نواكشوط – «القدس العربي»: في ظلّ الاضطرابات المتسارعة التي تشهدها أسواق الطاقة عالميًا، تجد موريتانيا نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لقدرتها على التكيّف مع تداعيات أزمة طاقوية باتت تُلقي بظلالها على مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وبين تصاعد كلفة الإمدادات وضغوط الطلب الداخلي، أطلقت الحكومة حملة وطنية شاملة للتحسيس بضرورة ترشيد استهلاك الطاقة، مصحوبة بإجراءات إنذارية تهدف إلى تفادي الأسوأ.
غير أن هذه التحركات لم تمرّ دون إثارة جدل سياسي، حيث سارعت أطراف في المعارضة إلى التشكيك في جدوى السياسات المعتمدة، معتبرة أنها تعكس إخفاقًا في التخطيط الاستراتيجي وإدارة الموارد.
ولم تعد تداعيات أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط مجرد خبر خارجي، بل تحولت إلى عامل ضاغط يعيد تشكيل أولويات الدولة وخياراتها الاقتصادية؛ فارتفاع أسعار المحروقات، واضطراب سلاسل الإمداد، واحتمالات اتساع رقعة الصراع، كلها عوامل دفعت نواكشوط إلى الانتقال من موقع المراقب إلى موقع الاستجابة العاجلة عبر حزمة إجراءات تقشفية ورسائل تعبئة موجهة إلى الداخل.
وقد تجسد هذا التحول بوضوح في الاجتماع الذي عقده الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني مع قادة الأحزاب السياسية، ودق خلاله ناقوس الخطر في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية مزدوجة.
فمن جهة، ووفقا لتحليلات متابعين، يعكس اللقاء إدراكًا رسميًا بأن الأزمة تتجاوز الطابع الظرفي، وتستدعي تعبئة وطنية واسعة. ومن جهة أخرى، يؤشر اللقاء إلى محاولة إشراك الطيف السياسي في تحمل تبعات قرارات قد تكون مكلفة اجتماعيًا.
وقد الرئيس الغزواني خلال هذا اللقاء، تشخيصًا صريحًا لواقع الاقتصاد الوطني، واضعًا الإصبع على نقطة الضعف الأكثر حساسية: التبعية الطاقوية. فموريتانيا، رغم دخولها نادي الدول المنتجة للغاز، ما تزال تعتمد بشكل كبير على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاتها من الطاقة، ما يجعلها عرضة مباشرة لتقلبات الأسعار العالمية. وفي ظل توقعات باستمرار الضغط على أسواق النفط، تبدو هوامش المناورة محدودة، خاصة مع ارتفاع كلفة الدعم.
تشدّ الأحزمة انشغالا بأزمة الطاقة العالمية
وقد عكست الأرقام التي كشفت عنها الحكومة حجم التحدي بشكل مخيف: فميزانية دعم المحروقات التي كانت مبرمجة في حدود 29 مليار أوقية لسنة 2026، مرشحة للارتفاع إلى نحو 167 مليار أوقية، وهو رقم ضخم يهدد التوازنات المالية، بل إن شهرًا واحدًا فقط كلّف الخزينة حوالي 18 مليار أوقية، في مؤشر على تسارع وتيرة الاستنزاف.
وفي هذا السياق، أوضح وزير الثقافة والاتصال الحسين ولد مدو، أن الحكومة اعتمدت نهجًا استباقيًا عبر لجنة وزارية تتابع يوميًا تطورات الأسواق الدولية، وتعمل على ضمان تموين السوق الوطنية.
كما أكد أن المخزون الوطني من المواد الأساسية والمحروقات «مطمئن»، مع احتياطي من العملة الصعبة يغطي نحو سبعة أشهر.
غير أن هذه الطمأنة لم تحجب حقيقة أن الدولة تجد نفسها أمام معادلة صعبة: الاستمرار في دعم مكلف يتجه للديمومة، أو التوجه نحو إجراءات تقشفية قد تثقل كاهل المواطنين.
التقشف كخيار… والحكومة تعطي المثال
أمام هذا الواقع، أعلنت السلطات عن توجه واضح نحو فرض انضباط صارم في الإنفاق العمومي، وتقليص النفقات غير الضرورية، وتعليق بعض الأنشطة، مثل المهرجانات، في محاولة للحد من الاستهلاك؛ كما دعت المواطنين إلى ترشيد استخدام الطاقة، في خطاب يقترب من دعوات «شد الأحزمة» التي رافقت أزمات اقتصادية سابقة في العالم.
ويبدو أن الحكومة تحاول هذه المرة تقديم نموذج من داخلها، عبر التأكيد على أنها ستبدأ بنفسها في تقليص النفقات، وهو عنصر أساسي لكسب ثقة الشارع، خاصة في ظل حساسية الظرف.
فقد تخلت الحكومة عن إنارة الشوارع العمومية، وأوقفت السيارات الحكومية ذات الدفع الرباعي، واعتمدت دوريات مراقبة لمحطات الوقود، كما شددت الرقابة على المنافذ الحدودية صدا لعمليات تهريب الوقود نحو مالي والسنغال المجاورتين واللتين ترتفع فيهما أسعار الوقود مقارنة مع السوق الموريتانية.
خطاب الطمأنة ومخاوف الشارع
لكن وعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي يجمع بين الصراحة والتحذير، لم تغب الأصوات الناقدة، سواء في الفضاء الرقمي أو داخل الطبقة السياسية.
فقد حذّر مدونون من خطورة الوقوع بين فخ التهويل الذي يثير الهلع، والتهوين الذي يقوّض الثقة، داعين إلى خطاب واقعي يضع المواطن في صورة ما يجري دون مبالغة أو إخفاء.
ويستحضر هذا الطرح تجارب تاريخية مثل أزمة النفط عام 1973، التي أظهرت أن المجتمعات تكون أكثر استعدادًا لتحمل الأعباء حين تُصارح بالحقائق، لا حين تُغرق في تطمينات عامة.
معارضة تنتقد… والغاز في قلب الجدل
على الجانب السياسي، لم تفوت المعارضة الفرصة لطرح تساؤلات حادة حول إدارة الملف الطاقوي، فقد اعتبر النائب يحيى اللود منتخب دائرة أمريكا «أن المشكلة لا تكمن فقط في التبعية الطاقوية، بل في «سوء التسيير» وغياب التخطيط، مشيرًا إلى أن موريتانيا تمتلك حصة من الغاز لم يتم استغلالها بسبب عدم جاهزية البنية التحتية.
أما النائب محمد الأمين سيدي مولود، فذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن ما يحدث هو «صناعة أزمة»، مستشهدًا بأسعار الوقود في دول مجاورة مثل المغرب والسنغال وتونس، حيث لا تُسجل نفس مستويات الاضطراب.
وبرز الإعلامي والمدون الموريتاني البارز سيدي محمد كأحد أبرز الأصوات التي تناولت تداعيات الأزمة، حيث دعا إلى مقاربة متوازنة تقوم على الصراحة وتفادي الخطابات المتطرفة.
وأشار إلى أن التوترات الإقليمية، بما في ذلك احتمال تعطل ممرات حيوية مثل مضيق هرمز، ألقت بظلالها على أسواق الطاقة وسلاسل التوريد، وهي معطيات واقعية تستدعي التعامل بجدية، دون أن تتحول إلى ذريعة للتربح أو توسيع دائرة الامتيازات الضيقة.
وتعكس هذه المواقف المتباينة حجم التحدي الذي تواجهه السلطات، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، بل أيضًا على مستوى الخطاب العام وبناء الثقة.
معادلة ذات مجاهيل
وبين خطاب رسمي يدعو إلى تعبئة جماعية لمواجهة تحديات ظرفية معقّدة، وانتقادات سياسية تتهم الحكومة بالتقصير، تظلّ موريتانيا أمام معادلة دقيقة ذات مجاهيل: تأمين حاجاتها الطاقوية في سياق دولي مضطرب، دون إثقال كاهل المواطنين أو تعميق الانقسامات الداخلية.
وفي وقت تتزايد فيه الدعوات إلى إصلاحات هيكلية واستثمارات دائمة في الطاقات البديلة، يبقى مستقبل الاستقرار الطاقوي في البلاد رهين القدرة على تحقيق توازن بين الواقعية الاقتصادية والتوافق السياسي.