يهود فرنسا والانتخابات الرئاسية

بعد دعوة أبرز المؤسسات اليهودية في فرنسا إلى التصويت للرئيس إيمانويل ماكرون الذي فاز في الدور الثاني لانتخابات الرئاسية االتي جرت في الرابع والعشرين من نيسان / أبريل الجاري؛ من أجل ضمان الحفاظ على مبادئ الجمهورية الرئيسية، كقيم إنسانية تنادي بها “اليهودية” كما أشارت الدعوة ؛ برزت أسئلة حول يهود فرنسا وأهميتهم في إطار المجتمع الفرنسي؛ فضلاً عن إمكانية جذب مزيد من يهود العالم بعد تراجع أرقام الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة بشكل ملحوظ منذ بداية التسعينيات من القرن العشرين .

ملفات الهجرة

فتحت مكاتب الوكالة اليهودية في فرنسا خلال السنوات الأخيرة مئات الملفات لهجرة يهود فرنسا واستيعابهم في إسرائيل، والاستفادة من الطاقات العلمية الكامنة، وتحقيق ميزان ديموغرافي إيجابي.
وتعتبر الجالية اليهودية في فرنسا من الجاليات اليهودية الكبرى في أوروبا وأكثرها نفوذاً على الإطلاق، حيث وصل مجموع أفرادها خلال العام الحالي 2022 إلى نحو (550) ألف يهودي، وينحدر ستون في المائة منها من أصول مغاربية، ولها نفوذ في كافة مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، هذا فضلاً عن كون أبنائها يتبوؤون مراتب عليا في الدولة والمجتمع في الجامعات الفرنسية، وفي مجالات العلوم التطبيقية والعلوم الإنسانية.
وفي المجال الاقتصادي، فإن القسم الأكبر من العمالة بين اليهود يتركز في قطاع الخدمات والأعمال التجارية، وتصميم الأزياء وفي الإعلانات وقطاع الإعلام الفرنسي حيث يلاحظ نفوذ يهودي في وسائل الإعلام المختلفة، خاصة الدوريات والصحف الهامة والفضائيات، ولرأس المال اليهودي المنظم دور في ذلك، كما توجد في فرنسا مائة جمعية يهودية. إضافة إلى ذلك؛ فإن سر نفوذ اللوبي اليهودي في فرنسا يكمن في تعدد المنظمات اليهودية المنتشرة في فرنسا وأهدافها المتقاطعة مع اليمين الإسرائيلي، وكذلك في رأس المال اليهودي المنظم والداعم مادياً ومعنوياً لإسرائيل، حيث يقوم عدد كبير من الشباب اليهودي في فرنسا بأداء الخدمة العسكرية في إسرائيل فترة محددة، ثم يعودون إلى بلد المنشأ.

قيام الثورة الفرنسية

وعند استعراض تطور وجود اليهود في فرنسا، نجد أن عددهم لم يتجاوز عند قيام الثورة الفرنسية في عام 1789 أربعين ألف يهودي، من أصل 26 مليون فرنسي. وفي عام 1810 -أي بعد الثورة الفرنسية التي منحتهم حقوقاً متساوية مع بقية الفرنسيين- ارتفع عددهم ليصل إلى 46583 يهوديا.
وحسب إحصائية صدرت عن الجالية اليهودية، فإن 115 ألف يهودي قد جاؤوا إلى فرنسا بين عام 1880 و1939، إذ وصل 30 ألف يهودي خلال الفترة ( 1881-1914) ، و85 ألفا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وبفعل الزيادة الطبيعية وهجرة بعض اليهود المغاربة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية- ارتفع عدد أفراد الجالية اليهودية في فرنسا ليصل إلى نحو (550) ألف يهودي خلال العام الحالي 2022.

الحرب العالمية الثانية

لم تكن هجرة يهود فرنسا إلى فلسطين منظمة قبل عام 1948، ولكن خلال الحرب العالمية الثانية بدأت عائلات يهودية تهاجر إلى فلسطين هربا من الاحتلال الألماني لفرنسا. وحتى قيام إسرائيل لم يهاجر إلى فلسطين من يهود فرنسا سوى 3943 يهودياً، وأكثر سنوات الهجرة عددا كانت سنة 1949 حيث وصل إليها 1653 يهوديا فرنسيا، وفي السنوات العشر الأولى بعد قيام إسرائيل لم يهاجر إليها من فرنسا سوى 7768 يهوديا.
ومن الملاحظ أن نسبة اليهود الفرنسيين المهاجرين إلى إسرائيل ضعيفة، وأغلبيتهم من اليهود الذين التحقوا بأقارب لهم هاجروا إليها من مناطق مختلفة من أوروبا. بل إن اليهود الذين هاجروا من مصر والجزائر وبقية دول المغرب العربي فضلوا الهجرة إلى فرنسا على الهجرة إلى إسرائيل.
وبشكل عام تشير دراسات إلى هجرة نحو 90 ألف يهودي من فرنسا إلى فلسطين المحتلة منذ إنشاء إسرائيل وحتى نهاية عقد التسعينيات من القرن المنصرم.
وتراجعت أرقام هجرة يهود فرنسا خلال العقود الماضية إلى فلسطين المحتلة، الأمر الذي دفع إسرائيل لوضع مخططات بهدف مضاعفة أعداد المهاجرين اليهود من فرنسا.
وعلى الرغم من تأكيد وزارة الهجرة الإسرائيلية وصول (90) ألف مهاجر يهودي خلال عام 2021، مقارنة بـ (35) ألف مهاجر خلال العام المنصرم 2019، جلهم من الولايات المتحدة، موطن أكبر جالية يهودية في العالم. لكن ثمة شكوكا حول قدرة المؤسسة الإسرائيلية على جذب أعداد كبيرة من يهود أمريكا وفرنسا على وجه الخصوص على غرار هجرة اليهود من دول الاتحاد السوفياتي السابق.
وفي الوقت الذي ينحاز عدد كبير من اليهود الفرنسيين إلى جانب إسرائيل وسياستها التعسفية التهويدية ، فإنه لا توجد عوامل طاردة لليهود من فرنسا في ظل ديمقراطية فرنسية مشهود لها، وكذلك عوامل الجذب الاقتصادي والرفاه الاجتماعي هناك مقارنة مع إسرائيل؛ كما أن ثمة دولا أوروبية قد تكون أكثر جاذبية ليهود فرنسا من إسرائيل في ظل التحولات التي يشهدها العالم .

كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في قائمتنا البريدية