ما يجب ألا ننساه بشأن غزة

بغض النظر عما ستؤول إليه تطورات الأحداث في ما يتعلق بالمسألة الفلسطينية، إلا أن هناك دروسا وحقائق يجب أن نجعلها دائما أمام ناظرينا. أهم هذه الحقائق هي انحياز «الديمقراطيات الغربية» الواضح لطرف الاحتلال، وتبني إعلامه منذ البداية روايته حول هجوم «حماس». هذه الرواية، التي لخصها بنيامين نتنياهو خلال لقائه مع رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك بداية الأحداث بقوله إنها «حرب العالم المتحضر» و»القوى التقدمية والإنسانية» ضد «قوى الشر»، التي تهدف «لإحباط جهود السلام في الشرق الأوسط».
مشكلة هذه الرواية، التي اختصرتها مجلة «لو بوان» الفرنسية تحت عنوان: «كلنا إسرائيليون»، تكمن في تجاهلها لمسألة الاحتلال، وللاعتداء الممنهج على حقوق الفلسطينيين وأراضيهم، بما فيها المساحات، التي يفترض أنها تابعة للفلسطينيين وفق «الشرعية الدولية» ووفق مخططات «حل الدولتين»، التي وقفت عاجزة أمام التغول واغتصاب الجغرافيا والتاريخ عبر التوسع في بناء المستوطنات.
الرواية الغربية – الإسرائيلية تحاول أن تدفعنا لتناسي أصل المشكلة، للغرق في الحوادث الآنية من أجل أن نقتنع بأن «طوفان الأقصى» هو مجرد عملية إرهابية بلا معنى. التغطية على الحقائق كانت مهمة لتبرير كل رد فعل إسرائيلي، مهما كان عنيفا أو وحشيا، في إطار الاضطرار أو الدفاع عن النفس. تعرض الضمير العالمي وفقا لذلك لأوضح محاولات التزييف، بسبب القدرات الإعلامية للدول الحليفة للاحتلال، واستطاعتها السيطرة على مسارات الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي. أجبرت هذه السيطرة معظم النوافذ الإعلامية على تقديم وجهة نظر مغايرة للواقع وخادعة، بل مثيرة للسخرية أحيانا، خاصة حين تتحدث عن وجوب حماية اليهود، الذين يخشى عليهم من الإبادة على يد المنظمات البربرية العربية. استندت هذه النوافذ إلى الكثير من القصص الملفقة والتزييف، على غرار ما تم نشره على نطاق واسع، حول ذبح حماس لأطفال إسرائيليين، وهي الواقعة التي سرعان ما اتضح أنها محض اختلاق. مثل هذه الأكاذيب لم تهدف فقط لغض الطرف عن الجرائم الإسرائيلية، بل جعلت إعلان دول أوروبية مثل بريطانيا وألمانيا استعدادها للتدخل العسكري، إلى جانب الاحتلال أمرا مبررا وأخلاقيا. هذه المغالطات دفعت عددا من الصحافيين المحترمين العاملين في مؤسسات غربية للاستقالة، أو التعرض للعقوبة بسبب رفضهم هذه السياسة المنحازة. ما يجب ألا ننساه هو أن «إسرائيل» ما كان بالإمكان أن تنفذ جرائمها بارتياح، لولا ذلك الغطاء الإعلامي، الذي يصور، في أفضل حالاته، الأمر وكأنه حرب بين جيشين. دعم هذا التواطؤ خطة الإفراغ السكاني والتطهير العرقي الصهيونية، التي بدأت بحرب انتقامية ضد مجمل سكان غزة، المساندين للمقاومة بنظره، والمستحقين للعقاب بناء على ذلك. يجب أن نتذكر دوما أنه لولا الانحياز الإعلامي والمساندة الغربية، التي ظلت تروج لفكرة اتخاذ «حماس» المدنيين دروعا بشرية، وأنه م يختبؤون في مواقع غير عسكرية، لما تجرأ جيش الاحتلال على القيام بجريمة مثل قصف مشفى المعمداني، الذي نتج عنه مقتل المئات، في حادثة شارك العالم في تمريرها، مرة بالزعم بوجود خلايا «حماس» داخل المشفى، ومرة باتهام حركات المقاومة الفلسطينية بأنها هي من قامت بذلك.

الإفراط في التماهي مع الموقف الإسرائيلي كانت نتائجه في غير مصلحة أصحابه، فالصور البشعة للجرائم الصهيونية، أدت إلى ضغوطات أجبرت الإعلام والسياسيين الغربيين على تعديل مواقفهم

لمشفى المعمداني رمزية خاصة، حيث يعود تاريخه لأكثر من مئة عام قبل أن تفرض «إسرائيل» نفسها على جغرافيا المكان. مع ذلك فإن استهداف المعمداني لم يكن حالة استثنائية، بل جرى بعدها استهداف محيط مشفى القدس وغيره، بل أكدت تقارير متواترة لمنظمات دولية أهمها منظمة الصحة العالمية استهداف جيش الاحتلال لأهم المراكز الطبية، إلى جانب قصفه لمدارس ولدور عبادة إسلامية ومسيحية، وهي جرائم ليست غريبة ولا شاذة، بالنظر إلى سلوك الاحتلال، الذي نفذ عشرات المذابح ضد العرب والفلسطينيين عبر تاريخه.
أراد المتحكمون في الإعلام العالمي إقناع العالم بأن «إسرائيل» المدنية والمتحضرة تخوض حربا ضد العرب المتوحشين، الذين يرغبون في إفنائها. من أجل ذلك لم يكن يسمح لأي وجهة نظر مغايرة بالظهور، حتى على مستوى منشورات موقع «الفيسبوك»، الذي اجتهدت خوارزمياته منذ بداية الحرب في حذف ومعاقبة جميع المتعاطفين مع غزة، على اعتبار أنهم مخالفون للمعايير أو داعمون للإرهاب، بل أصبحت مفردات مثل حماس والأقصى وغزة كافية لتعليق الحسابات. تنافست عواصم أوروبية مثل برلين وباريس على إظهار التعاطف مع الجانب الإسرائيلي، فمنعتا التظاهرات المؤيدة لفلسطين، في الوقت الذي كانت تشجع فيه الفعاليات المناصرة للاحتلال، وبينما كان معرض فرانكفورت الدولي للكتاب، يعلن تضامنه مع «إسرائيل» ويعلن إلغاء فعالية جائزة كان من المقرر منحها للكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي عن روايتها «تفصيل ثانوي»، كانت وزيرة الداخلية الألمانية تهدد بترحيل المتعاطفين مع «حماس». أما في فرنسا، فاتهم وزير الداخلية اللاعب كريم بنزيما على الهواء بدعم الإرهاب والانتماء لجماعة «الإخوان المسلمين» بسبب مواقفه، التي استنكر فيها الجرائم الإسرائيلية ضد أهل غزة. الولايات المتحدة الأمريكية المؤمنة هي الأخرى بأن الحرب هي «حرب العالم المتحضر»، كانت قد بادرت إلى التحشيد العسكري في شرق المتوسط، وإلى تزويد حليفتها بأسلحة خاصة وذخائر، ما لبثت آثارها أن ظهرت على جثث سكان القطاع.
في المساق الأكاديمي تعرض الأساتذة العاملون في جامعات أمريكية للكثير من الضغوط من أجل إسكاتهم، أو كسب أصواتهم لصالح دعم المشروع الصهيوني وتبرير جرائمه. لم يعد هناك مكان في عاصمة العالم الحر للمتعاطفين مع فلسطين، بل حتى الأصوات المعتدلة مثل صوت جوزيف مسعد الأستاذ في جامعة كولومبيا، لم يعد مرغوبا فيها، حيث تعرض لحملة غير مسبوقة دعت إلى عقابه وعزله. لم يعد مسموحا أن يشوش أحد بأي شكل من الأشكال على صورة الإسرائيلي الضحية.
الأمر مشابه في جامعة هارفارد، التي ما يزال الناشطون والداعمون للحقوق الفلسطينية أو المستنكرون لجرائم الاحتلال يتعرضون فيها لحملات من التهديد والترهيب، مع نشر أسمائهم وعناوينهم بشكل مفصل على شبكة الإنترنت. خاض حلفاء الاحتلال الغربيون حروبا «متحضرة» مشابهة خلال تاريخهم الحديث ضد السكان الأصليين، الذين تم القضاء على كثير منهم عند غزو المستعمرات، كما خاض أغلبهم حروبا غير متكافئة مع المقاومين للاستعمار في مجمل دول الجنوب وحروبا أخرى ضد بعضهم بعضا، أدت لمقتل عشرات الملايين. يمكننا أن نفكر أن هذا التبني لوجهة النظر، التي تتعامل مع الأرض الفلسطينية وكأنها ملكية خاصة بالسيد الإسرائيلي، الذي يملك استخدام ما يريد من وسائل «لتأديب» العبيد، ينبع من هذه النظرة الكولونيالية، التي تقسم العالم إلى سادة وعبيد، والتي تتحول لنظرة استخفاف تجاه المطالبات بفتح تحقيقات جنائية أو بتفعيل القوانين الدولية.
الإفراط في التماهي مع الموقف الإسرائيلي كانت له نتائج في غير مصلحة أصحابه، حيث أدت الصور البشعة للجرائم الصهيونية، خاصة صورة المئات من الأطفال الذين لقوا حتفهم بشكل جماعي بسبب القصف أو لفقدان الرعاية الصحية، إلى لفت أنظار الكثيرين وإلى ضغوطات أجبرت الإعلام والسياسيين الغربيين على تعديل مواقفهم، كما أجبرتهم على السماح بالتظاهرات والأنشطة الرافضة للعدوان الصهيوني، في المقابل أضحى كثير من الرافضين لمنطق الاستعلاء الغربي، وفيهم أوروبيون وأمريكيون، من مناصري المقاومة الفلسطينية ضد سلطة الاحتلال، الذي تذكر وحشيته بجرائم النازية، في ما تذكر عنصريته الدستورية بنظام الفصل العنصري البائد.
كاتب سوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية