نجيب محفوظ..

حجم الخط
0

الطاهر بن جلونترجمة: عبد المنعم الشنتوفران صمت عميق يرشح بالحزن والذكريات على القاهرة. توقف كل شيء لفترة تكفي للإحاطة علما بأن نجيب محفوظ رحل عن هذه الدنيا. وكما هو الشأن في رواية ‘السكرية’، فإن موت شخصية ما يتم التعبير عنه بقليل من الكلمات: ‘غادر السيد المنزل’. رجل الشارع الذي راقبه على امتداد حياته، النادل الذي كان يسهر على خدمته في المقهى الشعبي، الصديق والجار، الكاتب الشخصي أو الطالب الذي كان يزوره من أجل مساعدته في البحث في عمله الروائي، وكل مكونات المجتمع القاهري وأكثر من ذلك يرزح تحت وطأة حزن ثقيل. كان نجيب محفوظ جزءا لا يتجزأ من هذا الشعب ومن هاته الحشود التي تنغل في أزقة القاهرة. كان يتأمل من مجلسه في المقهى هذه البشرية بعين سخية ترشح بالإنسانية والسخرية أحيانا والمكر، لكنها تخلو من الشر. كان محفوظ صوت وذاكرة هاته الحيوات المعقدة الصغيرة والعظيمة والرائعة والبسيطة أيضا؛ أي أنها تحمل في داخلها متخيل كاتب وراو وشاهد على عصره..كان بلزاك قد كتب في عمله الموسوم ‘مظاهر بؤس الحياة الزوجية’: ‘ينبغي البحث والتنقيب في الحياة الاجتماعية برمتها كي يستحق المرء أن يكون روائيا، ذلك أن الرواية هي التاريخ الشخصي للأوطان’. ونجيب محفوظ الذي كان قارئا جيدا لبلزاك وتولستوي وزولا وكونراد وفولكنر وكتاب آخرين يستجيب جيدا لهذا التعريف؛ إذ نقب وبحث بعين الفاحص المدقق داخل مجتمعه وحيه وزقاقه ورأى وأدرك ما يوجد ثاويا وراء المطروح للنظر المجرد والظاهر. وقد أفلح بفضل خياله الإبداعي في أن يجعل من الحياة الاجتماعية لبلده أعظم وأكبر رواية كتبت على امتداد التاريخ. لا يمكننا والحالة هاته أن نفهم مصر بمعزل عن نجيب محفوظ وشخصياته التي يتماهى معها كل قارئ.. وهو يروي حيوات أو يمكننا القول بالأحرى إن هاته الحيوات تجتاح الأدب وتتحول إلى مرجعيات لا مندوحة لنا عنها كي نفهم البلد وتعقيداته. كان محفوظ شأنه في ذلك شأن بلزاك وزولا منصتا لشعبه وفي خدمته ومدركا في الآن نفسه أنه يثريه ويمنحه كل الإمكانيات كي يجعل من الأدب ليس فقط رؤية للواقع وإنما جزءا رئيسيا من الواقع اليومي.قيل عن نجيب محفوظ إنه يكتب الرواية الواقعية؛ وهو لعمري خطأ جسيم. لا وجود للواقعية ببساطة، لأن الحياة القاهرية تخصيصا خيال لا ينضب ولا يسعنا سبر أغواره، وحيث تجاور المأساة الكوميديا وتنساب الدموع بتأثير الفرح أو الشجن. لم يكن محفوظ بحاجة إلى أن يبدع وضعيات أو أدوارا غرائبية. وكان يكفيه أن يتأمل الكائنات المحيطة به؛ لأنها هي التي غذته وجعلت منه أعظم وأكبر كاتب عربي في القرن العشرين.جرب نجيب محفوظ كل أساليب الكتابة وضمنها نوع الرواية الجديدة في الستينيات من القرن الفارط، وكان ذلك يمتعه. كانت لغته في البداية كلاسيكية ورصينة، ثم أصبحت بعد ذلك أكثر إبداعية، وتأقلمت مع ما كان يسمعه في أزقة حارته التي لم يغادرها إطلاقا. لا حاجة إلى السفر، ويروى عنه في هذا السياق أنه لم يغادر القاهرة إلا مرة أو مرتين. كان مسافرا ثابتا ومكتشفا للروح الإنسانية وهو جالس فوق مقعده في المقهى.كان تأثيره في العالم العربي عظيما خصوصا بعد الاعتراف الدولي المتمثل في حصوله على جائزة نوبل عام 1988. كان لهذا التتويج تأثير رمزي هام على عدد من الكتاب العرب؛ إذ حررهم ووفر لهم الثقة من جديد في جرأتهم وفي عمل الخيال. حقيق بالإشارة أنهم لا يكتبون مثله، لكن مكانته العظيمة تساعدهم على المثابرة في البحث والتنقيب داخل الحياة الاجتماعية.كان محفوظ رجلا يكره الصراعات؛ إذ أبدى دعمه لاتفاقية السلام بين بلاده وإسرائيل عام 1979. ولم يمحض في هذا السياق أية كراهية للإسلاميين المتشددين الذين حاولوا اغتياله بطعنات خنجر عام 1994؛ إذ كان يعرف أن هذا الفعل محصلة للعمى والجهل. ربما بسبب ذلك اشترط في نهاية حياته من أجل إعادة طبع روايته ‘أولاد حارتنا’ موافقة علماء الأزهر. نشرت هاته الرواية التي لا يمكن عدها مناهضة للإسلام والتي تقدم رؤية حرة نسبيا لتاريخ أنبياء الديانات التوحيدية الثلاث عام 1959 بشكل متسلسل في يومية ‘الأهرام’ وبإيعاز من الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل. وفي عام 1964 عمد الناشر اللبناني سهيل إدريس إلى نشرها في ‘دار الآداب’ البيروتية. وقد احتج ثلاثة شيوخ هم محمد الغزالي، سيد سابق وأحمد الشرباصي لدى عبد الناصر؛ وكان من تأثير ذلك أن التزم نجيب محفوظ بعدم نشر الكتاب. أبدت من جهة أخرى ‘دار الشروق’ التي اشترت حقوق الأعمال الكاملة لنجيب محفوز رغبتها في نشر الكتاب. ومن هنا هذا السجال والوعد الذي قطعه نجيب محفوظ على نفسه والذي لا يرغب في أن يخلفه. غير أن المسألة الأكثر إدهاشا في هذه الحكاية تكمن في عثورنا على نسخة غير شرعية من هذه الرواية فوق أرصفة القاهرة. وحسب وجهة النظر الرسمية، فإن العمل لم تتم إعادة نشره. وقد حدا ذلك بالكاتب جمال الغيطاني والصديق المقرب من نجيب محفوظ، إلى القول إن ذلك يعتبر ذروة النفاق. ورغم الشيخوخة والمرض ( أصيب بالسكري منذ عام 1960) وفقدان القدرة على السمع، فإن محفوظ لم يتوقف إطلاقا عن الكتابة. كان رئيس اتحاد كتاب مصر محمد السلماوي يزوره كل يوم سبت ويطرح عليه الأسئلة. كان محفوظ يملي والسلماوي يكتب، وبهذا الصنيع استمرت مقالاته في الصدور في ‘الأهرام’، ولم يوقفها غير الموت.qadqpt

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية