معالم تختفي… وجدل شعبي يحتدم في ذاكرة المكيين!

حجم الخط
0

معالم تختفي… وجدل شعبي يحتدم في ذاكرة المكيين!

توسعة الحرم المكي الشريف:معالم تختفي… وجدل شعبي يحتدم في ذاكرة المكيين!مكة المكرمة ـ القدس العربي ـ من محمد منصور: بدت منطقة الشامية القريبة من الحرم المكي الشريف في مكة المكرمة، بأبنيتها وفنادقها ومحلاتها، وكأنها مدينة أشباح… اذ خلت كل تلك العمارات من السكان، فيما بدت فتحات المكيفات التي نزعت عن المباني علامة من علامات اخلائها.. وهجرة أصحابها ومالكيها والعاملين فيها.حلقة من سلسلة لا تنتهي! كانت الأضواء في الليل، حين زرتها لأول مرة، قوية في شوارع الشامية وما جاورها من المناطق، التي نزعت ملكيتها لصالح التوسعة الجديدة للحرم المكي التي تتم بأمر من العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز… لكن خلف ظلال تلك الأضواء القوية، كان الحزن والسكون يخيم علي المكان، الذي تعود أن يكون عامراً بالناس والحياة في مواسم الحج والعمرة… ولم يكن بعض المارة من المعتمرين، أو عابري الطريق بقادرين علي أن يبعثوا الاحساس بالحياة لمن يعرفون تلك المنطقة وما تحفل به من حيوية وصخب وازدحام.بعد أيام زرت الشامية في الصباح، التي قيل لي ان تسميتها أتت من وقوعها شمال الحرم، فكل ما كان يقع في شمال الحرم المكي، كان أهل مكة ينسبونه للشام، وكل ما يقع جنوبه كانوا ينسبونه لليمن. كان حجم أنقاض العمارات والمحلات والفنادق التي تم هدمها قد كبر واتسعت رقعته… وكانت ورشة الهدم من الجرافات والرافعات الكبيرة قد أخذت تغير معالم المكان، وتمحو ذاكرته وذكرياته أهله وسكانه بسرعة مذهلة! قال لي صديقي المكي الذي اصطحبني الي المكان: (مكة راحت خلاص… ولو تجي بعد عشر سنين كمان يمكن ما تعرفها أبدا). لم تكن رنة الحزن في صوت (حسن) قوية، رغم أن منزل عائلته قد تم نزع ملكيته في مكان آخر في مكة لصالح استكمال طريق دائري سريع… ورغم أن والده يعيش حالة حزن وهو يري نفسه مجبراً علي اخلاء بيته لجرافات الهدم، اذ يبدو أن أهل مكة قد مر علي رؤوسهم الكثير من مشاريع هدم الذاكرة العمرانية للمدينة من قبل… ولهذا بدا لهم هدم الشامية وسوق المدعي التاريخية… حلقة في سلسلة تغييرات لا تنتهي!* ألف عقار في طريقها للهدم! تم نزع ملكية ألف عقار في منطقتي الشامية والغزة… وقد شكلت لجنة حكومية وأهلية لتقدير أسعار العقارات، فوصلت الي أن أعلي تقدير للمتر (حسب القرب من الحرم المكي) هو 500 ألف ريال سعودي، وتفاوتت قيمة المتر بعد ذلك، في منطقة يطلق عليها (المنطقة المركزية) نسبة لتمركزها حول الحرم… وتعتبر من أغلي مناطق العقارات في العالم، لارتباطها بموسم الحج والعمرة… حيث تبلغ اشغالاتها كثافة مرتفعة للغاية لاستيعاب القادمين في أكبر تجمع بشري سنوي في العالم، ونعني موسم الحج. وقد ثار جدل فقهي حول التوسعة الحالية للحرم في وقت سابق، حسمته مجلة (الدعوة) السعودية، التي أسسها مفتي السعودية الأسبق محمد بن ابراهيم آل الشيخ، حين أجرت استفتاء بين عدد من المشايخ والفقهاء الذين جاءت آراءهم متوافقة مع مشروع التوسعة وما يراه (ولي الأمر) حسب تعبير المجلة… في حين رأي أحد الباحثين المهتمين بتاريخ وتراث مكة المكرمة في تصريح خاص لـ القدس العربي بأن (هذه التوسعة لا تضيف شيئاً للحرم، وأنه يراها عبثا في عبث) وأضاف قائلا: (المدينة الاسلامية كلها ذات قيمة تاريخية، لا يمكن أن تحدد منطقة دون أخري… وكل المدن العربية والاسلامية تحافظ علي المدينة القديمة وتحميها، لأنها تشكل جزءا من تراثها وتكوينها وهويتها… وان المشاريع الحديثة تتم خارج المدينة القديمة، لكن واقع الحال في مكة المكرمة شذ عن هذه القاعدة منذ عقود، وبالتالي زالت الكثير من المعالم التاريخية العظيمة فيها وخسرناها، وكان من أكبر الأخطاء في هذا السياق، هدم قلعة أجياد التي بناها الأتراك العثمانيون علي جبل أجياد قرب الحرم المكي قبل أكثر من مئتي عام، وكانت من أهم قلاع مكة، والتي تسببت بأزمة مع الحكومة التركية عام 2001)!في حين رأي بعض المؤيدين للمشروع بأن (المنطقة الشمالية التي يتم هدمها حالياً، لم تكن من المناطق المستثمرة طوال العقود الماضية، بينما ظلت المناطق الأخري المحيطة بالمسجد الحرام الأعلي دخلا علي المستوي العالمي، نظرا للاستثمار فيها وبناء الأبراج السكنية والفندقية علي أحدث الطرازات. وأوضحوا أن هذه المنطقة وما تحويه من مبان قديمة (رمم بعضها وأهمل الآخر) تفتقد للبني التحتية، ما يعني أن المنطقة كانت في حاجة ماسة الي التطوير والاستثمار وتوسعة المسجد الحرام. وبينما تحدث كثير عن قيمة الأسواق الشعبية الموجودة في هذه المنطقة، والتي كانت تميزها بنكهة خاصة، وتضفي عليها جواً حميماً هو جزء من تاريخ المنطقة وتراث مكة بأكمله، فقد رأت احدي الصحف السعودية بنبرة لا تخلو من ازدراء (أن الأسواق الموجودة لا ترتقي لمكانة المنطقة وأهميتها الاستراتيجية، اذ تعد أسواقا شعبية تقليدية من الممكن نقل محالها الي مواقع أخري لما تحويه من محال عطارة متكررة ومحال للتموينات الغذائية). * توسعات تنسب للملوك! وما بين هذا الصراع أو السجال، الذي يحتدم بين مؤيد ومعارض، وبين ممتعض ومبارك، يثمن الرغبة في خدمة ضيوف الرحمن، وتسهيل مشقة الازدحام عليهم، ينهي هدم الشامية وأجزاء من منطقة الغزة وسوق المدعي معالم أساسية في مكة المكرمة، ويحول المنطقة المركزية المحيطة بالحرم الي منطقة أبراج سكنية عملاقة تعلو علواً شاهقاً عن مآذن الحرم التي يقول المكيون انها كانت معلما بارزا من معالم مكة، لا تحجبها عن عيونهم أي كتل عمرانية أو اسمنتية! ويستحضر المكيون في الذاكرة التوسعات التي طالت الحرم الشريف، وكيف أن كل توسعة ارتبطت باسم ملك من ملوك الأسرة السعودية الحاكمة، بدءا من الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود الذي بدأ عام 1925 اجراء اصلاحات وترميمات وتجديدات للمسجد عام 1925، ومرورا بعهد الملك سعود الذي كانت توسعته عام 1955 هي الأبرز حتي ذلك التاريخ واعتبرت (التوسعة الأولي)، ثم عهد الملك فيصل عام 1968، ووصولا الي عهد الملك فهد الذي وضع حجر الأساس لتوسعة جديدة غيرت كثيرا من معالم المنطقة المركزية المحيطة بالحرم أواخر العام 1988، وتتالت فصولها لتطال ساحات الحرم الخارجية عام 1991 وتهيئة منطقتي الصفا والمروة عام 1994 و1996…، ولأن التوسعات كانت ترتبط بأسماء الملوك، فان الملك عبد الله بن عبد العزيز… يضيف بتوسعته هذه، التي يقال انها ستكون الأكبر والأضخم، اسمه في سجل صناع هذه التوسعات وواضعي حجر أساسها!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية