شاركت أكثر من مائة دولة مطلع هذا الأسبوع في مؤتمر قمة عدم الانحياز في العاصمة الصربية بلغراد بعد ستين عاما بالضبط من انعقاد مؤتمرها التأسيسي، عام 1961، في المدينة ذاتها لما كانت عاصمة للاتحاد اليوغسلافي. كان ذلك في عهد الزعماء الكبار: تيتو، نهرو، سوكارنو، نكروما، عبد الناصر وبورقيبة. وكان بين اللافتات التي ازدانت بها بلغراد آنذاك لافتة تقول بالعربية «سياسة الحرب أكبر عدوّ للإنسانية». وقد عقد المؤتمر الثاني عام 1964 في القاهرة، عاصمة أهم الدول العربية والإفريقية قاطبة آنذاك. أما مؤتمر الجزائر، عام 1973، فهو من أهم العلامات الفارقة في تاريخ حركة عدم الانحياز لأنه أكد، ببادرة من الرئيس بومدين، أن الحياد الإيجابي بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي (قضية السلام العالمي) لا بد أن يقترن بالمساءلة النقدية لعلاقات اللا-تكافؤ بين الشمال الصناعي التكنولوجي الغني والجنوب الزراعي السياحي الفقير (قضية التنمية الشاملة). وتمثل ذلك في المطالبة بنظام اقتصادي عالمي جديد يضع حدا للاستغلال الفاحش الذي ظلت تمارسه القوى الغربية، ولا تزال، بأشكال متجددة منذ ما قبل العهد الاستعماري.
ومما يذكر أن رئيس الشيلي سلفادور آلندي قرر الذهاب إلى الجزائر، لكنه عدل في آخر لحظة بسبب ارتفاع حدة التوترات الداخلية؛ فما هي إلا أيام حتى انقلب عليه العسكر. وإذا كان الدبلوماسي اليوغسلافي إيفو فيفودا قد عرّف عدم الانحياز تعريفا سياسيا عندما قال إنه صار مفهوما كليا في العلاقات الدولية، فإن الكاتبة الهندية موهانجيت غريوال عرّفته تعريفا صوفيّا عندما قالت إنه يلبي نداء ثقافيا وفسلفيا في أعماق الروح الهندية.
وليس لحركة عدم الانحياز اليوم اسم يذكر أو أثر يتذكّر في الإعلام العالمي رغم أنها تضم أكثر من ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ورغم أنها هي التي بادرت هذا العام للدعوة لعقد جلسة استثنائية للجمعية العامة في نيويورك لبحث سبل المعالجة العالمية الشاملة لجائحة كوفيد. وإذا كان عدم الاكتراث الإعلامي بمؤتمر بلغراد هذا الأسبوع متوقعا، بسبب شيوع الانطباع بأن عدم الانحياز لم يعد له من معنى منذ أن انتهت الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفييتي، فإن من غير المفهوم أن يستمر هذا الانطباع حتى بعد انغلاق قوسي ما سمي بالبرهة الأحادية (الظن بأن أمريكا تفردت بالهيمنة العالمية). إذ الثابت لدى المهتمين بالعلاقات الدولية أن عالمنا سوف يظل، لعقود أربعة أو خمسة أخرى على الأقل، منفعلا متأثرا بالتوازنات والتجاذبات بين الدولتين الوحيدتين اللتين ينطبق عليهما وصف القوة العظمى: أمريكا والصين.
عدم الانحياز مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى. ووجه مشروعيته المستقبلية هو أن الإنسانية بأسرها قد صارت مهددة بالهلاك إذا لم تسارع إلى نبذ ثالوث الرأسمالية المتوحشة السائلة دوما هل من مزيد، والاستبداد المتجدد، والديمقراطية القمعية
فالواقع الجلي هو أننا في عصر جديد من الثنائية القطبية يسمه التوتر والتأزم والصراع الاقتصادي والتكنولوجي واحتمالات النزاع المسلح التي اتضحت أخيرا بعقد حلف دفاع أمريكي-أسترالي-بريطاني ضد الصين. لكن هذه الثنائية القطبية ليست المسوغ الوحيد للقول بالمشروعية التاريخية لاستمرار حركة عدم الانحياز (شريطة تجديدها وتزويدها بآليات عمل فعالة ملائمة لتحديات القرن الحادي العشرين).
بل إن هنالك مسوغين على الأقل. الأول هو أن ما تطرحه القوتان العظميان على العالم إنما هو الوصفة الاقتصادية ذاتها: أي الرأسمالية الإنتاجوية (التي لا غاية لها إلا المزيد من الإنتاج والنمو) وما يقترن بها لزوما من هدم للبيئة مؤدّ إلى إتلاف الكوكب، ومن تكييف للفرد مؤدّ إلى إنتاج مجتمعات لا أفق حضاريا لها إلا المزيد من الاستهلاك.
أما المسوغ الثاني فهو أن كلا النظامين السياسيين اللذين تطرحهما القوتان العظميان غير صالحين للمجتمعات الأفروآسيوية والعربية الإسلامية. إذ ليس النظام الصيني سوى أحدث صيغة تجديدية من حكم الخوف والقهر. صيغة فائقة الإحكام والإتقان من استبداد تسخيريّ كلي مسلح بأكاذيب الأيديولوجيا وأساليب التكنولوجيا وألاعيبها. أما النظام الأمريكي فهو مسخرة ديمقراطية أوغلت في الارتهان لمصالح «المركّب الصناعي-العسكري» الذي سبق للرئيس أيزنهاور أن أنذر من مخاطره، ولمصالح قوى المال والدعاية والإعلان، هذا حتى من قبل أن تغزو شبكات التواصل اللا 1 اجتماعي بخوارزمياتها فتتلاعب بالعقول والأفئدة وتؤثر في نتائج الانتخابات.
ومؤدّى هذا كله أن عدم الانحياز مطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى. ووجه مشروعيته المستقبلية هو أن الإنسانية بأسرها قد صارت مهددة بالهلاك إذا لم تسارع إلى نبذ ثالوث الرأسمالية المتوحشة السائلة دوما هل من مزيد، والاستبداد المتجدد بوفر من الفيروسات والسلالات والمتحوّرات، والديمقراطية القمعية المدججة بخدر الفرجة ووهم الاختيار (دون حقيقته).
البديل لم يتبلور بعد. لكن الإنسانية قادرة على ابتداع نموذج تنمية بشرية حافظ للحريات والثقافات وللتوازن بين المجتمع والبيئة وضامن للتكافل الإنساني العابر للبلدان والأديان.
كاتب تونسي
موضوع في غاية من الأهمية خاصة أن الحياة فوق كوكبنا مهددة أكثر من قبل كما ذكر الكاتب الذي يستحق الشكر والتقدير على اهتمامه بمثل هذه المواضيع والتي تتعلق بالحياة