عندما يغزو «الجيش الأصفر» طرق الأردنيين

 كنا خمسة ركاب .. ياباني وامريكيين وانا وأحد ابناء قطاع غزة عندما تجمع فصيل ممن يطلقون على انفسهم اسم الجيش الأصفر في الأردن في محاولة محمومة لاستدراج الركاب الخمسة لإيصالهم الى مناطق اخرى في العاصمة. بدت التسعيرة هنا مفهومة للجميع فالراكب منا في منطقة مزدحمة اذا ما قرر استخدام التكسي الأصفر المتاح عليه ان يدفع ثلاثة اضعاف السعر القانوني . لا يحصل ذلك في اي مدينة في العالم. والعجيب انه يحصل في منطقة مزدحمة بدوريات ونقاط الشرطة ورجال السير دون ادنى التفاتة او اهتمام لأن سائق التكسي الأصفر يفرض السعر الذي يريده علما أن سيارته مزودة بتلك الماكينة القانونية التي تضعها لجنة بشكل منصف للراكب والسائق. المشهد لا نريد القول إن له علاقة بالاستثمار والاجانب لكن الصبية الامريكية التي نزلت للتو من حافلة صغيرة يخصصها المطار لنقل الركاب الذين لا يستطيعون او لا يريدون التعامل مع السعر الباهظ اصلا لتكسي المطار. تجمعت شلة سائقي الأصفر وتحدثت بلسان واحد بخمسة اضعاف الاسعار وعندما لوح احد الركاب أن تلك مخالفة قانونية اشار له زعيم عصابة السائقين بإصبعه الى وجود ضابط شرطة في الكوخ المقابل وعلى بعد عدة امتار. بمعنى أن الرجل يعتقد فعليا أن حقه الشرعي يتمثل في قبض اضعاف السعر القانوني مني وهو على استعداد للتعامل مع الشرطة التي ينبغي ان يكون واجبها حراسة تنفيذ القانون. بكل حال لا علاقة للأمر بقوانين السوق حيث العرض والطلب. وبكل حال يشعر المراقب بالأسف الشديد لأن سائق التكسي الأصفر الذي تحول الى انتحاري او مستعد لارتكاب جريمة من اجل حفنة قروش اضافية غير شرعية لا يحفل اصلا بالقانون ولا برجل الشرطة. المصيبة ستكون معتقة كالخمر اذا ما كان قد ابلغني به احد رجال الامن صحيحا عندما يتعلق الأمر بحقيقة ان رجل الشرطة في الميدان ايضا لديه شخصيا وعائليا واقتصاديا وقانونيا عشرات الاسباب التي تجعله في حالات كثيرة مماثلة فردا في عائلة « لا يهمني .. لا ابالي». تلك قصة اخرى لكن ما حصل امامي يدعو لبعض الخجل الوطني لأن اي محاولة لمناقشة السائق الانتحاري هنا يمكن ان تنتهي ببساطة بالاعتداء على المحاور او السائل او بارتكاب جريمة وهو ما دفعني شخصيا للانسحاب من الموقع بعدما شتمني احد السائقين من جيل أولادي وأمرني بالمغادرة والا سأواجه الويل والثبور وعظائم الامور. عظائم الامور هنا مألوفة ومعروفة وأقلها تأثيرا تحطيم جمجمتي بلوح خشبي صلب صغير موجود في بعض سيارات التكسي الأصفر تحت مقعد السائق وان حالفني الحظ اذا ما قررت الرد والدفاع عن كرامتي حتى باللسان قد اواجه شفرة او آلة حادة. لا يمكن تعميم هذا السلوك المشين طبعا وبكل الأحوال على كل عناصر وكوادر الجيش الأصفر الذي يغزو حياة الأردنيين وطرقهم وتنقلاتهم وبطريقة شرسة ومتشددة في كثير من الاحيان بعد صراع مرير تأثر به كل المواطنين مع شركات مرخصة حديثا للنقل الخصوصي في شوارع المدن عبر التطبيقات الذكية. سيارة حديثة ونظيفة وسائق متعلم يميل الى الصمت و تطبيق هاتفي يبلغك مسبقا متى ستصل وكم ستدفع واسم السائق وتاريخ رخصته بالإضافة الى زجاجة مياه اثناء رحلتك وفي بعض الاحيان القليل من القهوة او الشوكلاته والسعر دائما هنا مع سيارات التطبيقات الذكية اقل بكثير وبوضوح من سيارات التكسي الأصفر خلافا لأنك تشعر بالأمان وراحة البال فلا خطابات دينية تشيد بقاطعي الرؤوس ولا مطربون من الدرجة السابعة بصوت مرتفع ولا هراوات او آلة حادة. وبكل حال ثمة سياسيا ما دفع سائق باللون الأصفر لتهديد زبون مثلي وهو يحطم كل قواعد التسويق التي تطالب بائع الخدمة بالتحدث بلسان لبق مع من سيدفع بدل هذه الخدمة. سياسيا حصل تطوران في غاية الاهمية مؤخرا فقد قرر الجيش الأصفر الاعتصام وتعطيل الحياة في العاصمة عمان امام البرلمان وبدا منظما جدا. خضع رئيس الوزراء شخصيا الدكتور عمر الرزاز وخضع معه وزير النقل وليد المصري بصورة اظهرت ان من يديرون شبكة التكسي الأصفر تحديدا يستطيعون اليوم فرض ما يريدون على الحكومة والدولة والمواطن. هذه صدقا ليست مبالغة لأننا نتحدث عن اعتصام بالماكينات واطنان الحديد في الشوارع العامة حصل للمرة الثالثة بحيث تعطلت الطرق وخضعت الحكومة. لا تقف الاسباب فقط عند شعور هؤلاء أنهم الاقوى عبر البلطجة في الشوارع حيث يرفض حيتان الجيش الأصفر وهم بالمناسبة اصحاب السيارات وليس السائقين تنظيم انفسهم في شركات متطورة كما يرفضون الالتزام بتسعيرة التطبيقات ويميلون الى البقاء في الشوارع لالتقاط الزبائن والتحكم بهم بعيدا عن اعين الرقابة والقانون. ثمة ما يوحي بان الضائقة الاقتصادية خصوصا بعد عبور قانون الضريبة الجديد ستعزز بعد الآن قناعة المواطن المترزق بأخذ حقه ولقمة اطفاله بيديه لأن الاسعار ارتفعت على الجميع ولأن الحكومة تخضع ولأن الشكوك وهذا الأخطر بدأت تزيد بان رجل الامن في الشارع لا يتحمس كثيرا لحراسة وحماية القانون. الجيش الأصفر اياه يتحدث الآن في الشوارع وما نقترحه ليس مواجهة امنية بل الضغط عليه لكي يقبل بتنظيم الأمور.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود:

    أتذكر حينما كنت أسافر لسوريا كان هناك مكتب نتصل به لتوصيلنا بأي مكان وبسعر معقول جداً! حين كنا ننسى غرضاً بالسيارة كنا نجده بالمكتب!! ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول عمر ذوابة:

    ليس الأمر بهذا السوء ، لا زال هناك سائقون شرفاء ونسبتهم ليست قليلة . هذا أولا وثانيا أصبح هناك السيارات التي تتبع نظام التطبيقات الذكية التي تحدث عنها الكاتب وهي بأعداد كبيرة وقد حلت جزءا كبيرا من المشكلة وبنزاهة وإحترام وتوفير .مع تقديري للكاتب حرصه وإهتمامه .

  3. يقول سامح //الأردن:

    *للأسف نسبة كبيرة من سائقي
    الجيش(الأصفر) بلا أخلاق أو ضمير .
    *هم بحاجة لدورات لتربيتهم
    وفي منهم فئة قليلة محترمين وعلى خلق.
    *(اوبر وكريم) شركات محترمة تحترم
    الزبون وتلتزم بالمواعيد.
    حمى الله الأردن من الأشرار والفاسدين.
    سلام

  4. يقول مواطن من المغرب:

    شكرآ جزيلآ للكاتب بسام البدارين على هذا المقال الذي يعرفنا بوضعية النقل بواسطة التاكسي في الأردن ، واللتي تشبه الى حد بعيد وضعية النقل بالتاكسي في المدن الكبرى في المغرب .

  5. يقول شادي:

    تحياتي للكاتب
    واتفق معك ان هناك سلوك غير مقبول من البعض ولكن كنت اتمنى ان لا تعمم وان تسئل لماذا اصبح هذا السائق هكذا وكيف وصل إلى هذه الحال اليست الحكومه وسياساتها منذ تأسيس المملكه الى الان من خلق فينا تشوهات اخلاقيه وراثيه اليس هناك من شرع الظلم من مسؤوليين كبار ولم يتم حتى انتقادهم
    انت تتحدث عن أعراض مرض مزمن لم يتم حتى محاوله علاجه
    الانسان هو انسان اينما كان ولكن الظروف وغياب المساواة هي من تخلق من تحدثت عنهم
    الم تسئل لمن هي شركات التطبيقات ومن ادخلها ام ان القلم يجف عندما تبحث عن المتنفذيين وراء هذه التطبيقات هل تخشى العقاب ان فعلت
    هل تعلم اني دفعت ١٣٠ الف دينار لاشتري تكسيتين بعد عشرات السنين من الغربه وتريد أن تقول اني أسأت لوطني وان من جاء بسياره خصوصي لا يتجاوز سعرها ٢٠ الف له نفس الحق
    لا تعمم صديقي الكاتب فأنا من قرائك ومتابعيك

اشترك في قائمتنا البريدية