الطوفان مفردة ذات إيحاءات كارثية بأبعاد دينية وأسطورية، إيحاءات أبعد من تلك التي تحملها مفردة أخرى مثل: “فيضان”، حيث الاشتقاق اللغوي للطوفان من الجذر الثلاثي “طو ف” التي تعني إحاطة الماء وشمولية الغمر، في حين أن “فيضان” هو مصدر مشتق من الجذر “ف ي ض” الذي يشير لوجود حدود معينة للماء، رغم فيضانه عنها.
وتتحدث سرديات الثقافات القديمة عن غضب الإله على أهل الأرض، بسبب الفساد والعصيان، وعن الحاجة إلى الماء لتطهير الأرض، وتهيئتها لأجيال غير فاسدة، ولهذا جاء الطوفان الذي وإن أدى لدمار عالم، إلا أنه هيأ الفرصة لميلاد عالم جديد، كما ورد في ثقافات قديمة مثل الهندوسية والإغريقية وقصص بلاد الرافدين، وفي الكتاب المقدس والقرآن الكريم.
في كلمة محمد الضيف القائد العام لكتائب عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة حماس، في السابع من تشرين أول/أكتوبر 2023 أعلن انطلاق عملية “طوفان الأقصى”، في رد فلسطيني على “الانتهاكات الإسرائيلية في باحات المسجد الأقصى، واعتداء المستوطنين الإسرائيليين على المواطنين الفلسطينيين، في القدس والضفة والداخل المحتل”، حسب كلمة القائد العسكري لحماس.
ويأتي هذا الإعلان، ليعكس الأبعاد الدينية التي وردت في عبارة: “الانتهاكات الإسرائيلية في باحات الأقصى” والأبعاد الوطنية الواردة في عبارة: “اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على المواطنين الفلسطينيين”، وكان لافتاً قصدية ربط “الانتهاكات” بإسرائيل، في مقابل ارتباط “الأقصى” وجدانياً بفلسطين، تماماً، كما برز “الاستيطان” سمة إسرائيلية واضحة، فيما “المواطنة” معنى فلسطينياً خالصاً، مع تضمينات إيحائية تشير لكون حالة “الاستيطان” الإسرائيلية طارئة، في مقابل حالة “المواطنة” الفلسطينية الأصيلة.
وهنا تبدو مفردة “طوفان” – في “طوفان الأقصى” – ذات دلالات دينية عامة، لكن إضافتها إلى مفردة “الأقصى” خصصت لها دلالات دينية إسلامية، حيث يمثل الأقصى في الإسلام “أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين”، تماماً، كما أن إضافة مفردة “طوفان” إلى الاسم العلم “نوح” – في التسمية التاريخية “طوفان نوح” – حمَّلها الكثير من التداعيات السياقية الدينية التي يحيل عليها اسم العلم “نوح” بوصفه نبياً من الأنبياء، مع انفتاح الدلالة على أبعاد كارثية مرعبة.
وإذا كان هناك من يرى بأن “طوفان نوح” كان فقط في منطقة معينة، فإن هناك إجماعاً على أن “طوفان الأقصى” قد عمَّ الأرض بالفعل، على مستوى الآثار والنتائج والتداعيات، وإعادة صياغة السياسات والمفاهيم والأفكار والتأويلات الدينية والعلاقات الدولية والمعادلات والتوازنات، بل وهناك من يرى ضرورة مراجعة السرديات التاريخية، في ضوء الأحداث الجارية.
إنه طوفان، لأنه خرج عن الحدود الجغرافية لغزة المحاصرة، رغم كونها تدفع الثمن الأكبر لهذا الطوفان، وهو طوفان، لأنه كسر المعالم والحدود والمعايير والمقاييس والادعاءات والشعارات، وأسقط الكثير من المقولات على جوانب مختلفة. فعلى الجانب الإسرائيلي فُقدت المنظومة الأخلاقية والدعائية والصورة النمطية الإيجابية التي بنتها إسرائيل لنفسها خلال عقود، تماماً كما جرف الطوفان كثيراً من ملامح الصورة النمطية للغرب ومنظومته القيمية.
وإذا كانت السفينة قد “استوت على الجودي”، بعد انتهاء “طوفان نوح” فإنه ربما كان من المبكر التنبؤ بـ”الجودي” الذي ستستوي عليه سفينة العالم اليوم، في مرحلة ما بعد “طوفان الأقصى”
أعاد الطوفان صياغة تعريف الصراع الذي جرت خلال العقود الماضية محاولات لإخراجه عن سياقاته الدينية والحضارية، بين الشرق والغرب، إلى أبعاده القومية بوصفه صراعاً عربياً إسرائيلياً، ومن ثم اختصار المختصر إلى كونه صراعاً فلسطينياً إسرائيلياً، ثم صراعاً إسرائيلياً غزاوياً، وأخيراً انتهى إلى كونه صراعاً بين الديمقراطية والحداثة من جهة والإرهاب والأصولية من جهة أخرى، قبل أن يأتي هذا الطوفان الذي أعاد الاعتبار لمفاهيم ومصطلحات محددة، أريد من خلالها جعل المقاومة إرهاباً، وتصدير الاحتلال دولة تنتمي لـ”العالم الحر”.
كشف الطوفان الجذور الدينية للصراع، وأظهر سيادة الاتجاهات الأصولية في المجتمع الإسرائيلي، وعلى مستوى الحكومة والكنيست، وسيطرة المتطرفين الصهيونيين على الحياة السياسية والدينية في دولة الاحتلال، وجرف في طريقه دعاوى “الديمقراطية الإسرائيلية”، و”إسرائيل، واحة الرخاء والسلام”، و”الجيش الذي لا يُقهر”، وأظهر افتقار إسرائيل لعوامل البقاء دون دعم غربي وأمريكي، وأكد الطوفان على حقيقة أن الهدف من إقامة دولة إسرائيل، ليس تعويض اليهود عما لحق بهم من مظالم تاريخية في أوروبا، ولكن الهدف نفعي لا علاقة له بالقيم، قدر ما له علاقة بالمصالح التي سوغت عبارات من مثل: “لو لم توجد إسرائيل لكان على أمريكا اختراعها”، حسب تصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي يدعو لوقف إطلاق النار، ويستمر في تزويد إسرائيل بالسلاح، في تناقض عجيب.
كشف الطوفان عن “توحش القوة” لدى الإسرائيليين، ذلك التوحش النابع من خوف وجودي، والمدعوم بنصوص ووصايا دينية تتحدث عن ضرورة تدمير العدو رجالاً ونساء وأطفالاً، وقد تجلى في خطابات بنيامين نتنياهو التي تظهر فيها مصطلحات وإحالات كثيرة للتوراة والتراث الديني اليهودي عن “ضرب عماليق” وإبادتهم، في إشارة إلى أجداد الفلسطينيين، كما تصفهم السرديات الدينية اليهودية التي ركزت منذ القدم على أن “يكون الساحل لبقية بيت يهوذا”، وهو ما لن يكون إلا بـ”الترانسفير” الذي دعا إليه ديفد بن غوريون عام 1948، ولا يمل وزير الأمن الداخلي إيتمار بن غفير عن المطالبة به، والذي يراد تنفيذه بتدمير غزة تماماً حتى لا تعود مكاناً صالحاً للعيش، الأمر الذي يتصور معه الإسرائيليون أنه سيدفع أهالي غزة لمغادرتها.
وعلى الجانب الإيراني، هز الطوفان – وإن لم يجرف بعد – السياسات الإيرانية التقليدية في حروب الوكالة التي حاولت طهران حتى الآن الحفاظ عليها بعدم الانجراف للحرب، أو “عدم الوقوع في الفخ”، حسب تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. ومع ذلك فإن المبدأ الإيراني: “أكبر ربح بأقل استثمار”، هذا المبدأ يتعرض اليوم للاهتزاز، بعد الخسائر الجسيمة التي أصابت الاستثمارات السياسية والدعائية الإيرانية في المنطقة، فيما لا ندري مدى قدرة الطوفان على نقل المعركة إلى الداخل الإيراني، وكسر القاعدة الإيرانية في استمرار استعمال “مصداتها الميليشياوية”، على طريقة “الحرب في العراق وسوريا ولبنان واليمن”، لمنع “الحرب في طهران وقم ومشهد”.
لكن الطوفان – في المقابل – أظهر واقع العرب المر، حيث تتنازع المشاريع المختلفة على أرضهم، وتتنافس على مقدراتهم، دون أن تكون لديهم الكلمة الفصل، أو حتى التأثير على مجريات الأحداث، كما أظهر آثار الانقسامات الطائفية التي كانت من نتائج تغول المشروع الإيراني في المنطقة، والتي استفادت إسرائيل منها بشكل كبير.
جاء في قصيدة بعنوان: مقتطفات من خطاب نوح بعد الطوفان، للشاعر اليمني عبد العزيز المقالح:
“لا سفن البحر ولا الفضاء، تنقذكم من قبضة القضاء، فقد طغى الطوفان، وكان يا ما كان”.
وإذا كانت السفينة قد “استوت على الجودي”، بعد انتهاء “طوفان نوح” فإنه ربما كان من المبكر التنبؤ بـ”الجودي” الذي ستستوي عليه سفينة العالم اليوم، في مرحلة ما بعد “طوفان الأقصى” الذي لا شك أن آثاره ستمتد لعقود قادمة في المنطقة والعالم.
* كاتب يمني
الأخ المحترم مجتهد: الطّوفان نعم ورد لمرّتين في القرآن العظيم؛ واحدة مع قوم نوح في سورة العنكبوت؛ واللفظ بمعناه الصحيح.أما مع قوم فرعون في سورة الأعراف الآية (133) فهي: { فأرسلنا عليهم الطّوفان والجراد والقمّل والضفادع والدمّ آيات مفصّلات؛ فاستكبروا وكانوا قومًا مجرمين }.فالطّوفان هنا كناية للقطط.ألم تقرأ الحديث النبويّ الشريف: { إنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ عن الهرر: { إنَّها ليسَت بنجَسٍ؛ إنَّها منَ الطَّوَّافينَ عليْكم والطَّوَّافاتِ} رواه الألبانيّ، في صحيح أبي داود؛ عن أبي قتادة الحارث بن ربعي.وفي حديث آخرقال:{ إنها ليست بنجس إنما هي من الطّوافين }(عن البخاريّ والترمذي وأبي خزيمة ).ثمّ إنّ نظم وترتيب نسق الآية يؤكّد ذلك فالجمع والعطف يكون بين المتشابهات من الحيوانات…
إنّ علماء الآثار اليوم اكتشفوا مقابر للقط الفرعونيّة المحنطة بلغت في إحداها أكثر من مليون قطة محنطة.وكان للفراعنة إله يسمّى باستيت؛ من مناداة القطط: بست بست التي نستعملها حتى اليوم…وكان المصريون القدماء يدللون القطة بلفظ : ( ميوتي ) ؛ ولها معبد مقدّس اسمه : بوباستيـس.ويطلقون عليها لقب ( السّيدة ).وكانت القطة عند الفراعنة تسمّى ( ماو )!؟ وهو اسم مشتقّ من نبرة صوتها ( المواء ).ولا يعلم جنود ربّك إلا هو سبحانه وتعالى. وعلماء اليوم يربطون بين القط والأسد ؛ على اعتبار أنهما من فصيلة واحدة !! فهل صيّرالله سبحانه قطط مصر أسودًا على الفراعنة الكفار؟ كما سخّرعلى عُتبية ابن أبي لهب أحد كلابه؛ وهو أسد جبّارفهشم رأسه بعد دعاء رسول الله صلّى عليه وسلّم عليه بالعقاب؟ اللهمّ: سلّط على نتياهو أحد كلابك.
الأخ البدري شكرا على الرد لكن الحديث الذي تذكره سببه مغاير ولا علاقة له بالطوفان المذكور بالقرآن. فقد رُوي عن كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة، فدخل عليها، فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرةٌ تشرَب منه، فأصغى لها الإناء حتى شرِبت منه، قالت كبشة: فرآني أنظُرُ فقال: أتعجبين يابنة أخي؟ فقلت: نعم فقال: قال رسول الله: (إنها ليست بنجسٍ، إنها من الطوَّافينَ عليكم)، وفي رواية مالك وأحمد وابن حبان والحاكم زيادة لفظ: (والطوافات)؛ أي: إن الهرر لكثرة اتِّصالها بأهل المنزل وملابستِها لهم، جعلها الله غير نجس؛ رفعًا للحرج، فلا ينجس ما لامسته، فسُؤْرها طاهر إذا لم يكن عليه نجاسةٌ ظاهرة، فقد حُكم بأنها ليست بنجس. والهرر من الحيوانات الطاهرة المستأنسة. وشكرا للأخت الشيخة منيفة على المعلومات القيمة.
كيف يُعَاقَب قومُ فرعون بالقطط وهي ليست نجسا لا بل لها مكانة خاصة عند الرسول ؟؟ أليس هذا تناقضا ؟؟ أم أن كل واحد يأتينا ويفسّر الآيات على مزاجه الخاص ؟؟ هكذا تنشأ الفوضى وهكذا تشتدّ الفتن !!
( فأرسلنا عليهم الطوفان ) قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومحمد بن إسحاق – دخل كلام بعضهم في بعض – : لما آمنت السحرة ، ورجع فرعون مغلوبا ، أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي في الشر ، فتابع الله عليهم الآيات وأخذهم بالسنين ونقص من الثمرات ، فلما عالج منهم بالآيات الأربع : العصا ، واليد ، والسنين ، ونقص الثمار ، فأبوا أن يؤمنوا فدعا عليهم ، فقال : يا رب إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتا وإن قومه قد نقضوا عهدك ، رب فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم آية وعبرة ، فبعث الله عليهم الطوفان ، وهو الماء ، أرسل الله عليهم الماء وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة مختلطة ، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم ومن جلس منهم غرق ، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء قطرة ، وركد الماء على أرضهم لا يقدرون أن يحرثوا ولا يعملوا شيئا ، ودام ذلك عليهم سبعة أيام من السبت إلى السبت .
(للكلام بقية)
(بقية الكلام)
وقال مجاهد وعطاء : الطوفان الموت .
وقال وهب : الطوفان الطاعون بلغة اليمن ، وقال أبو قلابة : الطوفان الجدري ، وهم أول من عذبوا به فبقي في الأرض .
وقال مقاتل : الطوفان الماء طغى فوق حروثهم .
وروى ابن ظبيان عن ابن عباس قال : الطوفان أمر من الله طاف بهم ، ثم قرأ ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ) ( القلم – 19 ) .
وبالإضافة إلى كل ما تقدَّم ذكرهُ ،
قال نحاة الكوفة : الطوفان مصدر لا يجمع ، كالرجحان والنقصان .
وقال أهل البصرة : هو جمع ، واحدها طوفانة ، فقال لموسى ادع لنا ربك يكشف عنا المطر فنؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل ، فدعا ربه فرفع عنهم الطوفان ، فأنبت الله لهم في تلك السنة شيئا لم ينبته لهم قبل ذلك من الكلأ والزرع والثمر وأخصبت بلادهم ، فقالوا : ما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا
تشكري سيدتي على المعلومات التنويرية المفيدة
جازاك الله كل الخير ولا تأبهي باللاهثين على الهوامش
مع التحيات للأخ محمد جميح
أحسنت أيتها السيدة الشيخة ، أحسنت أيها الجنتلمان
طبيعي أن يكثر الحسدة والجهلة من الهوام أمام كل إبداع
وطبيعي أن تكثر الحجارة على الشجرة المثمرة خاصة
نحيي السيد الكاتب جميح
قال تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وأعلموا أن الله شديد العقاب
والجزاء يخص والعقاب يعم
وسواء اصبت قي مقالك ام اخطاءت الطوفان لن ينجو منه أحد
البدري جاء بحديث نبوي والشيخة استندت إلى قال فلان وفلان.والحديث اقوى سندا من روايات فلان وفلان.
اسلتهمت حماس كلمة الطوفان من قصص الكتب السماوية.. ربما..
.
استلهم ناتنياهو كذلك وصفا من نفس
الكتب السماوية.. القيامة..
.
الاهداف مختلفة.. نفس مصدر الميتافور..
.
شكرا للاستاذ جميح على مقالاته المتميزة .. التي
تقوم ربما عند من يحتاج .. بال Shock Therapy..
اللهم صل على محمد وال محمد و عجل فرجهم
راي الدكتور جمال صواب في تفسيره لآية..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.