيت الذي نسكنهُ لأنهُ تابعٌ للدولة وليس ملكنا. وقد عادت إليه الابتسامة بمؤتمر اللاءات الثلاث في الخرطوم في السودان الذي يعتبرهُ جزءاً من مصر، وقد رد إليه الأمل والثقة.. وأن والدها يفصل بين السياسي والشخصي فقد ذهبَ إلى الفندق لزيارة الملك سعود المريض الذي انتهى دورهُ كسياسي. واختصرت تاريخ والدها في فيلم زاد عن الساعة اسمه ‘ناصر رمز الحلم العربي’ أسر الأفئدة وأدمعَ الأعين. انتقلت العشرية إلى ناصر وفرنسا: فافتتح الباحث العراقي المقيم في فرنسا الدكتور وفيق رؤوف الحوار مركزاً على أنهُ عاش المرحلة وهو بمثابة ابن لعبد الناصر لا يستطيع أن يكون موضوعياً في وصف عبد الناصر بحرب لا مفر منها بين الشرق والغرب وعبد الناصر على الصعيد الداخلي هو ضد الأصولية والشيوعية .. إنهُ قومي علماني. انهزم عبد الناصر عسكرياً في معركة السويس 1956 ولكنه انتصر سياسياً ساحباً البساط من تحت أقدام فرنسا وبريطانيا كقوتين مسيطرتين على المنطقة، واعتبر أن عبد الناصر مات مرتين مرة في هزيمة 1967 والثانية في هزيمة المقاومة الفلسطينية داخلياً عام 1970. لم يعطِ الدكتور وفيق حرب الاستنزاف 1967 – 1970 حقها الموضوعي الكافي تلك التي كانت حرب مقاومةٍ بامتياز خلخلت إسرائيل وكلفتها الكثير، كما أعطت النموذج لما تلاها في العالم العربي والعالم وهي التي تتوجت بحرب تشرين الاول/اكتوبر 73. ولم يشر لقيامة عبد الناصر الأسطورية في رفض مصر للهزيمة وفي تشييعهِ الفريد. رحبَ بزميليه الفرنسيين الصحافيين لافتاً انتباه الحاضرين بوصفهما بالأسدين العريقين. أعطى الكلمة لجان لاكوتير الذي كان يشكو لي ضعفَ ذاكرتهِ الزاحف فخفتُ عليه، إلا أنهُ قامَ بمداخلتهِ الجياشة من دون أيةِ أوراق فكانت عيناه عيني نمر بالفعل تتطاير أمامهما كلماتهُ المتدفقة كالرشاش، فهو أول من كتب كتاباً عن عبد الناصر وهو الذي كان يتمرد أحياناً على تعليمات رؤوساء التحرير الذين يطلبون منهُ تزوير الأحداث كوصف المهاجم بالمدافع وقد كانت تنتفض كلماتهُ أعجاباً بعبد الناصر وأطراءً لعبقريتهِ. لقد كان ناصر يقوم معهُ بدور الصحافي السائل فيقلب الأدوار ويعتقد لاكوتير أنهُ كان يتكلم أقل منه فشكا ذلك لزوجته التي شهدت له بالعكس .أما مسك الختام فكان الذي لا ينقصهُ الذكاء ولا الدهاء ولا البداهة الكاتب بول بلطا فعالجَ الموضوع على الصعيد الدولي بين فرنسا ومصر وكذلك على الصعيد الشخصي. فقد مرت برأيه العلاقات بين البلدين في مراحلَ ثلاث: الأولى: امتازت باعجاب ناصر بالثورة الفرنسية وتقديره للدور الذي لعبتهُ حملة نابوليون في مصر .الثانية: اتصفت بالتدهور حتى القطيعة بين البلدين بسبب حرب السويس التي شاركت فيها فرنسا إلى جانب انكلترا وإسرائيل. الثالثة: التصالح الذي نتج إثر عودة ديغول إلى السلطة عام 1958. لقد غدت العلاقات وديةً بسبب حرب الأيام الستة عام 1967 حيثُ أعلنَ ديغول موقفهُ سلفاً بأنهُ سيكون ضد المعتدي. لقد كان من المنتظر أن يكون مانشيت ‘فرانس سوار’: ‘مصر تهاجم إسرائيل’. فبناءً على اقتراح بول بلطا أصبحت: ‘الأسوأ وقع، إنها الحرب بين إسرائيل والعرب. ‘لقد بدأ القصف’ وأخذنا ننقلُ فيما بعد موضوعياً رواية الطرفين. في السابع من حزيران/يونيو حللتُ الوضع مشيراً إلى أن إسرائيل هي التي هاجمت. وهذا ما أعطاني موقعاً متميزاً في أعين الجنرال ديغول الذي دعاني إلى قصر الأليزيه في 14 تموز/يوليو حيثُ قال لي: أنتَ صحافي جيد. أقدر معرفتك للعالم العربي. سأراك في مناسبة أخرى قالها أمام الجميع. وفي المرة التالية توجه إلي قائلاً: إني سعيدٌ بمشاهدتك من جديد وأضاف هذا الصحافي هو من أهم المختصين في شؤون العالم العربي والاسلامي وتابع قائلاً: ‘إسرائيل شعب النخبة الواثق المسيطر نراها تنظم الاحتلال على الأرض التي استولت عليها إنها لن تستطيع ذلك من دون القمع والاضطهاد والطرد. سينتج عن ذلك مقاومة ستصفها إسرائيل بالإرهاب، إنها النبوءةُ الديغولية. هناك نقطةٌ اتفق عليها الثلاثة، وهي أن الصحافيين الفرنسيين الذين يتعاطون الشؤون العربية معظمهم أي خمسة وثمانون بالمئة منهم لا يعرفون العربية وهذا يزيد السوء سوءاً في العلاقات بين العرب والفرنسيين. كما اتفق الثلاثة على أن الصهيونية تسيطر على الإعلام الفرنسي والتعليم الجامعي والثقافة وهذا ما يعطل إيقاع الديمقراطية الحقيقي في بلد لويس الرابع عشر وديغول ويمنع التواصل الحضاري الفعلي بين فرنسا والعرب والعالم. ‘ كاتب لبنانيqmdqpt