الجمع والمنع: من بين الأشحّاء الذين تحدّث عنهم الجاحظ في كتابه البخلاء نذكر أصحاب الجمع والمنع الذين شكّلوا ما يشبه الحزب فكانوا يجتمعون في المسجد لتبادل الخبرات في جمع الأموال والحرص عليها من التلف والزوال. يعبدون الدرهم عبادة ويكلّمونه بعشق المحبّ لمن لا يريد فراقه فانظر ما يقوله أحدهم لذلك الدرهم الذي وصل إلى يده بعد سفر طويل: ‘كم من أرض قد قطعت، وكم من كيس قد فارقت… ثم يلقيه في كيسه ويقول له: اسكن على اسم الله في مكان لا تهان ولا تذل ولا تزعج منه. وهو لم يدخل فيه درهماً فأخرجه’.ذاك هو مذهب بخلاء الجاحظ والزعماء العرب: أخْذٌ بغير عطاء وجمْعٌ للثروات في خزائنهم وخزائن أهليهم، وقد ملأت أخبار جرائمهم وسرقاتهم صحفنا والبعض منها لا تصدّقه العقول فهي من نوادر العصر، وستبقى خالدة الذكر فزين الهاربين أو السارقين بن علي لم يشبع بكنوز الأرض فاشترى نجما في السماء بأموال شعبه التي كانت أمانة في خزينة الدولة لتوفير العمل ومقاومة الفقر وبناء الطرقات والمدارس وتوفير الخدمات وتقريبها للناس. ومثل ذلك من الثروات أو أكثر موجود في خزائن مبارك والأسد والقذافي وصالح وأسرهم.كلام بكلام:النادرة الثانية تتحدّث عن ذلك البخيل الذي غضب من سلوك أبيه حين اكتشف أنّه كان يمسح باللقمة على قطعة الجبن فأحدث بها حفرة فقال :’لو علمت ذلك ما صليت عليه. قالوا: فأنت كيف تريد أن تصنع؟ قال: أضعها من بعيد فأشير إليها باللقمة!و هذا مذهب آخر يعمل به دعاة الإصلاح من حكامنا فالحرّية والكرامة والحقّ في التظاهر كلّها كتلك القطعة من الجبن التي يحرّم لمسها. إنّها معادلة عجيبة إذ يعلنون عن منحها للناس ثمّ يمنعون الوصول إليها، فافهم أيها الشعب السوريّ حدودك. نعم رفعت حالة الطوارئ وأصبح لك الحقّ في التظاهر السلميّ بموجب المراسيم الجديدة ولكن هذه وليمة لم تُدعَ إليها حقّا فالمقصود هو كلام بكلام وهذا مثبت في قانون البخل كما جاء في كتاب الجاحظ وهو يحدّثنا عن ذلك البخيل الذي كان يأكل طعاما فسلّم عليه أحد العابرين فردّ السلام ودعاه إلى الطعام فلمّا جلس الرجل ليأكل نهره البخيل قائلا:’ كيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي؟قال الرجل: أو ليس قد دعوتني؟!قال:’ويلك! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام. .. إنْ كنت آكلا فهاهنا بيان آخر: وهو أن أبدأ أنا، فأقول: ‘هلمّ’، وتجيب أنت، فتقول: ‘هنيئًا’، فيكون كلام بكلام. فأمّا كلام بفعال، وقول بأكل، فهذا ليس من الإنصاف!’ لا فرق بين بخلاء الأمس واليوم ونقمة بخيل الجاحظ على والده الذي مسح باللقمة على قطعة الجبن فندم على الصلاة عليه كنقمة الحكّام العرب الذين يقتلون كلّ من تسوّل له نفسه الاقتراب من ولائم الإصلاح وحقوق الإنسان ثمّ يقتلون من يسير في جنازتهم. كان على الشعوب العربيّة أن تقابل تلك الوعود بالشكر والتمجيد لتثبت فهمها واحترامها لمبدأ ‘كلام بكلام’، ولكنّها ‘شعوب حمقاء’ فما أصبركم على شعوبكم أيّها الحكّام البخلاء!ضحكنا من بخلاء الجاحظ وتندّرنا بهم، ولكنّنا نبكي اليوم من شحّ الزعماء العرب الذين لا يتردّدون في القتل والتشنيع بمن يعارض مذهبهم. ولو كان الجاحظ حيّا لأفرد بابا لبخل حكّامنا وبابا لكرم شعوبهم وهم يقدّمون أرواحهم قربانا للحريّة والكرامة.عبد الرزاق قيراط – تونس[email protected]