محمود درويش واللقاء الأول

حجم الخط
21

كان محمود قد أعطي فيزا لمدة 24 ساعة فقط لدخول واشنطن من نيويورك، حيث حضر جلسة من جلسات الأمم المتحدة بشأن فلسطين. كانت الفيزا التي تدخل حاملها الى منطقة مبنى جامعة الأمم، ليست لها علاقة بيروقراطية بالفيزا الأمريكية العادية، التي تدخل الى باقي أمريكا، التي كانت لها شروطها شبه التعجيزية لأي شيوعي قديم. وسبب حاجة هذا الشاعر للنوع الثاني من الفيزا لدخول العاصمة الأمريكية واشنطن، كانت الدعوة التي وجهتها له جامعة جورجتاون العريقة، لكي يقرأ شعره هناك.
أبلغتني صديقة مصرية عن موعد القراءة ومكانها، وطلبت مني أن اصطحبها الى هناك، لانها كانت تحب طالبا من يافا، وكانت متأكدة أنها ستراه لو حضرنا. لم أعرف ماذا أفعل: لم أرد خذلان صديقتي الهائمة بالغرام، ولكن، في الوقت نفسه، لم أرد ان أتأخر عن درس الرواية الفيكتورية التي كانت جزءا من دوامي. فاتفقت معها أن أوصلها الى المكان، وأجلس في الصف الأخير لعدة دقائق، ثم انسحب بسرعة وصمت.
هكذا فعلنا. ولكن هجم القدر وأخذ شكل يد سمينة تذرب من العرق، هي يد كلوفيس مقصود الذي تمنطق بذراعي وشدني بعنف الى المقعد الأمامي مواجه محمود درويش. كنت حينها بوهيمية الهوى، أنتعل صندلا مخمليا بكعب عال، بلون البنفسج، وأظافر أصابع قدمي مطلية باللون الأسود. ربما كان ذلك رد فعل على تقاليد تلك الجامعة «الجيزويت» المسيحية التقليدية جدا، حيث كان المدرسون والدارسون فيها يحاولون الاختفاء وراء لباس رسمي باهت لا يدل على أي حرية شخصية.
في اللحظة التي جلست أثناءها، كانت عينا محمود تحدقان بالأسود الطاغي المتنافر مع بياض جلدي. كان ينظر بفضول واستغراب، وحين رفع عينيه، وجد انني أمسكته متلبسا بالنظر إلى ساقي، فضحكت. حينها، بدأ هو الآخر بالضحك اللا ارادي، ثم التثاؤب من دون توقف، محاولا ضبط نفسه لأنه كان على وشك إلقاء الشعر.
بدأ بقراءة «قصيدة الارض»:
« في شهر آذار، في سنة الانتفاضة، قالت لنا الأرض
أسرارها الدموية. في شهر آذار مرت أمام
البنفسج والبندقية خمس بنات. وقفن على باب
مدرسة ابتدائية، واشتعلت مع الورود والزعتر البلدي.
افتتحت نشيد التراب. دخلن العناق النهائي – آذار يأتي إلى الأرض من باطن الأرض يأتي، ومن رقصة الفتيات –
البنفسج مال قليلا
ليعبر صوت البنات. العصافير مدت مناقيرها
في اتجاه النشيد وقلبي»

كان وقع هذه الأسطر انفجارا حسيا لأعصابي. لم يكن محمود درويش معروفا آنذاك في العالم الأنكلوسكسوني، ولم تكن له ترجمات إلى اللغة الانكليزية. فالقاعة كانت شبه فارغة، والحضور تألف من بعض الطلاب العرب، الذين، مثلي أنا، حفظوا «سجل أنا عربي» في صفوفهم الاعدادية في أوطانهم الأصلية، وبعض الأصدقاء والسفراء العرب.
حين انتهى من القراءة، طلب منه شاب مغربي أن يقرأ قصيدة «سجل» قال له محمود الذي كان دوماً يصر على إجبار جمهوره أن يلحقوا به كلما تغير وتطور شعريا، بقليل من العصابية: «سجل أنت؛ فأنا سجلت!».
حينها، قمت لأذهب الى ما تبقى من محاضرتي، فوجدت حاتم حسيني، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، يناديني باسمي لأعود، لأن محمود كان قد نزل عن المنصة ماشيا باتجاهي، تاركا وراءه المعجبين الذين أرادوا توقيعه على كتبه.
«أنا مضطر لمغادرة واشنطن في الصباح الباكر لأعود إلى بيروت، فهل تريدين مني أن آتي بأي شيء لعمك نزار؟».
شكرته وابتسمت وقلت: «نعم، أوصيك بإيصال هاتين القبلتين لخدي عمي الحبيب» ثم قبلت محمود بعفوية على وجنتيه. فاحمر وجهه خجلا. سألني هل يمكنك مرافقتنا إلى العشاء؟ فقلت: «لا، لأن أهلي بانتظاري في البيت».
فرد: «اسمحي لي بسؤالك على انفراد للحظة». ابتعدنا عن الجمع لمدة خمس دقائق، فقال مباشرة: «هل تقبلين الزواج مني؟» أجبت بنعم، أقبل الزواج منك، فقال: «علينا اذا أن نتزوج فورا، لنذهب إلى باريس، وننتظر فتح مطار مدينة بيروت حيث أسكن».
أخرج من سترته ورقة بيضاء وبقلمه «الباركر» قسمها نصفين، ووضع اسمينا في أعلى كل قسم، وقال لي اكتبي ما تحبين في الحياة تحت اسمك، وأنا سأكتب في خانتي ما أحب. طلبت منه أن يبدأ. فكتب ما يلي: «عصا الراعي، غروب الشمس في الجليل، القطط، الحذاء الايطالي الناعم الملمس، الأزعر موتزارت، الغتيار الإسباني، قصص تشيكوف، قيلولة بعد الغداء، صدف البحر، سمك السلطان ابراهيم المقلي».
ثم أعطاني الورقة، فكتبت: «الفل المطبق، الورد الشامي الجوري، رائحة زهر الياسمين عند المساء، صوت الآذان في حي الشاغور، الأوركيد البري، المحيط الهندي والبراكين التي تحيط به، شجر الموز والمطر الاستوائي، القطط، ثم القطط، ثم القطط».
حينها، ذهبنا إلى جامع واشنطن وكان قد وصل إليه بعض الأصدقاء وأهلي، فسألني محمود: «ما هو مهرك؟».
قلت «مهري هو الحرية، فلا أريد منك سوى عصمتي بيدي».
لا أظن أنه فهم ما معنى العصمة، فقبل مباشرة، وزوجنا الشيخ، وبدأنا رحلتنا الأولى معا، التي دامت تسعة أشهر.
بعد ساعات كنا على طائرة فرنسية، متوجهين إلى باريس، حيث كنا نعرف أن عز دين قلق كان بانتظارنا في المطار.
حينها كنت في الثامنة عشرة من عمري.

رنا قباني

1

3

كلمات مفتاحية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول يوسف غزة:

    مؤثرة للغاية

  2. يقول عبد الرشيد حاجب - الجزائر:

    إبداع في القص
    علقنا هنا
    في انتظا الباقيات
    شكرا رنا .

  3. يقول ج. ا. (الشمأل) لندن:

    لم تدر تلك الزميلة المصرية الجميلة، وكيف لها أن تدري، أنها كانت تصنع تاريخاً في الحب لأمة العرب وبيدين بديعتين ومبدعتين تفتح بوابة حب لا مثيل في الأيام له أنزل شاعراً كبيراً في لحظة عن عرش شعره وحوله طفلاً متيماً لا يعرف كيف يخفي ولعه، ولع جماله يكمن في فجائيته وآنيته وطغيان إلهامه النادر.

  4. يقول رياض القلموني:

    سيدتي رنا قباني

    كلامك العفوي يمر كالشفرة بين الوريدين, خاصة لمن عرف هذا الشاعر عن قرب بانفعالاته، وكبريائة، وصراحته في قوله للاشياء كما يراها دون مواربة، فليس غريبا ان يطلب منك الزواج من اول لقاء. رغم اني اعرف انه لم يكن يحب ان يملكه احد. فبحسه الشاعري المرهف، وصدق مشاعره وجد فيك ما يرنو إليه، وما اصعب أن يعجب بأحد، أو ان يهادن احدا. ألم يطلق زوجته الثانية من اجل قصيدة. عندما عاد من طريق المطار ليأخذ القصيدة التي كتبها بالامس، ليلقيها في امسية شعرية ونسيها على المكتب, وعندما عاد ليبحث عنها وجد زوجته قد القتها في القمامة.
    جميل ان نتذكر هذا الانسان، هذا الشاعر في وقت غار فيه جرحنا المكابر، وباتت اوطاننا حقيبة والكل مسافر.

  5. يقول لوتس - USA:

    جميل جداً – أحسدك اذ كنت قريبة منه الى هذا الحد
    لكن ابداً لا اعتقد انه لا يعلم معنى ان تكون العصمة بيدك
    بانتظار المزيد منك .. تحية واحترام

  6. يقول خليل قطاطو:

    للتاريخ ، ما تاريخ هذا اليوم الرمانسي الجميل ؟

  7. يقول خليل قطاطو:

    اقصد الرومانسي

  8. يقول رنا قباني بريطانيا:

    وداعاً يا أحب و اعذب الأصدقاء!
    لقد استقلت من الكتابة في ملحق يوم الأحد للقدس العربي، ولكن لا بد ان تأتي فرصة اخرى اكتب فيها عن زواجي الاول و الثاني من محمود درويش.
    و عن الذاكرة السورية التي محيت من الأذهان.
    شكرًا لحسن الإصغاء و دفء المشاعر.
    أختكم،
    رنا قباني

  9. يقول عمر العمادي:

    النص باكمله قصيدة … بانتطار السيرة الذاتية الكاملة …

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية