سجل أنا إنسان

حجم الخط
25

التحقت ببرنامج «الماجستير» في الجامعة الأمريكية في بيروت بعد أسابيع من زواجي من محمود، وقلت بصراحة لرئيس قسم الأدب الانكليزي وقتها، الدكتور جورج خير الله، أنني لا أستطيع دفع القسط الهائل المطلوب. أعطيته شهادة البكالوريوس التي نلتها من جامعة جورجتاون، فلمح أنني التحقت بها في السادسة عشرة من عمري، وأتممت دراستي خلال سنتين عوضا عن الأربع، لأنني أخذت عشرين مادة في السنة، بدلا من عشر. احتجت لإذن خاص لكي أفعل ذلك، وكان شرط إدارة الجامعة أن تبقى علاماتي فوق معدل التسعين في المئة، وحصل ذلك. فسألني كيف؟ أجبت أنني درست ما أحب، والممتع سهل؛ ولم يستهوني العيش في واشنطن، فأردت أن أغادرها بأسرع وقت، ولكن بشهادة جامعية؛ ثم أن معدلي وهبني منحة، لأن الحالة كانت فريدة، خاصة لإمرأة أجنبية.
كنت أعمل في مكتبة الجامعة بعد الحصص. هكذا تمكنت من أن لا أكلف والدي من معاشه المحدود، ولم أعد أقبل منه قرشا بعد سن السابعة عشرة، وهذا الشيء هو بديهي لتحرر أي فتاة. ابتسم هذا المثقف اللامع، الذي كان صديقا قديما لأدوارد سعيد، وأصبح فيما بعد صديقا لنا، وسألني ما هو موضوع رسالة الماجستير الذي أريد بحثه، فقلت شعر أميلي ديكنسون. رد على الفور: «اذاً، اعتبري أنك أصبحت منذ الآن مدرسة للأدب الأمريكي في قسمي، ولن نأخذ منك أي قسط، بل سندفع لك مبلغا رمزيا، 400 ليرة لبنانية في الشهر». شهقت من الفرح، وانربط لساني وأنا أحاول أن أشكره، فأسكتني بحركة يد، وبشهامة لم أنسها ابداً: «إن هذه الجامعة بحاجة إليك، لأنك جئت في وقت غادر الكثير من الأساتذة الى الخارج بسبب الحرب، وأنت فعلت العكس تماماً، فأهلا وسهلا بك!». وهكذا ابتدأت بالتعليم، وأنا في عمر طلابي. فكان الظرفاء منهم يدخلون الصف ويسألونني: «وين المعلمة؟»، ثم يبتسمون ونبدأ الدرس. نكت من هذا النوع أعجبت محمود، ورواها للأصحاب، وهو يمسك بمسبحة جديدة كل شهر، كنت أشتريها له عند قبض راتبي من صائغ على طريقي (بأمل أن تشغل أصابعه عن سيجارته الأبدية، ويخفف من التدخين)، ويقول بمزيج من التهكم والفخر: «انظروا الى معاش مرتي!».
كنت أشجع طلابي أن يناقشوا النصوص بطريقة حرة، تعكس ما جرى في نفسهم ساعة القراءة، فجاءت وظائفهم قوية صادمة. أذكر منها نصا كتبه طالب شيعي من الجنوب، وصف فيه الفقر والعنف العائلي الذي عانى منه، حين ناقشنا رواية جون شتاينبك، «عناقيد الغضب». أعطيته العلامة التامة، وطلبت منه أن يقرأ ما كتب للصف، فكان الصمت التام الذي تلاه التصفيق الحاد والتصفير، فهكذا كانت بيروت الغربية، قبل أن تبتلعها ايران.
كنت أعود الى الدار في الساعة الواحدة، لأحضر الغداء لمحمود ولي، دون ان أعرف إن كان سيأتي وحده لتناول الوجبة، أو مع حشد من أصدقاء. واكتشفت في ما بعد، من أبن عمه عفيف درويش، الذي كنا نزوره في دمشق حيث سكن، أن والده، أي عم محمود، كان معروفا في البروة، بجلوسه في أعلى نقطة من الضيعة عند ساعة الظهر، لكي ينادي كل من يرى ان يتفضل للغداء عنده. فكانت هذه الصفة في جينات زوجي، وكان علي أن أدبر أموري لكي أطعم من يدخل. حين تزوجته، كنت لا أعرف إلا تحضير نوعين من الطعام، وهما «السباغيتي بولونييز» و «كعكة جوز الهند». فكنت بحاجة الى إنقاذ من هذه الورطة، فأسعفني فوراً عمي نزار، الذي تعلم الطبخ المتقن من أمه، مثله مثل كل أخوته الصبيان، إذ انهم تغربوا على صغر للدراسة أو للعمل، وكانت جدتي فائزة اق بيق متأكدة من أنهم سيشتاقون لطعم أكلها، الذي اشتهرت به في الشام القديمة. كنت أكلم عمي من عند اللحام الحلبي، الذي كان هو الآخر شاعرا في أناقته ونظافته وإحساسه المرهف، كما في تحضير كل قطعة يجهزها للزبون. تعود أن يخطف الهاتف من يدي، ليتحدث مع عمي عن البحور الشعرية، وعن أجود طريقة لصنع «اللبنية». بدأت بأسهل مرحلة، وهي الكبة النية، التي كانت المفضلة عند محمود، ولكن مع «الحوسة» الفلسطينية، وسلطة الزعتر البري بالسماق. ثم تفرعت درجات حتى أتقنت طبخ الملوخية المصرية، التي كان سرها- كما أوضح لي معلمي الماهر -هي «الدمعة» أي عصرة بندورة طازجة تضاف لها بعد طرقة الثوم والكزبرة، وقبل الغلوة الأخيرة.
في يوم من الأيام وأنا في محل ثياب في شارع الحمراء، قال لي صاحبه الفلسطيني الأصل، أن زوجته السورية «تموت على» شعر محمود درويش، وأكبر حلم لديها هو أن تتعرف عليه. كان والدها صديقا لوالدي، فقلت له أن يأتي معها لتناول الغداء معنا يوم الأربعاء، إذ كانت الماء تصل الى البناية فقط في هذا اليوم، فتمكنني من غسل الخضار وتعبئة المغطس والأوعية والقناني. وفعلا، وصلوا في تمام الساعة الواحدة، وكانت صفاء ترتعش وترتجف من إنفعالها، فسلمت علي بالكاد، وجلست على طرف الكرسي كمن يستعد لمقابلة الإمبراطور. بعد دقائق، سمعت «فتلة» مفتاح محمود في الباب، ودخل الى الشقة، واستنشق الرائحة، ثم صرخ: «آخ! ملوخية! ملوخية!».
سلم على ضيوفنا بسرعة، وجلس الى المائدة، واستعد لمراسم هذه الأكلة الفرعونية، التي أدمن عليها الفلاح الصعيدي تماماً كما الملك فاروق. حاولت أن أسكب لضيفتي أولاً، ولكنها لم ترد الأكل، اذ كانت تنظر الى محمود بملء عينيها، وتراقبه كأنه هبط من المريخ. أما زوجها، فقال أنه يكره الملوخية منذ الطفولة، ويفضل أن يلعب طاولة زهر معي، ريثما ينتهي زوجي من الغداء. محمود لم ينتبه لكل هذه التفاصيل العجيبة، لأنه كان يريد الغطس في الشوربة الخضراء التي طالما أحبها، وكان «يهمهر» من اللذة ويقول «يا سلام» بعد كل صحن يعيد ويسكبه. غلبت اسامة في الطاولة مرس، فمن وجع الخسران، عض على الخشب الموزاييك وكسر سنه الأمامي، وسال الدم من فمه. وقتها، قام محمود ليجلب له علبة محارم، وفي لحظتها، انفجرت صفاء بالبكاء. قلت لها: «لا تخافي، فجارنا حكيم أسنان، وسننزل لعنده فوراً لكي يرتب الأمر».  فنظرت الي وكأنني حمقاء، لا أفهم أي شيء في الدنيا، وقالت بلهجتها الدمشقية العميقة: «لك شو هل الشاعر، يامو؟ شو هل الشاعر يلي بحب أكل الملوخية!».
وقامت وأخذت زوجها وخرجت، وكدنا أنا ومحمود أن نموت من الضحك من صدمتها هذه، وتصورها أن الشاعر لا يأكل سوى الأزهار، ويعيش عيشة غير عيشة أي إنسان.

رنا قباني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  1. يقول عادل الاسطة نابلس جامعة النجاح:

    هل ستصدر هذه المقالات في كتاب؟وما هي قصة قصيدة “الرمل”؟وهل ما يشاع عن شريط التسجيل بينك وبينه صحيح؟وما رايك في الصورة التي اتى عليها مسلسل في حضرة الغياب لك؟وهل تركت حياتك اثرا في قصائده؟ولماذا ليس لك حضور ريتا في اشعاره؟
    وماذا انجزت من دراسات حول اشعاره،غير ترجمة احمد الزعتر وقصائد اخرى؟
    المقال طريف،واسلوبه ممتع عموما،تحياتي لك

  2. يقول Ossama Kullijah سوريا:

    طبعا رائع اخت رنا بكل هذة اللمسات السحرية في الكتابة ومع انني اخجل في التعليق لكوني اخر مافكرت فية في حياتي هو دراسة الادب الا انني ساكتب بعض السطور مفضلا الكلام على السكوت الحفيقة وخاصة ان كلماتك تفتح الشهية للكتابه مايدفهني هو انني سمعت عن زراج الشاعر الكبير محمود درويش من امراْة سوريا ثم تم طلاقهما بعد فترة ليست قصير وقد تاْثرت كثيرا لانني كنت دائما اعتقد ان زواج شاعر الثورة من لنقل بمعنى حتمالي “الشعب السوري” هو من اجمل قصص المقاومة التي قراْتها بعد ان تغنينا بشعر محود درويش في شبابنا لكن فيما بعد بعد عندما كنت اتابع دراستي في الماني قرأت احدىقصص محمود درويش في القدس العربي التي يدعو فيها الجندي الاسرائيلي لان يرتشف القهوة معه اثناء اجتياح الضفة الفربية وتدمير عملية السلام اذكر جيدا انني شعرت بنوعا من عدم الرضا تماما الى ماوصل الية شعر محمود درويش وتاْسفت لذلك وبعدها حضرت احدى الامسيات الشعرية له في معرض فرانكفورت اثناء معرض الكتاب العالمي (كوني كنت اتابع دراستي في المانيا) ولم اشعر بالراحة بعيدا عن الاحتفال بشاعر عربي كبير يلقي امسية شعرية في مثل هذة المناسبة وهكذا ارتبطت بذهني قضية طلاق محمود درويش من زوجته السورية بفقدان شعر محمود درويش لبراقته وبراعته والاهم من ذلك البعد الثوري العميق والكبير والمؤثر في شعره الذي استحوذ على مشاعرنا وعقولنا نمن الشبان على مقاعد الدراسة طبعا تعليقي هذا ليس الا نظرة شخصية سطحية وليست تحليلة عميقة

  3. يقول Fares F:

    رائعة كالعادة

    أتمنى تخصيص مساحة اكبر للسيدة رنا حتى تكون القصة أطول

    “ما منلحق نغوص بالقصة… بتكون خلصت”

  4. يقول محمد الزيات فلسطيني من سويسرا:

    أشكرك كثيراً علي مقالك الرائع فبمقالق سافرت سنين الي المضي كي أعيش نوستاجليا سنين الادب والفلسفة، مقالك هو علاج مؤقت ولكنه يكفي لكي يبعد فكر الانسان علي الاوضاع الحزينه الي يعيشها وطننا العربي.
    كل عام وانت بالف خير.

  5. يقول ahmad ismaeil. Holland:

    سؤال للاخت رنا قباني اذا ممكن،الشاعر نزار قباني والشاعر محمود درويش هم من برج الحوت، و السيدة بلقيس زوجة الشاعر نزار قباني هي من برج الحمل،السؤال هو هل انتي ايضاً من برج الحمل؟

  6. يقول سالم العبد:

    الرائعه رنا قباني استمري…عندي سؤال امل ان اجد اجابته عندك:هل محمود درويش درزي؟! …انا لم اعر اهتمام في يوم لديانة او مذهب اي شخص ولكن قبل ايام كنت استمع لاحدهم يؤكد ان محمود كسميح القاسم كلاهما من الطائفة الدرزيه .سؤال فقط للتأكد لا غير

    1. يقول وليد جبرين فلسطين:

      الاخ سالم العبد ، محمود درويش من المسلمين السنة بكل تأكيد وهو احد افراد الحزب الشيوعي الفلسطيني في الماضي بكل تأكيد ، اما اذا كان قد توفاه الله وهو مؤمن بعقيدة اهل السنة والجماعة فهذا ما لا استطيع اجابتك عليه ايضا بكل تأكيد وتقبل تحياتي

    2. يقول وليد جبرين فلسطين:

      رائعة انت ايتها القبانية الدمشقية ، في سطر واحد تسردين لنا قصة ! وفي كلمة او اثنتين تعطيننا خبرا !! وما بين الاحرف والكلمات تحوليننا الى طيور تبحث عن فراخ لها طارت من اعشاشها قبل اكتمال نموها ، شكرا لك على هذا الابداع .

    3. يقول germany:

      الشاعر محمود درويش رحمه الله من بلدي من قرية جديده في داخل فلسطين قضاء مدينة عكا. عائلته تسكن في بلدتي. وانتقلوا الى هذه البلده بعد تهجيرهم من بلدهم واسمها البروه. الان هي مجمع لليهود ويسكنها يهود فقط بعد الاستيلاء عليها. وهو عربي مسلم .

  7. يقول محمد المغربي - ليبيا:

    أعجبني جداً كفاحكِ وتصميمك على اكمال دراستكِ بوقت قياسي ونجاحكِ في ذلك وعدم انبهاركِ بواشنطن وعودتكِ لإكمال دراستكِ بالوطن وكذلك وجود أساتذة يقدرون مثل ذلك , السرد كان غاية في الروعة وبطريقة بسيطة عفوية نقلتنا بسلاسة بين الشخصيات وجعلتني أنا شخصياً أتخيل حتى الثياب ونبرة الأصوات والقهقهات وحتى روائح الطعام وكأنني كنت أشاهد حلقة من مسلسل ولست أقرأ مقال.

1 2

اشترك في قائمتنا البريدية