وزير و«كمامة»… وجع التفاصيل في الأردن

يقف وزير الصحة الأردني الدكتور سعد جابر مباشرة أمام بوابة منزل شقيقته في زيارة العيد مرتديا كمامته ودون دخول حرم المنزل بغرض التهنئة بالعيد ويلقي التحية عن بعد عدة أمتار.
كان الوزير الطبيب يستطيع بطبيعة الحال إرسال بطاقة تهنئة بالعيد عبر الهاتف الخلوي.
لكنه أراد ضرب المثل وإبلاغ الأردنيين بأنه قدوة ويبدأ بعائلته عندما يتعلق الأمر بجدية الحظر بعدما أخذ على عاتقه الشخصي مجازفة حشر الأردنيين جميعا لثلاثة أيام متكاملة خلال العيد.
لا أحد يعرف من التقط الصورة للوزير على بوابة شقيقته لكن الرجل كان قبل أسبوع من العيد قد وعد الشارع بأن يفعل ذلك.
لا توجد أدلة على أن المشهد يخلو من «الاستعراض السياسي» ولا أدلة على العكس، لكن الأهم أن الأردني لن يقتنع لا بكورونا ولا بغيرها بأن العيد سيتحول بعد الآن لهذا النمط البائس جدا من تبادل التهنئة، وواحدة من أهم مشكلات القرار السياسي في الأردن مؤخرا أن الطاقم لا يبذل الجهد الكافي والمقنع هنا ولا يمتلك بوضوح الخبرة التي تؤهله لإقناع «سايكولوجيا الجماهير ».
طبعا كان يمكن للمشهد نفسه أن يكون مقنعا أكثر لو لم يتدافع على الأقل مليون أردني للشوارع على بوابات المخابز بعد ساعات فقط من إعلان الحظر الغليظ لثلاثة ايام.
وكان يمكن أن يقنع أكثر وأكثر لو أبلغنا وزير الصحة عن رأيه في هذا التدافع بعدما منع الناس من مغادرة منازلهم لثلاثة أيام.
بكل حال افترض عدم وجود «إجابات» مقنعة حتى عند وزير الصحة وهو بالمناسبة طبيب قلب بارع وليس متخصصا بالوبائيات، لكن المهم أن الرأي العام شاهد الحكومة في صبيحة اليوم الأول في الحظر الثلاثي وهي تبدأ بسلسلة الخصومات.
أحد المعنيين أبلغني مثلا بأن قائمة واحدة تضم أكثر من ثلاثة آلاف اسم تحركت وحصلت على تصاريح تسمح بالحركة صبيحة اليوم الأول للحظر الشامل في العيد.

عندما تصبح الإجراءات «غير مفهومة» اعتدنا كأردنيين أن نستنتج بأن دائرة المسؤولية والتصرف في المستوى البيروقراطي تتزاحم فيها الآراء ويظهر ذلك جليا في الميدان

وبدا واضحا أن الإجراءات لا تدرس بالتفصيل بدلالة أن القرارات في الحظر الشامل بدأت تصدر تباعا بالسماح للصيدليات بالعمل ثم بصهاريج نقل المياه والسبب أن» الوزير» لا يريد حصول أخطاء وبدأ يتحرك لتخفيف الحظر في قطاعه مما يعني بالنتيجة أن مجلس الوزراء لم يدرس الأمر جديا وجيدا بشمولية قبل اتخاذ القرار أو الإجراء.
عندما حصل ذلك مرارا في بدايات أزمة كورونا قيل لنا إن «العدو غامض» وبأن الأخطاء ستحصل وستعالج بمرونة.
لكن اليوم نتحدث عن «خبرة متراكمة» لنحو ثلاثة أشهر كفيلة بأن يتدرب الوزراء وتعرف القطاعات ما الذي ينبغي أن يحصل بالتفصيل عندما يتقرر الحظر الشامل وهو ما لم يحصل في واحد من أكثر قرارات الحظر غموضا وإثارة حتى الآن.
لكن في المشهد الثاني تبدو العلاقة «غير مفهومة» بين ما حصل من تشدد في «عيد الحظر الشديد» وبين بقاء الشوارع مزدحمة ثاني وثالث يوم في العيد لساعة متأخرة من الليل بعد «وجع» البقاء في المنازل لثلاثة ايام.
وتبدو علاقة غير مفهومة بتاتا بين الحظر المتشدد بدعوى منع الاحتشاد وبين سلسلة احتفالات قطاعية بعد ساعات الحظر شهدتها الشوارع بمناسبة عيد الاستقلال وبصورة توحي بأن في المشهد أكثر من اتجاه وأحيانا أكثر من حكومة وعلى الغالب عدة آراء.
في الحالة المحلية عندما تصبح الإجراءات «غير مفهومة» اعتدنا كأردنيين أن نستنتج أن دائرة المسؤولية والتصرف في المستوى البيروقراطي تتزاحم فيها الآراء ويظهر ذلك جليا في الميدان.
واعتدنا الوصول إلى قناعات بوجود أجندات تتزاحم أو تعدد مرجعيات وآباء متناسخون لكل قرار أو إجراء.
بعض المراقبين وأنا منهم دوما تعجبهم «تكتيكات» الحظر والإغلاق خصوصا عندما تنجح في التصدي للفيروس وحماية الأرواح.
لكن هؤلاء جميعا اليوم لا يعرفون كيف تتسلل تكتيكات مضادة لعمق الإجراء أو لعمق كل قرار بحيث تتصرف الدولة ضمن الواجب السيادي العام فتنجح وتفلت التفاصيل في الميدان.
كانت ولا تزال التفاصيل هي التي تفلت في الحالة البيروقراطية الأردنية بسبب خمول الفلاتر وكسل المفاصل وأعراض وأمراض الإدارة البيروقراطية وهوس مسؤولي الصف الثاني والثالث بعدم اتخاذ أي قرار حقيقي حتى في الأزمات تجنبا لتحمل المسؤولية بما في ذلك مشاهدة أنفسهم يوما تحت ضغط الشارع والصحافة أمام تحقيقات «فساد».
الإدارة الأردنية كانت طوال عقود معنية بالتفاصيل ودرجة الامتثال انتهت بطبقة كبيرة من الخبراء الذين تحولوا إلى «ثروة وطنية» تم تصديرها لعقود بهدف المساهمة في بناء دول أخرى… أين اختفى كل ذلك فجأة؟
أحيانا لا يعطى الخبز لخبازه… نفهم ذلك عند مقتضيات الأمن القومي وفي الانحيازات السياسية أحيانا لكن لا نفهمه عندما يتعلق الأمر بلجنة وباء أو بالأمن الزراعي أو حتى الغذائي والأهم الصحي.
مرة أخرى وأخيرة: كانت التفاصيل تفلت قبل كورونا بدون ضرر كبير لكن انفلاتها اليوم يؤلم الجميع.

إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول سامح //الأردن:

    *الله يسامح الجميع ويوفق الجميع.
    اعتقد لا ضرورة لحظر شامل اكثر من يوم
    *حمى الله الجميع من شر الامراض كلها.

  2. يقول ابن الاردن:

    شعب لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب وارى ان تفتح الحكومه كل شيء بلا استثناء وبلا قيود اعتمادا على نظرية مناعة القطيع ومن يمرض فليمرض ومن يموت فليموت فقد شهدنا كيف ان سائق واحد منفلت جاهل نقل العدوي لاكثر من مائة شخص فالطاقه الاستيعابيه للمستشفيات محدوده وبعدها قد يتوقف الوباء عندنا ما لم يطور نفسه بصوره جديده

    1. يقول ابوزيد الهلالي يقول:

      وحضرتك مين يعني..حتى تقرر يعيش من يعيش ويموت من يموت..حضرتك وصي على الشعب الأردني مثلاً..

  3. يقول تيسير خرما:

    عبر للمستقبل لكل دولة حظر السفر مع العالم فور تفشي وباء خارجها وإنشاء محجر ومشفى ميداني عند كل منفذ بري بحري جوي وتجنب تشجيع عودة مغترب أو طالب إن أمكن مساعدته بمكانه، وتجنب شل تعليم واقتصاد بل تشجيع عمل كل قطاع خاص استيراد تصدير إنتاج صناعة زراعة تجارة صيانة خدمات عدا سياحة مع تعميم تعليمات وقاية وتوزيع كمامات وقفازات طبية ومعقم أيدي مجانا، وتجنب حظر تجول وتنقل وتسوق بل فتح حدائق ومتنزهات وملاعب مكشوفة، ومضاعفة قدرة مشافي وفرق تقصي وتعميم فحوصات لحصر بؤر وباء وتوفير معدات حماية لأطقم فحص وتمريض

  4. يقول مواطن 1111:

    أعتقد أنه استعراض لا سيما أنه ظهر قبل فترة أمام سوبرماركت يقع مقابل منزل أحد أصدقائه حيث قام ابن صديقه بتصويره وهو يقف متباعدا بالطابور أمام السوبر ماركت ، ومن ثم يتم توزيع هذه الصور !!!

  5. يقول طارق مصطفى:

    شكرا أستاذ بسام. الادارة الحالية تحتاج الى خبراء ومتمرسين في سيكولوجيا الجماهير المدنية تعتمد مبادئ احترام عقل المواطن وحقه في المعرفة المسبقة وحقه في المشاركة في متلازمة الصلاحية والمسؤولية، وهذا ما غاب عن دائرة صنع القرار خلال هذه الازمة الممتدة! لن يصلح الحال الا اذا تحققت ثلاثية “الامانة والكفاءة والانتماء” دون تقديم واحدة على اي منها.

  6. يقول محمد حاج:

    للامانة : ما قامت به حكومة الاردن فاقت حكومات كثيرة عربية وغيرها ، وبشهادة بعض وسائل الاعلام العربية التي طالبت حكومتها بحذو حذو الاردن في كيفية التعامل مع هذا الوباء ، نعم توجد أخطاء ، لكنها بسبب كثرة العمل ، فمن لا يعمل لا يخطئ ، ولكن اغلب الاخطاء اتوقعها تحصل من ضغوط الاشاعات والاخبار الكاذبة ، فكيف تعمل حكومة وسط وباء ضار ، وهي عينٍ تخطط وتراقب الوضع الصحي ، وعين اخرى تراقب الاشاعات وعبارات التثبيط والذم ؟ ، فلم أرَ في عدة قرارات حكومية أحدا يرضى ، وكأنه يذم من أجل الذم وكما قيل فيهم :
    فهل حاروا مع الاقدار ….. أم هم حيّروا القدرا ؟

  7. يقول محمد حاج:

    هنا لا أدفع عن أحد ، بالنسبة لموضوع التصوير واحتمالية أنه متعمد أم لا ، فالوزير شخصية سياسية لكنه إنسان يؤدي دوره في المجتمع كأي فرد ، فكونه يُرى في مخبز أو سوق أو حتى عند أخته يسلم عليها ، فلا يمكن الحُكم عليه أنه متعمد ، لانه مثلا لو كان لا يريد أن يصور نفسه ، فمن المؤكد أن هناك عشرات كاميرات التصوير تصوره دون إذن منه بل تنشرها في كل بقاع الارض ، هي في غايتها سبق تصويري أمام معارفها ، لكنها عِنْدَ الغير اتهام للوزير بتعمد التصوير ، لذلك أتمنى من كل مصوّر أن يتخيل أحدا من المصورين الاخرين وهو يصوره بين أهله دون إذن منه ، ليزن تصرفاته هل هي طبيعية أم لا ؟

  8. يقول امجد فاخوري:

    استاذ بسام انت بتعرف زي ما كل الشعب الاردني بعرف انه اللي عملته الحكومة الاردنية كان جهد فاق التوقعات واحنا بالاخير النا بالنتائج اللي ما حدا بيقدر ينكرها .اعتقد انه عدد لابأس فيه من الشعب الاردني اثبت عدم وعيه والدليل التدافع غير المبرر الذي كان يحدث عند كل قرار حظر و التصرفات غير المقبولة بالشارع من عدم لبس الكمامات واصرار البعض على المصافحة والتقبيل!!!خلينا نتعاون ونلتزم والله يهدي البال نخلص من هالوباء
    ربنا يحمي الاردن

  9. يقول محمود الشوبكي:

    يا اخوان ما قصرت الحكومة والجيش بشي
    ما بدنا كل واحد حسب مزاجه وهواه لا هذا
    مصير كل الأردنيين غلطه من شخص مستهتر ممكن تكلفنا الكثير. واذا القياس
    ان الحكومه ترضي كل الناس هذا صعب
    الانبياء والمرسلين ما ارضوا الناس. الاهم مصلحه البلد والاردن والاردنين بغض النظر أنه عجبني أو ما عجبك اهم مصلحتنا. الصبر مفتاح الفرج ودعم القائمين على هذه الأمور . ودعمهم والصبر شويه. والله يسهل الامور.

اشترك في قائمتنا البريدية