مبدأ السيادة الوطنية يلعب دورا محوريا في تحقيق الهدف الأسمى الذي قام عليه ميثاق الأمم المتحدة، وهو حفظ السلم والأمن الدوليين. هذا المبدأ يزداد أهمية، مع فقدان دول كثيرة القدرة على الحفاظ على النظام العام والاستقرار في الداخل، وحماية سيادة الدولة ووحدتها الترابية من التهديدات والأطماع الخارجية. في الأثناء، دول عديدة تعيد ترتيب حساباتها الاستراتيجية اليوم في ظل التوازنات الدولية التي تتجه نحو التغير.
المعسكر الذي تقوده روسيا والصين عسكريا وسياسيا واقتصاديا يبحث عن وضع حد للإهمال الدولي، ويُخضع الوضع العالمي لإعادة التفكير. وما عبر عنه الرئيس بوتين خلال الجلسة العامة لمنتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي في 17 حزيران/يونيو الفارط هو في صميم هذه الواقعية الجيوسياسية العالمية الجديدة عندما قال بوضوح: «إن العالم متعدد الأقطاب أمر لا مفر منه، وأولئك الذين يتشبثون بقيادتهم العالمية الوهمية مهما حدث يرتكبون خطأ فادحا».
في أواخر الخمسينيات صُدمت أمريكا بالتفوق التكنولوجي للاتحاد السوفياتي الذي أطلق أول قمر صناعي وأرسل أول إنسان إلى الفضاء. ومنذ ذلك الحين والولايات المتحدة تراهن على عدم فقدان مركز التفوق التكنولوجي. ومعركتها مع الصين وروسيا يعززها منطق الإبقاء على السيطرة التكنولوجية. وما يحدث من عقوبات أمريكية تجارية، وإصرارها على تغيير حلفائها لغة خطابهم مع خصومها، وتحديدا بكين، ينسجم مع رغبات واشنطن في تطويع الأسواق أمام الشركات الاستثمارية الأمريكية واستعادة تفوقها الاقتصادي والمالي. فالهاجس الأمريكي يكمن في خلق فرص دائمة للاستثمار، وإن كان ذلك بإشعال الحروب وتدمير البنية التحتية للدول، من أجل السيطرة على تدفقات المال والأعمال وتوطين الشركات الأمريكية فيها، وتمرير صفقات السلاح. وليس مستغربا أن تتهم إيران المخابرات الأمريكية وجهاز الموساد بتأجيج نار الاحتجاجات في طهران، في مشهد آخر لما يسمى إشراف واشنطن على الثورات الملونة. والذي أكدته «فورين بوليسي» منذ عام 2013، من خلال نشرها لمقال تضمن الحالات المؤكدة لحملات الانقلابات التي قامت بها سي أي إي، مع دلائل بوثائق حكومية، تضمنت غواتيمالا عام 1954، وجمهورية الدومينيكان عام 1961، والبرازيل عام 1964، وتشيلي عام 1973. وبالإضافة إلى الحملات المباشرة لتغيير الأنظمة السياسية، تدخلت الولايات المتحدة في الانتخابات الوطنية لدول أخرى، بما في ذلك اليابان في الخمسينيات والستينيات ولبنان عام 1957.
المعسكر الذي تقوده روسيا والصين عسكريا وسياسيا واقتصاديا يبحث عن وضع حد للإهمال الدولي ويُخضع الوضع العالمي لإعادة التفكير
دراسات ذات صلة تثبت بأن ما لا يقل عن 81 تدخلا علنيا وسريا في الانتخابات بالدول قامت بها أمريكا خلال الفترة ما بين 1946 إلى 2000. والأمر لم يقف عند هذا التاريخ بالتأكيد. وما يقال عن حاجة فنزويلا أو إيران إلى الديمقراطية، هي مجرد يافطات لانتهاك السيادة الوطنية، لم تعد تقنع سوى محدودي الإدراك وأصحاب الوعي غير الناجز. ففي إيران كانت هناك حكومة مصدق الديمقراطية، أطاحوا بها، لينصبوا الشاه عميل أمريكا الوفي في الشرق الأوسط الذي كان حكمه استبداديا تعسفيا ومع ذلك كان يعجبهم. مسار متواصل من النفاق الغربي فيما يخص مفردات حقوق الإنسان والديمقراطية لخدمة المصالح والأجندات. قال عنه أوليفر ستون، الكاتب والمخرج السينمائي: التفكير في أنك على صواب في كل شيء، والتفكير في أنك الرجل الطيب دائما هو خطأ فادح. الموقف الكامل الذي اتخذناه تجاه العالم الثالث في الخمسينيات من القرن الماضي تحت قيادة جون فوستر دالاس وأيزنهاور، هو سابقة مروعة للولايات المتحدة. وبسبب دعم الاستعمار في فيتنام، وفي العالم الثالث، ومن أجل دعم مستعمراتها في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، كانت الولايات المتحدة، وبشكل متكرر تضع العديد من الحواجز العرقية وتحطم قلوب الشعوب، وتقتل العديد من الأبرياء. كنا فعلنا ذلك بطريقة حميدة من خلال الوكلاء، سواء في إيران أو السعودية. ظللنا نعمل هكذا. نحن ماهرون في الأداء وراء الكواليس. نحن خبراء في العلاقات العامة والسيطرة على الأنظمة. تخلصنا من النظام الإيراني عندما أصبح مستقلا للغاية. تخلصنا من النظام الإندونيسي عندما أصبح مستقلا للغاية، وهما من الدول المهمة جدا. كنا نتلاعب من وراء الكواليس عبر العلاقات العامة وشركات الإعلان والمال والبنوك.
رسموا حدودنا بعد أن استعمرونا واستنزفوا ثرواتنا، وأصروا على نسف كل بوادر التطلعات القومية التحررية التي تنشد الوحدة العربية. ويحرصون إلى الآن على ضمان التبعية السياسية والاقتصادية، وإزالة أي إمكانية للتكامل المادي. ومؤسف أنه رغم امتلاك الوطن العربي الثروات الطبيعية والمالية والكفاءات البشرية والمواقع الجغرافية الاستراتيجية وترابط شعوبه باللغة والدين والتاريخ القومي المشترك، تعاني معظم دوله الصعوبات الاقتصادية، وتلجأ الى صندوق النقد الدولي الذي يكبلها بإملاءات مجحفة ويصادر قرارها السياسي والدبلوماسي. دكتاتورية اقتصادية ومالية شجعتها حكومات الدول الصناعية الكبرى، وأقرتها تحت ما يسمى « تحرير الأسواق المالية». والتصور المختل للغرب فيما يتعلق بالمنطقة يتواصل وفق أجندات التخريب وشق الصف الوطني وخلق الفوضى، من حاصل الخلط السياسي المتعمد الذي حدث بعد 11 سبتمبر/ايلول. وكانت نتيجته الكذبة الكبرى عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وصلته بتنظيم القاعدة. والتي صاح بها وزير الخارجية كولن باول ورئيسه جورج بوش الابن في كل مكان آنذاك. في الأخير، نهبوا ثروات البلاد إثر غزوها، وبعد مغادرة آخر القوات الأمريكية في عام 2011، ظهرت جماعة تنظيم «الدولة» (داعش) وأغرقت العراق من جديد في حرب دامية. ورغم انحسار تأثير هذا التنظيم، لم يجد العراقيون سبيلا للتفاهم حول قيادة سليمة أو نظام سياسي يحظى بالإجماع نتيجة الاختلاف الطائفي وتأثير القوى الخارجية والتدخلات الإقليمية. وما حدث في أفغانستان والعراق في الفترة التي تلت تدخل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هناك، تم تكراره في سوريا وليبيا. ومحاولة تغيير النظام بالقوة أدى من جديد إلى العنف والفوضى المنتشرة إلى الآن. وهي نتائج تشير مرة أخرى إلى فشل الغرب في أداء مهمته التي ادعى بأنها لغرض حماية الأبرياء، تماما كادعائه نشر الديمقراطية وقتله وتشريده الملايين.
الصدمات النفطية والركود الاقتصادي في سبعينيات القرن العشرين أسهمت في دفع المسائل الاقتصادية إلى واجهة القضايا الدولية. والمصالح الاقتصادية وأزمات الطاقة هي ذاتها التي تتسبب في اشتداد المنافسة، وفي الصدامات الحاصلة في السنوات الأخيرة. وبالتالي جميع مناحي السياسة على الصعيدين المحلي والدولي تدور ضمن إطار اقتصادي رأسمالي، وإنْ كانت الأمور تتم بالغلبة وافتكاك الثروات وإسقاط الأنظمة ومحاصرة الشعوب وتجويعها عبر العقوبات الاقتصادية. وبما أن الشركات هي المحدد للوصاية السياسية، وتعمل كمركب لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى يصح التساؤل: ماذا تبقى للدولة الوطنية في عالم الحروب والهيمنة؟
كاتب تونسي