ميشيل بارنييه: عزيمة ابن الجبال في خدمة مشروع فرنسي وأوروبي

نتحول اليوم إلى منطقة الألب الفرنسية الجبلية، إلى محافظة La Savoie تحديدا، حيث تلتقي «الأودية الأربعة». الموقع سياحي بامتياز واقتصادي بامتياز أيضاً، عرف المكان تاريخيا كممر استراتيجي يربط بين سهل «بو» الإيطالي وسهل «الرون» الفرنسي، وجغرافياً، بتعاقب مرتفعات ومنخفضات تحاكي تضاريس سلسلة «جورا» المجاورة، خالقا بيئة تجتذب عشاق الإقامات الجبلية الشتوية والصيفية معا.
هذا هو بلد ميشيل بارنييه المفوض الأوروبي الفرنسي، الذي اشتهر بقيادة مفاوضات البريكست ببراعة كانت محل إجماع، سجل فيها، من بين اختراقات أخرى ملحوظة، نجاحا في التوصل إلى اتساق جماعي بين الدول الـ27 شمل 600 اتفاقية. بارنييه اشتهر دوليا أيضا كوزير خارجية فرنسي دخل معتركا تفاوضيا شاقا، لإطلاق سراح الصحافيين كريستيان شينو وجورج مالبرونو المحتجزين في العراق عام 2004.
أردت في هذا المقال أن أنعته بابن الجبال، لأن الجبل يصقل شخصية تمتاز بعزيمة فولاذية، وقدرة مميزة على مواصلة الكفاح، وفوق هذا وذاك، يبث روح تضامن جماعي متأصل في نماذج متسلقي القمم، الذين تحولت إنجازاتهم إلى استعارة محبوكة متداولة في اللغة الفرنسية. عندما أعلن بارنييه عن ترشحه للرئاسة الفرنسية مؤخرا، كانت ردة فعلي الأولى ردة الفعل الطبيعية، التي يشاركني إياها السواد الأعظم من الناخبين: «أف! ترشح آخر لن يساهم إلا في إضعاف اليمين الباحث أصلا عن مترشح طبيعي لا يجده». وصفة جديدة إذن من وصفات الطبخة السياسية المكررة. وعندما راودني هذا التشخيص الأولي، كنت بعيدا كل البعد عن فكرة تخصيص موضوعي هذا الأسبوع لهذا الترشح الجديد. لكن عنصرين مهمين أمالا كفة الميزان باتجاه تغيير رأيي: أداء بارنييه الأوروبي من جهة، والصدى الدولي لترشحه من جهة أخرى. هنا تجد القيمة المضافة لمترشح خبير في الشؤون الأوروبية، يسمح لفرنسا أن توضع على السكة التي ينشدها عدة مسؤولين سياسيين فرنسيين، لكنهم يواجهون بإخفاقات، وهي بلورة قوة أوروبية وازنة تقود سياسة اتحادية ذات إشعاع عالمي. فرنسا يمكنها أن تقود هذا المشروع، لكن على شرط أن تبعث أولا، روح المشروع الأوروبي الذي وضعه الآباء المؤسسون للاتحاد بعد الحرب العالمية الثانية، وهما بالأحرى أبوان مؤسسان فرنسيان، جان مونيه وروبير شومان. وحده ميشيل بارنييه قادر اليوم على بعث هذا الروح، ما يمكنه من تنفيذ حملة انتخابية تركز فعليا على الحلقة الناقصة للدبلوماسية الفرنسية، وهي الاستقواء بالتكتل الأوروبي لقيادة الرهانات الملحة العاجلة، مثل تاسيس منظومة دفاع أوروبية بدأت تتشكل إرهاصاتها في منطقة الساحل، لكن من دون أن تتكشف بوضوح احتمالات بلورتها على المدى البعيد، وفوق ذلك، ضرورة الاستعداد الفعلي، بعد الانسحابات الأمريكية المتعاقبة من ساحات النزاعات العالمية، للمساهمة في مشروع حفظ السلام عن طريق إنشاء قوة أوروبية للدفاع.

شتان بين تعدد بعض المقومات الاتحادية، التي تبين طريقة عمل منظومة، وصنع سياسة متكاملة تحقق مبتغى أوروبيا أساسيا

حفظ السلام، كان هو الشعار الذي لازم فترة تأسيس الاتحاد الأوروبي، لم يكن يدور الحديث وقتها عن مجرد «قوات حفظ السلام» على أهميتها، بل كان يحمل مشروعا متكاملا يتناول مفهوم السلام كأصل لسياسة تشمل كل الأركان: الركن الاقتصادي، الركن الاجتماعي، الركن الثقافي. هذه الأركان، لم نفتقدها، إنها موجودة ويتم تفعيلها، فعلى الصعيد الاقتصادي، كم من إجراء يتخذ في أوروبا وفق مراسيم اتحادية، تنطلق من شروط التصنيع والاستيراد والتصدير عبر رسوم جمركية فاعلة، كما ينفذ الاتحاد ثقافيا برامج التبادل الجامعي الطلابي «إيراسمس» وإذا أردنا تسويق مثل اجتماعي، يمكننا الحديث عن المجلس الأوروبي لحقوق الإنسان، الذي تم الالتجاء إليه أكثر من مرة في الآونة الأخيرة.
لكن شتان بين أن تعدد بعض المقومات الاتحادية، التي تبين طريقة عمل منظومة وتحدد وجوها من تفعيلها، وأن تصنع سياسة متكاملة تحقق مبتغى أوروبيا أساسيا، وهو التوفيق بين القرارات الأوروبية واحترام سيادة البلدان. وتعتبر هذه المواءمة، هذه المجانسة، ورشة عمل لم تفتح بعد، ويمكن لبارنييه أن يفتحها، إنها ورشة ضخمة تتعلق بها أي سياسية أوروبية تعلقا وثيقا. فليس غريبا أن تجد المواطن مكبلا أو متضررا من توصيات أوروبية وصلته «كجلمود صخر حطه السيل من عل» وهنا يمكن التذكير بـ»توجيه الخدمات الأوروبية» الذي صدر عام 2006 والمسمى أيضا بـ»توجيه بلكنستين» الذي كان يفتح الباب أمام إسقاط ضوابط تحديد أجور الخدمات، بحيث قيل جدلا إنه صار بالإمكان الاعتماد على «السباك البولندي» في دول أكثر تنافسية لأنه «يكلف أقل». وكانت فرنسا قد اعترضت حينها على التوجه بشدة. أكثر من ورشة أوروبية يمكن مواءمتها مع سياسة وطنية إذن، وهذا أحد تحديات بارنييه التي ستكون على محكه لتقديم مشروع جديد فعلي وفاعل.
أما الصدى الدولي الذي يمكن ملامسته في مثل هذا المشروع فهو يركز على قدرة بارنييه على خلق المفاجأة بوقوفه سدا منيعا أمام تأهل مارين لوبين إلى الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، خاصة عبر ما يقدمه برنامجه من ترتيب معقلن، أكنا نوافقه فيه أم لا، لأولويات في موجات الهجرة تعطي الأسبقية لطالبي اللجوء وللطلاب، وتعيد النظر في هجرة العمل إلى حين. لست مقتنعا بأن خطة بارنييه ستنجح، لأن الخريطة العقائدية السياسية في فرنسا لا تذهب تقليديا في اتجاه إعلاء الشأن الأوروبي في حملة انتخابية وطنية. لكنني مقتنع بجدوى قناعة الرجل التي تثبت بالدليل والبرهان.
باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية