هل نحافظ على البوابة الغربية بعد أن خسرنا العراق … بوابتَنا الشرقية؟

البوابة الشرقية للوطن العربي والمد الشيعي:
عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية سنة 1980، كنت في بداية عملي في قسم الأخبار في التلفزيون الأردني، مطلع ذلك العام. وقد أوفد التلفزيون – آنذاك- الإعلامي القدير زميلَنا الأستاذ محمد أبو زيد، الذي كان مساعداً  لأُستاذنا المرحوم محمد أمين (سقف الحيط)، مديرِالأخبار، ورافقه زميلنا العزيز المخرج المرحوم عدنان عواملة. ذهبا إلى العراق لتغطية مجريات الحرب. كانت رسائلهما المصورة تحمل مضامين كثيرة، وكان هناك تعبير سياسي جديد، برز لأول مرة، يصف العراق أنه (البوابة الشرقية للوطن العربي)، بمعنى أنه  كان خطَّ الدفاع الأول في وجه الأطماع التوسعية الفارسية في البلاد العربية، لتحقيق حلم إقامة إمبراطورية فارس القديمة. فهل حان الوقتُ الآن لأن نعتبر الأردن هو (البوابة الغربية للوطن العربي)؛ بمعنى أنه خط الدفاع الأول في وجه الأطماع الصهيونية التوسعية لتحقيق حلم (إسرائيل: من النيل إلى الفرات)؟

محاولة الخميني تصديرَ ثورته

اندلعت الحرب العراقية الإيرانية في شهر أيلول- سبتمبر 1980، واستمرت لغاية سنة 1988. كان العراق هو من بدأ الحرب كضربة استباقية؛ لإجهاض جهود آية الله الخميني زعيم الثورة الإيرانية لتصدير ثورته الشيعية إلى العراق. وقد أظهر الخميني نواياه لغزو العراق منذ أن كان منفياً في باريس، وأصبح ضمُّ العراق شغلَه الشاغل والبندَ الأول والأهم على جدول أعماله بعد تسلمه زمام السلطة في إيران.
وأذكر أنني بوصفي مندوباً للتلفزيون الأردني كُلفتُ بتغطية مؤتمر صحافي لطارق عزيز – وزير خارجية العراق آنذاك – وهو في طريقه إلى موسكو، بعد نشوب الحرب بقليل. وقد سألته: “إلى متى ستستمر هذه الحرب؟ ” ، فكان جوابه أن “الحرب ستستمر حتى تحقق أهدافها” . لم يكن يدور في خَلَد أيٍ كان – في حينه – أن وقف تصدير ثورة الخميني إلى العراق سيستغرق ثماني سنوات، في أطول حربٍ شهدها القرن العشرون، وراح ضحيتها مليون إنسان من الطرفين.

وقف المد

كان إصرار الخميني على تصدير الثورة إلى العراق وعموم المنطقة أحد أسباب استمرار القتال. وعندما اضطر لوقف الحرب، دون تحقيق هدفه، أعلن مقولته المشهورة أن موافقته على إنهاء الحرب (كانت أشدَّ عليه من تجرع السُّم)، الأمر الذي يدل على أن المسألة كانت بالنسبة له هدفاً أساسياً سعى إلى تحقيقه. فقد رهن حياته كلها لنشر التشيع في المنطقة.
انتظر ورثة الخميني أكثر من 15 عاماً لاستئناف مشواره في نشر التشيع، فسهّلوا لأمريكا احتلال العراق، سنة 2003، وهيمنوا على البلاد في سنوات قليلة، فغيروا خريطتها السكانية بالقضاء على المسلمين وتشريدهم، ثم اتجهوا لاحقاً لبسط نفوذهم المباشر على سوريا ولبنان واليمن، ويسعون لإضافة مزيد من البلدان إلى القائمة. وقد وصل بهم الغرور حداً ظنوا معه أنهم على وشك إقامة إمبراطورية فارس القديمة، لكن هيهات … (إذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده).
البوابة الغربية للوطن العربي والمد الصهيوني:
إذا كان العراق (بوابتَنا الشرقية) قد وقف سداً منيعاً لربع قرن أمام محاولات التوسع الفارسي، ثم سقط سقوطاً مريعاً محزناً، فهل الأردن (بوابتنا الغربية) سيتولى مهمة وقف المد الصهيوني باتجاه الشرق، ويحول دون تحقيق حلم (من النيل إلى الفرات)؟
لقد كانت سنوات حكم دونالد ترامب بمثابة كارثة على القضية الفلسطينية. فقد تسلم هذا الملف صهره الصهيوني المتعصب جاريد كوشنر الذي استغل رعونة عمه وسخّر موارد الدولة الأولى – على مدى 4 سنوات – لخدمة المشروع الصهيوني. فكان نقل السفارة إلى القدس، وصفقة القرن وما صاحبها من تطبيع، كل ذلك جعل رئيس الوزراء نتنياهو ينتشي ومعه غلاةُ المتطرفين، فسرحوا بخيالهم بعيداً وظنوا أنهم أصبحوا أسياد أنفسهم، وصاروا يتصرفون بمعزل عمّن أوجد كيانهم (بريطانيا)، وعمن يدعم وجودهم (أمريكا). شجّعهم على ذلك صفة (الاستعلاء) التي تلازمهم تاريخياً. وهكذا شبت إسرائيل عن الطوق، وتمردت على أسيادها. وأصبحت تفكر وتدبر وتتصرف لوحدها دون العودة إلى مرجعياتها في الغرب.

تحجيم إسرائيل

ظن حكام إسرائيل – خلال عهد ترامب – أنهم قادرون على البدء في تحقيق حلم التوسع شرقاً على حساب الأردن، فزادت استفزازاتهم عن حدها. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفنهم؛ فقد سقط ترامب، وانكشف الغطاء الذي كان يوفره كوشنر. وألغت إدارة بايدن إجراءات ترامب المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وعادت إلى النهج السابق المعتاد في الشرق الأوسط؛ المتمثل في حل الدولتين وتقديم مساعدات اقتصادية وتمويل وكالة غوث اللاجئين (اونروا). والأهم دعم وجود الأردن. وبهذا أصبحت إسرائيل الآن تتعرض  لحملةٍ لتحجيمها وضبط تصرفاتها وإعادتها إلى بيت الطاعة، بعد رحيل إدار ترامب. إن إسرائيل عموماً هي كيان ضعيف يستمد قوته من الخارج. فها إسرائيل ترضخ وتلغي تأجير ميناء حيفا للصين، الأمر الذي جعل بكين تتجه إلى إيران.
خلاصة القول: وجوب حماية البوابة الغربية:
لقد كان هناك فشل ذريع في حماية (البوابة الشرقية)، وها هي المنطقة تعاني من ذيول ذلك الانكسار التاريخي الذي تبعه مدٌ شيعي كبير. وعليه يصبح من الواجب الحفاظ على (البوابة الغربية) حتى لا نتعرض لكارثة جديدة ينتشر معها المد الصهيوني، هذه المرة، ليعم الجزيرة العربية بأكملها. لا بد إذن من التصدي لنهج إسرائيل التآمري، في إشعال الحرائق ونشر الفتن هنا وهناك، بمبرر أو بدون مبرر، كي تستغل حالة الفوضى لتحقيق مآربها التوسعية. لكن الحرائق التي تشعلها إسرائيل لا بد وأن تجد من يطفئها ويجنبنا ويلاتها.

إعلامي أردني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    البوابة الغربية هي مصر!
    مصر صلاح الدين, مصر قطز!! ولا حول ولا قوة الا بالله

اشترك في قائمتنا البريدية