أكتب لكم من الطائرة، بعد أن هدأت مخاوفي وأصبح ابتلاع ريقي أمراً ميسراً. منذ سنوات قليلة، نشأ لدي خوف غريب من هذه الطائرة، لا أعرف تحديداً أسبابه ولا دوافعه، فجل ما كان يصيبني عند صعودي على متن هذه الآلة الحديدية هو دوار شديد يتركني مرهقة راغبة في النوم، عدا ذلك ما كنت أفكر في شيء من عظمة تكنولوجيا هذه المركبة ولا فداحة اختلالها اذا ما حدث.
حاولت أنا ومجموعة من الأصدقاء ملاحقة بدء هذه المخاوف زمنياً، وتوصلنا الى أنها بدأت لدي منذ ولادة صغيرتي ياسمينة. فلسفت إحدى الصديقات هذه المخاوف على أنها تنبع من واقع أنه أصبح لحياتي معنى أعمق بوصول الصغيرة وأنني أخشى فراقها خشية فوق عادية حتى نبتت في قلبي مخاوف ما كانت، حولت تجاربي العادية الى تهديد مرعب باحتمال حدوث شيء لي يفرقني عن صغيرتي. لا أدري ان كانت هذه النظرية حقيقية ولكن المؤكد أنني كلما فكرت فيها فوت قلبي نبضة، وتسابق الخوف والمنطق في وعيي بدون أن يكون للمنطق أي فرصة انتصار.
على يساري يجلس الثلاثة، استثماراتي في الحياة، مشاريعي المستقبلية. أطرفهم بعيني كل دقيقة، هذا ما أنهى طعامه، تلك سقط لحافها عن يديها، والصغيرة، آه من الصغيرة، كمبيوترها في حضنها، عيناها الداعجتان مركزتان في شاشته، لا تدرك ما يجول في خاطري، لا تعلم بحبي الذي وصل حنجرتي فملأها بكاءً مكتوماً محرجاً غير مسبب.
إذن ها أنا، أم تقليدية، كل تعليمي، كل قراءاتي، كل ادعاءاتي المنطقية، اختفت كلها عند وجوه قدام هؤلاء الثلاثة، عند أصابع أياديهم التي احفظ أشكالها عن ظهر قلب، عند ضحكاتهم، آهاتهم ورغباتهم. يرونني رجعية، يرونني صارمة، بل يرونني جافة جادة، وأنا، كما تقول الملكة اليزابيث الأولى في شعر لها ما معناه، خارجي ثلجي ولكن داخلي يتقد بنار المحبة. على يميني يغط الحبيب في نوم عميق. قبل دقائق كنت أعتصر يديه رعباً حارقاً والجسد الحديدي الثقيل يخلع نفسه من أرضه. هذا الرجل الوحيد الذي يرى النار المتقدة خلف ما يراه البعض غطاءً جليدياً. هل من الطبيعي أن تحب امرأة رجلها أكثر من أبنائها؟ ولم أبالِ وأنا التي لم تعتمد يوماً الطبيعية في الحياة، التي لم تعترف يوماً بنمط واحد صحيح، بحقيقة مطلقة، لم يقلقني الآن اختلافي؟
في العلبة الحديدية نجتمع، أجناساً وأعراقاً وأدياناً، يوحدنا الخطر، توحدنا الوجهة، يجمعنا المصير المشترك. غريبة هي الدنيا، بعد ساعات سنصل ونفترق وتنسل خيوط وحدتنا. على الطائرة قدرنا واحد، على الأرض أقدارنا متفرعة متشعبة، يختفي ما كان يجمعنا، نفترق في الغالب للأبد بلا أي فرصة للقاء. أنظر في عيني السيدة المحدودبة الهندية وهي تعب الممر الى آخر الطائرة، ينتابني شعور قوي بقربي منها، بمماثلتي لها. أهو الخوف يجمع قلبي بها؟ أهو القلق يعزز كل الحواس الانسانية فيرهف نظري وسمعي وشعوري بالآخر؟
تهتز الطائرة قليلاً، فتزوغ عيناي، أتعلق بكمبيوتري كما طوق النجاة. أنظر لرفيقي يغط بلطف، لطيف كريم متسامح هو في نومه كما في صحوه. أفكر في البحث عن يديه الدافئتين الآمنتين أسفل غطائه. أشفق عليه أن أسلبه غطيطه. أنظر إليه، أنظر للصغار وما عادوا صغاراً. كلنا هنا، سأحميهم بحبي وسينقذونني بهذه الكيميائية المشتعلة بيني وبينهم. نظرة واحدة لأي منهم كفيلة بأن تحرك أحشائي، فأي خطر له أن يهدد هذه العلاقة؟ أكرمني القدر وما أكرم الكثيرين غيري، رحمني الحظ وكم كان متوحشاً جاحداً مع آخرين. أفكر في هؤلاء الآخرين، أفكر في نفسي، أفكر في الأولاد على يساري وفي رفيقي على يميني، في حياة مضت ومستقبل نتطلع اليه. كل الأفكار تبدو حادة لامعة واضحة، كأنني ما أن صعدت الطائرة حتى تحولت شاشة عقلي من تلك التقليدية الى الأخرى المتطورة المستوية طاغية البيان، ساطعة الألوان. كل الأفكار واضحة، كل الأقدار فارغة، كل المخاوف ساطعة، كل المحبة يانعة حارقة، كأنها قطفة فلفل طازج.
لا أكاد أستوعب هذا الوضوح، لا أستطيع تحمل هذه الحدة في الحواس، أود لسمعي أن ينتقي، ولعيني أن تغبشا، ولقلبي أن ينبض بانتظام، ولغطائي الجليدي أن يعود متجمداً من جديد. تغشاني مخاوفي فأمد يدي لقرائي، بيننا سماوات وبحور، وتوحدنا صفحة «القدس»، وتوحدنا قضية القدس، وكما أفترق ورفاق الطائرة، أفترق وإياكم بعد كتابة المقال. إبان الكتابة، أنتم أماني وأنا في ضيافتكم.
د. ابتهال عبدالعزيز الخطيب
السلام عليكم
((وتوحدنا صفحة «القدس»، وتوحدنا قضية القدس، وكما أفترق ورفاق الطائرة، أفترق وإياكم بعد كتابة المقال. إبان الكتابة، أنتم أماني وأنا في ضيافتكم. )) إ.هـ الإقتباس
بغض النظر عن مجريات سير الحدث الذي صورته لنا “الكاتبة” ولكن حسب ما كتبته في آخر مقالها (العبارة اعلاه) قد شممت رائحة الفراق والوداع للكاتبة (د. ابتهال عبدالعزيز الخطيب) للجريدة والقراء…أتمنى أن يكون ظني في غير محله لأنّنا سوف نفتقد من نخالفه الرأي وننسجم معه لتصويب سكة القطار لنجعله فوق السكة وإنّ الإختلاف في وجهة النظر لا يعني دائما الإختلاف والإفتراق فيبقيى الكاتب كاتب والمعلق معلق ولكل ساعد لترميم ما أفسده الدهر…
بقاؤك يا دكتورة للجريدة أرض خصاء لتفاعل القراء والمعلقين وأصحاب الإختصاص وفراقك مكان لا يعوض رغم إختلافنا معك في وجهة بعض القضايا التي تثيرينها ..ورغم ذلك تبقي كاتبة لك تبجيلك وإحترامك
(هذه قراءتي لآخر عبارة كتبتيها في هذا المقال وأتمنى أن أكون ظني في غير محله..)
ولله في خلقه شؤون
وسبحان الله
قرأت هذه المقالة( المعاناة ) بتأن من اولها حتى الحرف الأخير ، حيث لم اجد بها ثمة ما يفيد القارئ بشئ غير السماع لحدوثة مسافرة في طيارة لأول مره شأنها كشأن الكثير من السيدات اللواتي تصاب بما يشبه الرهاب عندما تصعد الى الطائرة ومعها اطفالها وتتخيل لو تسقط هذه الطائرة كيف سيكون مصير اطفالها !؟ مثل هذه القصص الشخصية الخاصه لا تهم القارئ في شئ ولا تساوي مطالعتها الا تضييع للوقت .