لينا أبو بكر تنتصر الحرب على صناعها عندما يخرج الجميع منها خاسرا ، وتكون هي الرابح الوحيد في صناعة دموية يعرف أصحابها كيف يشعلون الشرارة الأولى في الرماد ، ويقبضون على مومياء الذاكرة متلبسة بالغضب وصنوف الثأر البائدة ، الحرب نفاياتهم الوطنية ، طائفتهم القومية ، سلوكهم الدبلوماسي في المحافل التذكارية ، وبطاقة هوية ….ما يحدوني إلى هذا أسف يعتمل في النفس العربية وأنت تراها تتداول مجرميها كما تتداول العملات والأسهم التجارية في بنوك الدم الفاسد ، وسواء كان العالم قرية أم غابة فإن الحرب عندنا روتين سياسي نتعاطاه كالرغيف ، ونجتره من لحم ضحايانا واوجاعهم ثم نتباكى على باب المقبرة كأننا أشباح استحضرها الفنان الإسباني غويا وهو يرسم المذبحة بريشة سوداء . لماذا تستطيع الضحية في جميع دول العالم أن تنهض من موتها كي تدافع عن كرامة آلامها ؟ أليس لآلامنا كرامة حتى نلتف كعقد ياسمين متيبس حول آلهتنا العسكرية ؟ ألم يئن الوقت لمحاسبة أولئك الذين عادوا إلى ممارسة فتنهم وأحقادهم وصراعاتهم من جديد في سيناريو مطابق لذاك الذي أشعل فتيل المجازر في 1975 ليغدو لبنان كتلة من اللهب ؟ أين المحكمة الدولية من هؤلاء؟ وهل يكفي أن يعتذر القاتل لموتى تعفنت جثثهم العالقة بزناد البندقية ؟ متى يقبل الاعتذار ؟ هل حين يعود القاتل إلى منصبه ونشاطه ورتبته ليفتح صفحة جديدة للحرب والدسيسة ؟ المحكمة العسكرية الدولية قامت بمحاكمة 22 من مجرمي الحرب النازيين في الفترة 18- أكتوبر (تشرين الاول) 1945 إلى 1 أكتوبر (تشرين الثاني) 1946 على الجرائم التي قاموا بارتكابها ضد الإنسانية وممارسة العنف مع المدنيين والمحارق ضد الجماعات اليهودية حينها ، ورغم أن عددا من المجرمين لم يزل طليقا إلا أن البحث عنهم لمحاكمتهم لم يزل جاريا حتى اللحظة ..ثم محاكمة زعيم الصرب (سلوبودان ميلوسوفيتش) ومحاكمة (الروانديين الأربعة) من بينهم راهبتان شاركتا الطاقم الإجرامي بإبادة أكثر من 800 ألف رواندي العام 1994، وهذه كانت أول قضية تولتها هيئة محكمة الحرب الدولية التي أنشئت في (لاهاي) العام 1993 لمحاكمة مجرمي حرب (البوسنة والهرسك)’ ، فأين نحن من هذا ؟سأعود بالزمن إلى الوراء قليلا ، حيث برنامج ‘حوار مفتوح’ الذي بثته ‘الجزيرة’ بين غسان بن جدو والدكتور سمير جعجع رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية ، في 18-10-2008 ، فالبرنامج كعادته كان مثيرا للاهتمام ، ويستحق وقفة متأملة لمجريات الحوار الدائر بين إعلامي يجس نبض الحدث بحاسة إعلامية دقيقة وفكر ثاقب يحمل رؤى عميقة وواعية تجاه الوضع السياسي في لبنان ، ويختزن يقظة حاسمة تدفعه لاستنفار بديهته واقتناص اللحظة الزمنية المناسبة لاستكناه كواليس المسرح السياسي ، وبين شخصية حربية ـ سابقا ـ وسياسية ـ راهنا ـ تعرض خطابها السياسي بنوايا مبيتة ويدها على ذات السلاح !مما لا شك فيه أن الوضع العام يحتاج إلى دراية جادة في طرح الفكرة من قبل الإعداد البرامجي ، وإلى وضوح حازم من قبل الضيف ،لا يشوبه لبس ولا مراوغة بعيدة كل البعد عن ذكاء أو حنكة تتأتى من مهارة بارعة في التملص وتجنب الوقوع في شراك الفضول الإعلامي مما يعد حقا ضمنيا طالما أحسن الضيف استغلاله .وهذا ما لم ينجح به جعجع مع بن جدو على الإطلاق ، حيث بدا حضوره سطحيا، يعتريه تردد ثقيل وتشوش داخلي انعكس بشكل واضح على الأداء فأفشل فعالية التواصل مع الحوار ، مما يشي بانعدام الثقة بالحالة التي آل إليها مشروعه ، تبعا للمتغيرات الدولية تجاه الوضع الإقليمي بشكل عام ، جاءت ردوده مبتورة النفس ، كأنه يصعد جبلا عاليا بعكازة عرجاء ، يسعى إلى مراوغات ما تلبث أن تنهار أمام مضيفه المتأهب بكامل عدته وعتاده ، يقتضب في إجاباته ليس من قبيل خير الكلام ما قل ، إنما لأن الكلام الذي في جعبته لا وجهة له سوى شتات معرفي لا يُعينه على تركيز فكره في صلب المسألة! أليست السياسة في حال كهذه تعد ضربا من ضروب التخبط ؟ ‘بريستيجا’ زائفا يتخذه أربابها تذكرة للعبور إلى خيمة الضحية لمنح مرسوم رسمي بالدفن المؤجل ؟ أما إن كان الأمرالسياسي برمته لعبة فهل يعقل أن لا يكون اللاعب مؤهلا لخوض غمارها بقفازات نظيفة؟انسجام وجداني الضيف هذه المرة كان يفتعل التماسك والهدوء ، فما بدا كان أقرب للاستسلام إلى قدره بالامتثال لاستجواب صحافي لاذع لم يستطع منه فرارا .إلا أن الطامة الكبرى تمثلت بالعلاقة الوجدانية بين الرئيس المصري حسني مبارك وجعجع ؟ فاي تناغم وانسجام وجداني جمع بين الرجلين يا ترى ؟ !نص الحوار بين الطرفين حول الوجدانية ـ كما ورد في موقع الجزيرة الفضائية ـ: ‘جعجع : كانت الجلسة من جهة جلسة عمل سياسية ولكن من جهة أخرى كانت أقرب منها إلى جلسة وجدانية بين طالب متعلم ينشد المعرفة أكثر وأكثر وبين خبير في الشؤون المصرية والعربية العامة’.بن جدو : ما هي العناصر الوجدانية بينك وبين الرئيس حسني مبارك، التي اكتشفتها يعني تحديدا؟جعجع : وجدانية بمعنى تاريخ المنطقة، الرئيس مبارك عايش أحداثا كبيرة كنت أنا خلال هذه الأحداث إما ولدا صغيرا أو لم أكن على اطلاع بحيثيات تلك الأحداث فبهذا المعنى كانت وجدانية.’ يا جماعة : سياسي يحكي، وعاقل يسمع ، ما دخل الجلسة الوجدانية بتاريخ المنطقة؟ ورغم محاولة جعجع التوضيح لمعنى ما قصده بوجدانية فإن الأمر بقي ملتبسا، بل إنه ورط معه بهذا الالتباس الرئيس المصري !! بدا التشوش أكثر وضوحا عندما ذكر رئيس الهيئة التنفيذية’ الوجدانية ‘في معرض تبريره لها ، في استرسال كان فخا آخر نصبه لنفسه حيث قال :جعجع : بس أتذكر نقطة واحدة على سيرة الوجدانية، عندما سألني الرئيس مبارك كم قضيت تحديدا في المعتقل؟ فقلت له 11 عاما وثلاثة أشهر، فعاد إلى الوراء وقال لي أليس هذا كثير يا سمير؟ بن جدو : بس هو تعتقد أنه اكتشف الرئيس مبارك أنك قضيت 11 سنة؟ أو ماذا؟جعجع : لا، كان بيعرف، بس الفترة بالتحديد أنه ما كان بيعرفها هيك بالأشهر يعني.الحقيقة أن الهيئة التي ظهر عليها الدكتور جعجع كانت مفاجئة بكل المقاييس ، وإن ما يزيد من وطأة المفاجأة هو الحديث عن مساع يقوم بها مبارك من أجل استعادة مزارع شبعا والانسحاب الاسرائيلي مما صدم غسان بن جدو وهذا ما عبر عنه صراحة لما قال لجعجع أنه يتباهى بمتابعته للتطورات السياسية ، إلا أن مسألة مساعي حسني مبارك حقيقة لم تكن ضمن ما هو مشاع أبدا ، وهنا يبدأ الدكتور بالدفاع عن الطرف المصري والتأكيد على هذه المساعي..دون جدوى.وبعد السؤال عن الفترة التي بدأت بها هذه المساعي والاستدراج الذكي لتوريط الضيف والوصول به إلى ما يدور في خلد الإعلامي فقد أبدى بن جدو تتبعا ودقة وتركيزا وعمقا وحرفية مبدعة في التوصل إلى ما نتيجته أن الهدف الرئيسي من تدخل الرئيس حسني مبارك هو استعادة مزارع شبعا ، ألا أن جعجع يقع مرة أخرى : ‘ ‘100. هذا مدخل أيضا إلى تطبيع الوضع في لبنان’ ولما استوضح بن جدو طبيعة هذا التطبيع كانت له الإجابة التي أرادها تماما والتي تفيد بـ’ لملمة الوضع’ واستئثار الدولة بحق تملك السلاح، فاستعادة الاسرى وشبعا ـ على اعتبار ما سيكون بتصور جعجع ـ كفيل بإنهاء حالة الحرب مع اسرائيل وتجريد حزب الله من سلاحه ‘. الحوار كان مطولا ولربما استدعى حلقات للحديث حول نقاط عدة هي تصريحات جعجع حول العلاقة مع سوريا واسرائيل وأمريكا ، من ثم فرنسا مؤخرا التي أصبحت تعول على سوريا بإعادة التوازن إلى المنطقة ضمن جولات ودية عكست انقلابا في الخطاب السياسي الفرنسي عنها ، ثم اعتذاره عن الممارسات الإرهابية المتمثلة بالاغتيالات السياسية التي حدثت أثناء الحرب الأهلية ، وووو..إلا أن أجمل سؤال كان حول موقف إيران من المحكمة الدولية ، لقد أحرج بن جدو ضيفه بما يقتضيه المنطق وتحري الحقيقة ، ليصل بالمشاهد إلى إبراز الدوافع الهجومية بالتعصب ضد إيران نتيجة استنتاجات لا تستند إلى أدلة ، دون التواني عن إطلاق السؤال الأروع على الإطلاق حول :’ ماذا لو زار أمين الجميل طهران؟’الحلقة كانت مبهرة لعب فيها غسان بن جدو دورا متمكنا في كشف حقائق وتسليط ضوء كاشف على بؤر عمياء ، فأمام تلك العزيمة على استنباط ما وراء الحقيقة تتجلى روح بطولية لا تكتفي بنقل الخبر بل بتحليله وتقصي تفاصيله ، وتعريته من وجوهه المستعارة.لم يتبق إذن على المشاهد اللبناني تحديدا إلا أن يرى بأم عينيه آلهته تتهاوى أمامه ، وربما يتساءل البرنامج يوما في حوار مفتوح مع أنصار وليد جنبلاط : ماذا لو تغير المشهد برمته ووقع الزعيم الجنبلاطي ـ راغبا لا مرغما ـ اتفاقية تقضي بعودة الجيش السوري الى لبنان ؟ عد إلى أرشيف الحرب الأهلية في لبنان 1975ـ1990′ والتي حصدت في 15 عاما 140 ألف قتيلا و200ألف جريح و17 ألف مفقود، منذ حافلة الموت، والرصاصة الاولى ، وأحداث صيدا ، ثم السبت الأسود ، سبت الكتائب بتنظيمها الفاشي ، وجيش لبنان الجنوبي الموالي لاسرائيل ،القتل على الديانة من خلال البطاقة الشخصية أو تعرية الضحية لتمييز هويتها عن طريق ‘عملية الختان’، حرب الأحياء ، المدن والجبال ، ورجال القبعات الزرقاء ، ومياه جبل الشيخ و نهر الليطاني ، والاجتياح الاسرائيلي ، صبرا وشاتيلا … إلى لقاء الجزيرة مع الميليشياتي السابق رئيس الميليشيا السابقة المتحولة إلى حزب سياسي، والله أعلم بالنوايا !يا أهل لبنان : ما هي الحرب الأهلية ؟ليس من قبيل نكء الجراح ولا إيقاظ الموتى كشهود عيان على جريمة اغتيال تاريخية كان لبنان فيها هو المقبرة والضحية في آن ، إنما من قبيل استنفار الهمم واستنهاض الوعي لتنحية القتلة قبل إصدار قرار معاصر باستنساخ مهمة قتل بدأت قبل حتى أن يتول العثمانيون ولاية الجبل !كاتبة وشاعرة فلسطينية تقيم في لندن33