هل يتم استنساخ تجربة جنوب إفريقيا في فلسطين؟

كثير من الناس لا يأخذون على محمل الجد فكرة تحرير فلسطين في ضوء الواقع الحالي، ويتصورون أن ذلك مربوط بحروب عسكرية، تحاصر فيها الجيوش العربية والإسلامية العدو وتهزمه شر هزيمة، ثم تستعيد الأرض المحتلة، والمقدسات، وتطرد المحتلين من البلاد، ويعود لاجئو مؤامرة النكبة، عام 1948، كلٌ إلى بيته وأرضه. وكذلك يعود نازحو مؤامرة نكسة 1967، إلى بيوتهم وأراضيهم.
هذا هو سياق تفكير كل إنسان عربي ومسلم، حر ومخلص، عندما تُطرح فكرة (تحرير فلسطين) على بساط البحث، فهو يتطلع دوماً إلى ذلك اليوم الذي تختفي فيه إسرائيل، وتعود السيادة على فلسطين إلى العرب والمسلمين.

حساب القرايا … وحساب السرايا

لكن كما يقول المثل الشعبي (حساب القرايا ليس مثل حساب السرايا). والمقصود بـ (حساب القرايا)، جمع قرية، أفكار عامة الناس، و(حساب السرايا) أفكار السلطة أو الحكومة أو صاحب القرار. فحساب القرايا لا يتطابق دوماً مع حساب السرايا.
وهكذا فإن تفكير عامة الناس في الحل النهائي للقضية الفلسطينية يختلف تماماً عن حسابات دول الغرب التي تهيمن على عالم اليوم، وتفرض عليه إرادتها. فحسابات الواقع والوضع الدولي لا تسمح بشيء مما يجول في خاطر المواطن العربي والمسلم، فالهيمنة الآن ليست للعرب، ولا للمسلمين، ولا لأحد آخر غير الغرب.
ولذلك فعلى الأرجح، وكما تدل الشواهد والإرهاصات، أن ما يغلب على التفكير الغربي، في موضوع إيجاد حل للقضية الفلسطينية، هو التوجه نحو استنساخ تجربة جنوب إفريقيا في فلسطين.

نظام الفصل العنصري

كان نظام الفصل العنصري قد بدأ في جنوب إفريقيا، على يد الأقلية البيضاء، عام 1948 أيضاً، وخاض صراعاً عرقياً وعنصرياً طويلاً مع الأكثرية السوداء. وبلغ أوج الاعتراض الدولي على نظام (الأبارتهايد) في الستينيات مما تسبب في نبذ دولة جنوب إفريقيا حيث قاطعتها كثير من الدول، بالإضافة إلى معارضة داخلية قادتها الأغلبية السوداء، والمناهضون للعنصرية من البيض وذوي الأصول الهندية. وتحت وطأة هذه الضغوطات الخارجية والمحلية بدأت الأقلية البيضاء، عام 1990، بعد نصف قرن، بتفكيك سياسة الفصل العنصري، وتسلمت الأغلبية السوداء زمام الأمور في البلاد. وهكذا تم التخلص من (نظام الفصل العنصري الأبيض)، ونُقل الحكمُ  إلى أهل البلاد من السود، وأُبقي على المستوطنين البيض حيث هم.
اما إسرائيل، فقد تم بداية في الغرب، خلال السنوات الأخيرة، استخدام مصطلح (نظام الفصل العنصري) لوصف كيانها، خاصة بعد تجميد مفاوضات السلام عام 2014 إبان إدارة أوباما، وبعد بناء الجدار العازل في الضفة الغربية، وإصدارها لقانون القومية عام 2018، وانتشار حركة المقاطعة العالمية، وخروج مظاهرات في كل مكان تندد بممارساتها ضد أهل فلسطين.
إن وصف إسرائيل بـ (نظام فصل عنصري) يحمل في ثناياه دلالات سياسية ومشروعاً لحل القضية الفلسطينية. وإذا ما تم تفكيك هذا النظام فسينتقل الحكم إلى أهل فلسطين، وسيبقى المستوطنون اليهود حيث هم، الأمر الذي سيشكل إحباطاً لكل من كان يتوق أن يرى فلسطين تعود كاملة إلى أصحابها.
إن قيام إدارة بايدن مؤخراً بتخيير إسرائيل بين حل الدولتين أو منح الفلسطينيين حقوقاً متساوية، يزيد الضغط للتعجيل باستبدال نظام الفصل العنصري الإسرائيلي بنظام سياسي آخر تحت مسمى (دولة فلسطين)، على غرار ما جرى في جنوب إفريقيا، بزعامة نيلسون مانديلا، الذي خرج من السجن إلى قصر الرئاسة. ويبدو أن استنساخ تجربة جنوب إفريقيا في فلسطين قد تقرر.
وتصف منظمات حقوقية نظام إسرائيل أنه (نظام تفوق عرقي يهودي من نهر الأردن إلى البحر المتوسط، ونظام تمييز عنصري)، كما تقول منظمة بتسيلم الإسرائيلية. وهذا الرأي ينسحب أيضاً على الأوساط السياسية، وعلى من يعارضون النظام الإسرائيلي الحاكم. إذ صرح مؤخراً عضو الكنيست اليساري عوفر كاسيف أن (إسرائيل اليوم هي الأكثر شبها، من أي وقت مضى، بجنوب إفريقيا العنصرية)، وأن ما تقوم به ضد الفلسطينيين خاصة في القدس والخليل والنقب هو تطهير عرقي.

تغير المزاج الغربي

وفي بريطانيا تخرج أصوات أكاديمية، ربما تعكس رأي المؤسسة الحاكمة، تطالب حكومة بوريس جونسون بالاعتراف بدولة فلسطين. إذ قال المؤرخ أفي شليم، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أوكسفورد، إن الغطاء الذي وفره الغرب لإسرائيل قد سقط وسقطت معه مسيرة السلام، بسبب مواصلة إسرائيل مشروعها الاستيطاني غير القانوني في الضفة الغربية المحتلة.
ومما يشير إلى إمكانية تأييد بريطانيا لاستبدال نظام الفصل العنصري الإسرائيلي هو موقف بوريس جونسون الذي قال إن (اللحظة لم تسنح بعد للعب هذه الورقة). وكان قد أعلن من قبل (أن بريطانيا قد تعترف بالدولة الفلسطينية عندما يحين الوقت المناسب).
توحي تصريحات رئيس الوزراء البريطاني أن المسألة مسألة وقت للوصول إلى هذه (اللحظة) في تحميل إسرائيل مسؤولية جرائمها ثم الاعتراف بدولة فلسطين.
ويعلق الأكاديمي البريطاني على ذلك بالقول (إن الوقت المناسب قد حان الآن). وعليه يمكن الاستنتاج أن المزاج الغربي عموماً تجاه إسرائيل قد تغير فعلاً وليس قولاً.
ومن المعروف أن الغرب أقام إسرائيل بقرار وتوقيع، مثل وعد بلفور. ويبدو مما سبق أن مصير إسرائيل أيضاً مرهون بقرار وتوقيع. فهل يتم سحب الاعتراف الدولي بنظام الفصل العنصري الإسرائيلي، في تصويت بالجمعية العامة للأمم المتحدة، في المكان الذي تم فيه التصويت بالموافقة على إقامتها؟
وهل الكيان الذي لم يُهزم عسكرياً على مدار 74 عاماً سيُهزم سياسياً هذه المرة في جلسة تصويت تستغرق ربع ساعة؟

كاتب من الأردن

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول الكروي داود النرويج:

    الغرب بأجمعه مع الكيان الصهيوني رغم الظلم اللاحق بالفلسطينيين!
    ولا حول ولا قوة الا بالله

  2. يقول الكروي داود النرويج:

    القدس: استبقت إسرائيل تقريرا من المقرر أن تنشره منظمة العفو الدولية “أمنستي”، الثلاثاء، بمهاجمته بشدة.
    وقالت المنظمة الدولية في إعلان إنها ستنشر، الثلاثاء، تقريرا حديثا بعنوان “نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) الإسرائيلي ضد الفلسطينيين: نظامٌ قاسٍ يقوم على الهيمنة وجريمة ضد الإنسانية”.
    وأشارت إلى أن التقرير الجديد “من أكثر الأبحاث والتحقيقات عمقاً وشمولاً التي أجرتها منظمة العفو الدولية للوضع، حتى اليوم”.
    وقالت “أمنستي”: “عمل هذا التقرير، الشمولي بطبيعته، على توثيق كيف أن مصادرة الأراضي والممتلكات الفلسطينية على نطاق واسع، وعمليات القتل غير المشروع، والتهجير القسري، والقيود الصارمة على الحركة، وحرمان الفلسطينيين من حقوق الجنسية والمواطنة؛ جميع هذه الانتهاكات هي مكونات نظام عنصري تمييزي يرقى إلى جريمة ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي”.
    – القدس العربي بالأمس –

اشترك في قائمتنا البريدية