مع تطور السرد الفلسطيني، اتسعت وظيفة الحلم لتغدو عنصرًا بنيويًا في مشروع إبراهيم نصر الله الروائي، خاصة ضمن مشروع (الملهاة الفلسطينية). ففي أعماله لا يظهر الحلم بوصفه حدثًا عابرًا أو تقنية تزيينية، بل جزءاً من إعادة كتابة التاريخ عبر الذاكرة الداخلية للشخصيات، ومساحةً لإحياء الأرض والقرية والوجوه الغائبة. وهكذا تتحول الأحلام إلى وثائق مقاومة، وإلى طريقة لتوليد سرد موازٍ يواجه سرد الاحتلال، ويعيد تثبيت الهوية الفلسطينية في الواقع والمخيلة معًا.
ومن هنا تأتي روايات مشروع «الملهاة الفلسطينية» لإبراهيم نصر الله لتقدّم نموذجًا بارزًا لهذا التوظيف، حيث يُعطي الحلم دورًا محوريًا في بنية السرد، ويصبح وسيلة لإعادة إنتاج التاريخ الفلسطيني من الداخل.
وأتناول في هذه المقالة وظيفة الحلم في الرواية، والبحث في كيفية تفاعله مع الذاكرة والهوية والمقاومة، واعتماد رواية «زمن الخيول البيضاء» نموذجاً.
تعريف برواية (زمن الخيول البيضاء) وعالمها:
رواية «زمن الخيول البيضاء» تمثل قرية فلسطينية زراعية تمتد أحداثها على مدى نصف قرن، من أواخر العهد العثماني إلى فترة ما قبل النكبة… تعكس الرواية الحياة اليومية لأهل القرية، حيث ترتبط الأرض والزراعة والخيول بنسيج الهوية الفلسطينية.
مع مرور الوقت، تتعرض القرية لضغوط متتالية: سطوة العثماني وتداعياتها، والاحتلال البريطاني وعلاقته بالمشروع الصهيوني، وبدايات مصادرة الأراضي وتهجير السكان من قبل الصهاينة.
يواجه السكان تحديات جسدية واجتماعية: الاعتقالات، هدم البيوت، مصادرة الأراضي، قتل الخيول التي تمثل رمزية الكرامة، وتفكيك النسيج الاجتماعي… وفي ظل هذا الواقع، يظهر الحلم ليس بوصفه هروبًا، بل وسيلة للحفاظ على صورة العالم كما كان واستعادة ما فُقد.
أولا: الحلم بوصفه أرشيفاً للذاكرة
المشهد: الحلم الذي تراه الأم أو الجدة عن القرية قبل المصادرة وتغير ملامحها؛ فترى الأمُّ البيادرَ ممتدة كما كانت في مواسم الحصاد، والحقولَ خضراء واسعة لا يقطع امتدادها أي سياج أو حاجز… تعود الخيول إلى المراعي القديمة تركض بحرية، وترتفع أصوات الجيران المتعاونين في مواسم الزراعة… الوجوه القديمة للأقارب، والأصوات التي اندثرت، وحتى رائحة التراب الرطب، تعود في الحلم بكامل حضورها، كأن الزمن قد توقّف عند لحظة ازدهار القرية الأولى.
ويعمل الحلم هنا كأرشيف حي، ليس لأنه يستعيد صور الماضي فحسب، بل لأنه يعيد إنتاج العالم الذي تهدّم بسبب المصادرة والاحتلال… إنَّ الحلم في هذا السياق يمثل ذاكرة مضادة للطمس؛ فهو يحفظ التفاصيل التي يُراد لها أن تختفي، ويعيد تشكيل الذاكرة الجمعية من الداخل، فيمنح الشخصية وأهل القرية كلَّهم، إمكانية التمسك بصورة الذات كما كانت قبل التشويه. وبذلك يتجاوز الحلم حدود الذكريات الفردية ليصبح وثيقة هوية ضدّ المحو.
ثانيا: الحلم بوصفه آليةً دفاعية
المشهد: حلم الطفل خالد، الذي فقد والده بسبب الاعتقال والاضطرابات السياسية.
الوصف: يرى خالد والده يسير بين الحقول، يراقب الغيوم، يمسد رؤوس الخيول، ويعتني بالبذور كأنه ما يزال حاضرًا في الزمن نفسه. في الحلم، يتحول الأب إلى راوي حكايات القرية القديمة، يتحدث بخفة، ويضع يده على كتف طفله، ويعيد له صورة الحماية التي حُرِم منها في الواقع.
التحليل: تمثل الأحلام لدى الأطفال آلية نفسية لمواجهة الفقد، وفي الرواية يصبح حلم خالد وسيلة لحماية ذاته الهشة من الاضطراب السياسي. فالحلم يعيد للأب حضوره الرمزي، ويعيد للطفل الشعور بالاستمرارية والارتباط بالجذور. ومن خلال هذه الاستعادة، تُرمّم الروابط الاجتماعية والعائلية التي يحاول الاحتلال تفكيكها. هكذا يتحول الحلم إلى مساحة علاجية غير واعية، تعيد تشكيل الأمان الداخلي وتدعم قدرة الطفل على مقاومة واقع التفكك.
ثالثا: الحلم بوصفه كسراً لخطّية الزمن
المشهد: حلم شخصية وديع، الذي يرى نفسه طفلاً يركض خلف الخيول، ثم ينتقل فجأة لرؤية نفسه شابًا يقف أمام البيت المهدّم.
الوصف: يبدأ الحلم في مراعي طفولته: خيول بيضاء تركض، ضحكات الأقران، أصوات الأمطار. ثم، بدون مقدمات، يتحوّل المشهد إلى حاضر قاسٍ: بيوت مهدّمة، أراضٍ محروقة، وأطلال تشير إلى الانكسار. الزمن في الحلم لا يسير للأمام، بل يلتف ليضع الماضي والحاضر في نقطة واحدة.
التحليل: يستخدم نصر الله الحلم كأداة لكسر خطّية الزمن وإظهار التشظي الذي يعيشه الفلسطيني. فالحلم يفضح التقاطعات بين الماضي المشرق والحاضر المثقل بالخسارة، وهو بذلك يتيح للشخصية إدراك حجم التحولات التي طالت القرية. وبهذا المعنى، يصبح الحلم وسيلة سردية تكشف البعد التاريخي للصراع، وتضع الشخصية في مواجهة زمنين: زمن ما قبل الاحتلال، وزمن ما بعده، حيث يُختزل كل تاريخ القرية في مشهد رمزي واحد.
رابعا: الحلم كونه رمز ا للكرامة وعلاقته بالخيل
المشهد: حلم أحد الخيّالة بعد مشاهدته ذبح الخيول في الواقع.
الوصف: يظهر الحصان الأبيض في الحلم يركض بخفة عبر السهول، لا يوقفه سياج ولا جندي. ريشة الضوء على جسده، وصهيله الممتد في الفضاء، يشيران إلى انفلاته من كل قيد. يتقدم الحصان نحو الفارس، لكنه لا يصل إليه تمامًا، كأنه يذكّره بما فقده وبما يجب الحفاظ عليه.
التحليل: هنا يصبح الحصان في الحلم رمزًا للكرامة المستعادة، بعد أن انتُهكت في الواقع. وفي الثقافة الفلسطينية، تمثل الخيول رمزًا أصيلًا للشهامة والهوية الفِلاحية. وعندما يذبحها المحتل، فهو لا يستهدف الحيوان، بل يضرب الرمز ذاته. ولذلك يأتي الحلم ليعيد للحصان حضورَه، ويحوّل الفقد إلى مقاومة، ويقدّم للفارس إمكانية استعادة ذاته المقهورة. فالحلم هنا ليس رمزًا فقط، بل فعل مقاومة رمزية يعيد تشكيل معنى الحرية في الوعي الجمعي.
خامسا: الحلم بوصفه وسيلة لاستعادة الوطن
المشهد: حلم جماعي لأهل القرية، يظهر فيه الجميع في ساحة القرية القديمة، يعيدون ترتيب البيوت والعناية بالأرض كما لو أن الهدم لم يقع.
الوصف: يتجمع الرجال والنساء في الساحة، يحملون أدوات الزراعة، يرفعون الحجارة إلى مواضعها الأولى، ينظفون الآبار، ويعيدون رسم ملامح القرية على الأرض. الأطفال يركضون بين البيوت، والنساء ينشرن الغسيل، ويبدو المشهد كاملًا كأن الاحتلال لم يمر.
التحليل: هذا الحلم الجماعي يعيد تكوين الوطن بصورة رمزية، ويمنح الشخصيات مساحة لتجاوز فقدان المكان. إنّه وطنٌ منسوج من الذاكرة، وليس من الجغرافيا، وطنٌ يُستعاد في اللاوعي حين يُنتزع في الواقع. يمثل الحلم هنا فعلًا جماعياً للمقاومة الرمزية، ويعمل كبديل معنوي للوطن المفقود، مما يرسّخ فكرة أنّ الأرض لا تُستعاد فقط بالسلاح، بل بالذاكرة والخيال أيضًا.
سادسا: الحلم بوصفه جسرا بين الأجيال
المشهد: حلم العجوز أم حسن الذي يظهر فيه الأبناء والأحفاد والأجداد في بيت واحد، رغم أن الحياة الواقعية مزّقت هذا النسق عبر الهجرة والاعتقالات والتهجير.
الوصف: ترى أم حسن البيت العتيق يفتح أبوابه للجميع: الأبناء الذين غادروا، الأحفاد الذين وُلدوا في المنافي، والأجداد الذين رحلوا منذ عقود. يجلس الجميع حول المائدة نفسها، ويتشاركون الطعام والضحك، بينما تهبّ رياح القرية القديمة على شبابيك البيت.
التحليل: هذا الحلم يوحّد الأسرة ككيان رمزي تتجاوز حدوده الزمنية والمكانية. في سياق الاحتلال الذي يفكك الروابط الاجتماعية، يعمل الحلم على إعادة اللحمة بين الأجيال، ويقترح شكلًا من أشكال الاستمرارية التي يحاول الواقع محوها. وهكذا يصبح الحلم جسرًا يربط الماضي بالحاضر، ويعيد للأسرة الفلسطينية نموذجها الأصلي، بما يحمله من تماسك واستمرارية وذاكرة ممتدة.
يتضح أن الحلم في «زمن الخيول البيضاء» يشكل بنية أساسية للسرد الفلسطيني، يحفظ الذاكرة، ويعيد إنتاج الأرض والهوية، ويقدّم سردية مضادة للمحو التاريخي. ومن خلال الحلم، تظهر قدرة الرواية على تحقيق المقاومة الرمزية والفكرية حتى في أصعب الظروف، مما يؤكد أن الحلم ليس مجرد أداة جمالية، بل عنصر وجودي في المشروع الروائي لنصر الله.
في عالم إبراهيم نصر الله، الحلم ليس نقيض الواقع بل وجهه الآخر.. هو مساحة الحرية الوحيدة الممكنة، وهو الذاكرة التي ترفض أن تموت.
كاتب فلسطيني
.
مقالة مميزة بأسلوب جديد ومختلف.. كل الشكر للكاتب