عاموس هرئيل
إذا فكرت جيداً سيكون الأمر على ما يرام. لا يكتفي ترامب بفرض رغبته على “القدس” [تل أبيب] وعلى حماس في محاولته لإنهاء الحرب في قطاع غزة. كعادته، أعلن حرباً ضروساً على الوقائع نفسها. يقارن التفاهمات الجزئية، المليئة بالتحفظات، مع الخطة التي عرضها في بداية الأسبوع كبشرى جيدة، ويتقدم نحو تطبيق صفقة المخطوفين – ويفترض أن لا أحد سيتجرأ على وقفه. في الخلفية توقع قرار الموظفين النرويجيين الخمسة: ترامب متحمس للفوز بجائزة نوبل للسلام، التي سيعلن عن هوية الفائز فيها يوم الجمعة.
لقد وُجد هنا تشابه ما في ظروف الطرفين: في الرأي العام الإسرائيلي، ويبدو أيضاً في أوساط الفلسطينيين في غزة. يبدو أن هناك تأييداً جماهيرياً واسعاً للاتفاق الذي قد ينهي -على الأقل لفترة ما- سفك الدماء. ولكن القيادات فيهما تخاف من الصفقة؛ لأن إنهاء الحرب قد يضر بمكانتهم الداخلية ويلزم بتقديم حساب على أفعالهم. كما سيكشف الفجوة بين الوعود التي نثراها أثناء الحرب وبين الإنجازات الحقيقية. هنا تدخل للصورة قوة الطبيعة التي اسمها ترامب. بعد أحداث الأسبوع الماضي، من الواضح أنه يريد انتهاء هذه القصة، ولتذهب التفاصيل إلى الجحيم. هكذا عدنا إلى لعبة الاتهامات المعروفة من المفاوضات حول صفقات سابقة خلال الحرب. نتنياهو ورؤساء حماس، يحذرون من عدم الظهور أمام ترامب كمن أفشلوا الاتفاق.
الجمعة بعد الظهر، نشر ترامب إنذاراً آخر لحماس، في إطاره طلب رد إيجابي على اقتراحه حتى مساء الأحد حسب توقيت إسرائيل، وهدد مرة أخرى بفتح باب جهنم على غزة إذا تم رفضه. حماس لم تنتظر، بل سارعت إلى الرد خلال بضع ساعات. وكما هو متوقع، كان الجواب “نعم ولكن” – بيان إيجابي لكنه مليء بالتحفظات التي تحمل دلالات على اقتراح ترامب. لقد أرسلت لحماس في هذه الأثناء رسالة أمريكية بواسطة القطريين: صيغة بعض بنود الخطة ما زالت مفتوحة للمفاوضات، شريطة التقدم. في الغد، يتوقع استئناف المحادثات غير المباشرة بواسطة الوسطاء من مصر وقطر والولايات المتحدة في القاهرة.
على الفور، رحب ترامب برد حماس، وأعلن أن الطريق فتحت لاتفاق، ومنع نتنياهو من مواصلة الهجمات في غزة. وتلقى رئيس الأركان إيال زمير في ساعات المساء المتأخرة توجيهاً صريحاً من المستوى السياسي، وبالأساس من الأمريكيين: نشاطات الجيش الإسرائيلي في القطاع ستقلص إلى الحد الأدنى، وستتركز القوات على الدفاع. لفترة ما يمكن أن تتطور مشكلة عملية هنا؛ فقوات الجيش الإسرائيلي في عمق أحياء غزة، وقد تكون مكشوفة للضرب.
هذه ليست نهاية القصة بالطبع. في رد حماس ثقوب لا تقل عما هو موجود في اقتراح إدارة ترامب الأصلي. حماس في الواقع، أعلنت عن استعدادها لإطلاق سراح جميع المخطوفين، لكنها لم تتعهد ببذلك في غضون 72 ساعة كما طلبت الولايات المتحدة، بل دعت إلى إجراء مفاوضات حول التفاصيل. ولم تعلن أيضاً عن موافقة صريحة لنزع سلاحها، وهي في الواقع مستعدة لنقل السلطة إلى جهة أخرى لكنها تحدثت عن هيئة فلسطينية، وليس عن جهاز سيطرة عربي – دولي، كما اقترح الأمريكيون.
بعد الانتقاد الذي وجه لنتنياهو في الفترة الأخيرة إزاء اتفاق الدفاع بين الولايات المتحدة وقطر – نتيجة أخرى لقرار عبقري بقصف طاقم مفاوضات حماس في الدوحة – بدأت كالعادة حملة مضادة من الأبواق التي استهدفت توضيح أن كل شيء في الواقع يتقدم حسب الخطة. نتنياهو وترامب، كما قيل، ينسقان كل شيء معاً، وسيتبين قريباً ومرة أخرى عظمة رئيس الحكومة عندما سيصادق له الأمريكيون على إرسال الجيش الإسرائيلي للهجوم الأخير على كتائب حماس في مدينة غزة.
سياسياً، يفضل نتنياهو استمرار الحرب كما يبدو. ومن الأفضل -كما يرى- أن ترتكب حماس خطأ، ثم يستأنف الجيش الإسرائيلي الحرب الخالدة في قطاع غزة بدون أن يطلب منه إطلاق سراح مئات القتلة الفلسطينيين من السجون وتعريض تحالفه مع أحزاب اليمين المسيحاني لأي خطر. نجح نتنياهو في إقناع ترامب بالسير معه في مفترقات الطرق السابقة كلها، لكن الرئيس في هذه المرة، رغم تهديد حماس، بدأ يتشكك في احتمال أن تحقق إسرائيل نصراً عسكرياً سريعاً في غزة.
إذا كان ترامب مصمماً على التوصل إلى اتفاق، وسيواصل وبحق استخدام ضغط شديد، فسيجد نتنياهو نفسه للمرة الأولى داخل مأزق: صفقة وعودة المخطوفين، وإنهاء الحرب. لأول مرة منذ كانون الثاني، ثمة زخم إيجابي نحو اتفاق محتمل. ويعود الفضل في ذلك بشكل كبير إلى تصريحات الرئيس الحازم. وخروج مئات آلاف الإسرائيليين إلى الشوارع مساء أمس سيعزز موقفه. ترامب كما تبين من تصريحاته، الإثنين الماضي، يتأثر جداً بأي بادرة كهذه.
هآرتس 5/10/2025